تبرّع الآن
President Barack Obama lights a candle during a visit to the Shrine of Our Lady of Charity in Miami

White House https://www.whitehouse.gov/photos-and-video/photogallery/may-2015-photo-day

أريد رحمة لا ديمقراطية

نظرة إلى واقع الديمقراطية

 “حُكم الشعب بالشعب للشعب” أو “الديموقراطية”: نظريّة يعتبرها علم السياسة الحديث من أنجح الأنظمة عبر التاريخ أو على الأقلّ من أكثرها تقديراً لحقوق الشعوب والمساواة بين الأفراد.

لم يُطبَّق مفهوم الديموقراطية بشكل تامّ عبر الزمن ففي حين أنه حقق تغيّرات بارزة في حياة الطبقات الأكثر حاجة، ووصل في أفضل ظروف تطبيقه إلى حدود المساواة بين جميع الناس من حيث الحقوق والواجبات؛ بقي في الكثير من الأحيان مغلّفاً بمفاهيم أخرى أغلبها له طابع ديكتاتوري أبعده عن جوهره فتارةً كنا نسمع بديموقراطية توافقية وطوراً بديموقراطيات الطبقة وغيرها من الابتكارات…

لعلّ أبرز ما أنتجته الثورة الفرنسية كان تعميم أسس الحرية والعدالة والمساواة بحيث أدخلت العالم الحديث بدوامة تتطلب من المسؤولين سعياً يومياً حثيثاً لتطبيق المبادئ الثلاث المذكورة أحسن تطبيق من أجل استرضاء الطبقات كافة والاحتفاظ بمكانتهم السياسية.

سُنَّت التشريعات، وأعيدت صياغة الدساتير بحيث أصبحت أكثر ملاءمةً مع قواعد الديموقراطية التي اعتبرها المناضلون بوابة الخلاص من جميع أنظمة التفرّد والتسلّط والحكم الأحادي؛ ولكنّ هذا النظام الجديد غفل عن أمرين مهميّن:

الأول، أنه لم يعالج مسألة “الأنانية” في التعامل بين الدول، بحيث أن عمل الدول بات يتركّز على مراعاة حقوق شعوبها والحفاظ على العدالة الاجتماعية بين حدودها في وقتٍ تُترك فيه دول أخرى رازحةً بمشاكلها وكل ذنبها أنها لا تملك المقدّرات أو وسائل الحلول.

والثاني، أنه يعالج إشكاليات على حساب أخرى ويُعلي شأن القانون إلى مرتبة الحكم الأعلى بحيث أصبحت العدالة خاضعة للقانون وليس العكس.

يقول أحد المشرّعين الكبار أنّ قضاة اليوم يحكمون بالقانون وليس بالعدل، ولهذا القول نتائج هامّة جدّاً إذ إنّ القانون قد لا يكون عادلاً في حالات كثيرة ولعلّ أبرز مثل في هذا الإطار هو قضيّة الفلسطيني يوسف شعبان الذي حُكم بالإعدام المُخفّض إلى السجن المؤبّد أمام المجلس العدلي اللبناني لاتهامه باغتيال ديبلوماسيين أردنيين، ومن المعلوم أنّ أحكام المجلس العدلي لا تقبل أي طريق من طرق الطعن ولا الرجوع عنها، فكان أن بقي يوسف شعبان سجيناً في إحدى زنزانات لبنان لمدة طويلة جداً مع أنّ السلطات الأردنية ألقت القبض على المتهمين الفعليين وأعدمتهم بعد ثبوت الادانة…

ومثلٌ آخر في هذا المجال هو القول الشهير بأنّ: “القانون لا يحمي المغفّلين”…

فمهلاً مهلاً أيتها الديموقراطية، أيّ حريّة تقدّمين وبأيّة مساواة تُبشّرين؟

بموازاة كلّ ما تقدّم انعقد في الكنيسة الكاثوليكية المجمع الفاتيكاني الثاني الذي دام عدة أعوامٍ، فذهب أبعد من القانون بكثير لا بل أبعد من العدالة والمساواة وحتى الحرية، مختصراً كلّ أنظمة وتوجهات ورؤى بكلمة واحدة: المحبة!

“فبشرى المسيح هي التحرّر من كل عبوديات العالم” (يوحنا بولس الثاني) وما بشرى المسيح سوى البشرى بالمحبة وصولاً إلى حرية الذات والآخرين، وما تجليّات المحبة إلا بالرحمة!

نعم، إذا كان القانون لا يحمي المغفلّين فإنّ الله يحميهم بالتأكيد، لأنّ الله لا يحكم بالقانون بل إنّ أحكامه ملؤها الرحمة… ولأنّ الحرف يقتل أما الروح فيحيي، فإنّ مشيئة الله هي بالتأكيد الرحمة قبل القانون وقبل ديموقراطيات العالم كلها…

إنّ البشرية اليوم على مشارف اليوبيل الاستثنائي للرحمة الذي سيعلن قداسة البابا فرنسيس افتتاحه في الذكرى الخمسين لاختتام المجمع الفاتيكاني الثاني في 8 كانون الأول 2015، فلتكن مناسبة لنا لإعلاء شأن المحبة والرحمة في مجتمعاتنا ولنتخطى قيود القوانين والأنظمة لتحرير النفوس التي سبق أن رحمنا الله وإياها يوم غلب جبروت الموت منتصراً بخشبة صليبه المقدّس.

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير