تبرّع الآن

Kaunas, Rencontre Avec Les Consacrés Et Le Clergé, 23 Sept. 2018, © Vatican Media

إذا تحدّثت عن الإيمان، كان لك وللذين حولك الأمان والسلام أمّا إذا توقّفت عند العقيدة والاعتقاد، فأنت ماضٍ إلى الخلاف والقتال

بين الإيمان والمعتقد

إذا تحدّثت عن الإيمان، كان لك وللذين حولك الأمان والسلام أمّا إذا توقّفت عند العقيدة والاعتقاد، فأنت ماضٍ إلى الخلاف والقتال. والتاريخ أكبر شاهد على هذه المقابلة. الإيمان يربطنا بالله أمّا الاعتقاد فيبقينا على مستوى البشر. هو الظنّ بنفسي والظنّ بالآخرين. أمّا العقيدة فمن جذر “العقدة”. هو ارتباط بين بعض الناس تجاه الآخرين، الذين يعتبرون أنفسهم أهل الحقّ والمعرفة ويتعلّقون بالحرف لا بالروح، يرون في الذين ليسوا معهم خصوصًا أعداء. ولهذا ينبغي أن نزيلهم من الوجود. وهنا يتولّد العنف بكلّ أشكاله. أمّا المثال الذي يجمع أهل الشرق كلّهم فهو إبراهيم.

هو رجل الإيمان. ودعاه الربّ فلبّى النداء وما نظر إلى إخوته وأقاربه الذين لبثوا حيث هم. الهدف الذي وضعه أمامه ليس الربح الماديّ ولا الانتصار على الآخرين ولا الفتوحات كما اعتادت الشعوب القديمة أن تفعل، من الأشوريين إلى البابليين، إلى الفرس إلى الإسكندر المقدوني. وعن هذا الأخير نعرف أنّه وصل إلى مدينة صور المحاصرة. أراد الدخول إليها ففتحت له أبوابها باسم الضيافة الشرقيّة ولكن حين أراد أن يقدّم ذبيحة لإلهها “ملقارت”، الذي هو إله القرى والمدينة، رفضت له هذا الامتياز، وكانت حربٌ دُمّرت فيها المدينة وكَثُر القتلى. “ملقارت” هو إلهنا ولا دخل لك فيه. أضحى الله يخصّنا، ولا نحن نخصّ الله. لست أدري لو كان الإسكندر قدّم الذبيحة أو أيّ صلاة لإله صور ولغيرها من المدن.

ذاك هو الانقسام الذي شكّل أكبر كارثة، وذلك باسم الدين. ديني هو الدين الحقيقيّ، وعقيدتي يجب أن تتغلّب على عقيدتك. أمّا أنت ففي الظلام، ففي الضلال لأنّك لست مثلي ولا تعتقد ما أعتقد به ولا تتصرّف كما أتصرّف. قيل عن إبراهيم: آمن بالله. هي الصفة الأساسيّة التي جعلت اليهوديّ ينطلق منه ويعلن أنّه إبن إبراهيم. لا شكّ في أنّ كلّ إنسان هو خليقة الله. وهو يخصّ الله. ويفتخر بأن يؤمن به وأن يفعل الصالحات، لأنّ الإيمان بدون عمل يكون إيمانًا مزيّفًا. والويل للذين يقولون ولا يفعلون تجاه الله وتجاه القريب. وما أحلاه ابراهيم حين كان الخلاف بين رعاته ورعاة لوط ابن أخيه. ها هنا يكون الإيمان: يا ابن أخي، تمضي إلى الشرق أمضي إلى الغرب. والعكس بالعكس. ولمّا حلّ الخطر بابن أخيه، على مستوى السلب والنهب، راح يستعيده من الأسر ويرفض أن يأخذ شيئًا ممّا استعاده من المهاجمين.

إبراهيم هو لنا. بل لنا نحن. ونتقاسم ونتجادل ونتقاتل. حتّى في الديانة الواحدة. انطلقنا بعضنا مع بعض وما عتَّمنا أن اختلفنا. وكانت الحروب بيننا ولا سيّما إذا دخلت السلطة السياسيّة التي تريد أن تستغلّ المؤمنين وتُحدرهم من الإيمان بالله، والله واحد لليهودي واليوناني، للعربي وللفارسي، للشرقي والغربي. هل ابراهيم يهودي أم نصراني؟ من هو ابنه؟ إسماعيل أم إسحق؟ ولماذا لا يكون الاثنان؟

لو كنّا نقرأ الكتب الإلهيّة! ففي التوراة، كان إسماعيل في جهة مع اثنتي عشرة قبيلة وإسحق مع اثنتي عشرة قبيلة وكذا نقول عن عيسى ويعقوب. فالوحي وصل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب… وصولاً إلى المؤمنين.

فالذي يصلّي في المعبد، أو يعتزل على أحد الجبال، أو هو يدخل مخدعه ويصلّي إلى الله من كلّ قلبه… كلّهم يلتقون بالله. هناك يكون لقاء الإنسان بالإنسان.

ما أجمل المؤمنين في حركة واحدة يصلّون معًا. وجوههم إلى الله. فينظرون رحمته وحنانه، فيعلّمهم الرحمة بعضهم تجاه بعض.

إعرِف أخاك الذي هو بقربك. ولكنّه لا يصلّي مثلي. ولكن أتعرفون أنّ ما من أحدٍ بصلّي إلى الله في قلبه يشبه أيّ مؤمن آخر؟ خارجيًّا هي الحركات نفسها. ولكن في الداخل حين نسلّم حياتنا وصعوباتنا وأفراحنا لله، كلّ واحدٍ يأخذ طريقًا وفي النهاية نكون لدى الله. الذين يعملون الصالحات إلى قيامة الحياة والذين يعملون السيّئات فإلى قيامة الدينونة. أمّا كيف يعاملهم الله؟ لا شكّ بالرحمة. فهم جميعهم خلقه. فالكريم عند الله هو التقيّ. هو العامل بوصايا ربّه. فما الفائدة أن أكون من هذه الطائفة ولا أتعامل مع الآخرين كما يريد الله، فهم جميعًا خلق الله. والوصيّة: لا تقتل هي من عند الله. فإذا كنت أنا أقتل وأسلب وأنهب وأتعدّى خصوصًا على الضعفاء والمساكين والفقراء فهل أعتبر نفسي مؤمنًا؟ كلاّ. وما أشنع الذين يختبئون وراء الدين أو السلطة الدينيّة ليرتكبوا المُنكرات من أيّ نوعٍ كانت.

أنا أطنّ، أنا أعتقد، أنا أعرف. ديانتي هي هذه غير ديانتك. إذا كنّا جميعًا خلق الله، فلا فرق عند الله بين هذا المذهب أو ذاك. فالإيمان يجعلني أرى في الآخر، أيًّا يكُن الآخر، أخي، أختي، أبي، أمّي،… وإلاّ نعود إلى العصور الجاهليّة حيث القبيلة المجاورة هي عدوّة فيُسمح لي بغزوها وسلبها. فالآخر، والغريب هو العدوّ! لماذا لا يكون الصديق، فنسير معًا ويساند الواحد الآخر. ها هنا هو الإيمان. أصدّق الآخر، أؤمّن له لا أنظر إلى وجهه ولا إلى جبينه ولا إلى بلده ولا إلى مذهبه ودينه. هو إنسان وهذا يكفي. الله خلقه والله يعرف أن يتعامل معه. أمّا أنا فأفرح بكلّ خير وصلاح أمامي. هذا هو المؤمن. وغير ذلك نحن لا نعرف الله وبالتالي لا نعرف القريب.

قال بعض الفلاسفة في الغرب: “مات الله”. وهكذا نستطيع أن نفعل ما نشاء. وكانت الحرب بعد الحرب. والأخيرة تركت وراءها ستّين مليون قتيل. وقال قايين: الله لا يراني. فمضى إلى البريّة وقتل أخاه. أمّا الأبرار فقالوا: “الله يراني”، كما الأمّ ترى أطفالها ووقت الحاجة تنبّههم على الشرّ الذي يمكن أن يصنعوه لإخوتهم وأخواتهم.

وأتذكّر صلاة نعلّمتها وأنا صغير ولا أزال أذكرها: “لقد آمنت بك يا ربّ فزِدني إيمانًا، وعليك اتّكلتُ يا إلهي فزِدني اتّكالاً”. آمين.

About الخوري أنطوان القزي

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير