تبرّع الآن

two women gossiping

إعلان الحقيقة … درب قداسة

ما هي نظرتي إلى الكنيسة؟

في عالمٍ تسود عليه السّرعة، وتملأ الأخبار طيّاتِ أيّامه، تأتي الوقائع لتكشف المستور، أو تأتي الأكاذيب لتستر الحقائق. وفي كلتَا الحالتين ها هو الإنسان وكرامته يتألّمان تحت سوط الألسن الـمُدِينة التي تعلو على أسطح الـمَدينة، فترفع ما تعرف من شعاراتٍ وأخبار، منها ما يهدم ومنها ما يهدي … ويبقى المعنيُّ “منشورٌ” ولا يَنُشر.

أمام أخبار المآسي التي تُنشر عن كبارٍ خدموا الكنيسة، تولَد في قلبنا ثورةٌ باطنيّة، وعيبٌ علينا إنْ لم تولد … ولكن! تنقسم ردّة الفعل أمام إعلان ضعف كبار الكنيسة، إلى ردَّاتٍ وردَّات: فمنّا من يدين، ومنّا من ينكر. منّا من يجيب العين بالعين والسّنّ بالسّنّ، ومنّا من يجمّل. ومنّا من يستر. ولكن الأسئلة الَّتي تُطرَح كثيرة: مَنْ منّا يقبل الحقيقة كما هي؟ ومَن منّا يقبلها ببشاعتها؟ ومن منّا قادرٌ أن يسمع ما تقوله لنا الوقائع، بدلًا من أنْ يقول ما عنده؟

كثرٌ يجدون في أخبار اليوم، الَّتي تتمحور حول خطايا المسؤولين في الكنيسة، البابَ الرّحب لإدانة الكنيسة ومن فيها. هم يرنّمون، ليلًا ونهارًا، ترانيم الغضب والسخط على مسامع المؤمنين، إذ إنّهم يعتبرون ذواتهم قدّيسي هذا العصر، ومقدِّسي هذه الكنيسة الفاسدة الملآنة بالخطأة.

كثرٌ ينكرون ويستنكرون، فتصبح الأخبار، وإن صحّت، أكاذيبَ ومؤامراتٍ ضدّ الكنيسة المقدَّسة الكاملة التي لا عيب فيها، فيقصفون الوجهات المُعلِنة بالتكفير والتكذيب خوفًا من أن تنتن رائحة الكنيسة بين “الأعداء”، فتتشوَّه صورتها العظيمة في مجتمع اليوم.

كثرٌ يتسلّحون بمبدأ العين بالعين، إذ أمام كلّ خبرٍ يصيب “عين” الكنيسة، يرجمون “عيون” الإعلام والمنابر الحرّة، فيصبح الجميع عميانًا، يختبئون خلف متاريس المساومات والمسايرات والتَّضليلات. وتصبح الكنيسة نصف عمياء، ولا ترى من الحقيقة إلّا ما يناسب المجتمع، كيلا يعيّبها المجتمع على ضعفها.

كثرٌ يجمّلون، فيصبح الخطأ جميلًا -إذ لا يمكنهم أن يجعلوه صحيحًا وإن حاولوا: فلا يعود الاعتداءُ اعتداءً، ولا النَّصْبُ نصبًا؛ وكأنّ صورة الكنيسة لا تبشّعها تشوّهات إرادة الإنسان، ولا تشيخ عبر تاريخها الأليم.

كثرٌ يسترون وينكرون، عالِمِين بالضُّعف وبالخطأ، غير آبهين بالبحث عن التغيير أو التّحسين. عندها، يصبح الخطأ كالفطرِ الَّذي يأكل الجسم بأكمله. وهم يتبنّون “مسلك النّعامة”: ما لا تراه العين لا يخيف القلب، ويصبح الخطأ المستور داءً لا دواء له، ويعشعش ويتفشّى؛ هؤلاء يتناسون أنّ “ما مِن خفيٍّ إلّا سيظهر”.

أمّا اليوم فالدعوةُ موجَّهةٌ لنا جميعُنا، لكي نُسائل أنفسنا: ما هي نظرتي إلى الكنيسة؟ أما زلْتُ أراها كنيسة المسيح؟ أما زلْتُ أعي أنَّها كنيسةٌ بشريّةٌ بقدْر ما هيّ إلهيّة؟ أما زلْتُ أؤمن بدور الإنسان وبتفاعله مع النّعمة المقدِّسة؟

من يؤمن بأنّ المسيح نورٌ، وبأنَّ مَن يمشي في النّور لا يخشى الظلام؛ ومن يؤمن بأنّ يسوع أتى ليكشف الحقّ، ولو كان الحقّ مؤلِـمًا، فليبحَثْ عن وجه يسوع في الحقائق والأخبار التي تَـمُسّ بتاريخ الكرادلة والأساقفة والكهنة والمكرِّسين.

إنّ وجهَ يسوع وجهٌ صافٍ لا عيب فيه. وإذا كانت الحقيقة مُرَّة، فعلينا أن نعلنها صافيةً من دون إنكارها أو تجميلها أو تضخيمها أو إخفائها. وإذا كانت الكنيسة، اليوم، تثق بالحقيقة، عندها تصبح الحقائق دعوةً دائمةً إلى فحص الضّمير والتوبة.

في كلِّ مرّةٍ كانت الحقيقة مُعلَنَةً -ولو جارحة-، كانت رائحة القداسة تطيِّب وتجدِّد وتشدّد. إنَّ لحظة إعلان الحقيقة هي لحظة فرحٍ عند الله؛ هي لحظة إعلان “هذا هو ابني الحبيب”، حتّى ولو كانت الحقيقة مُرَّة. فلا يرتبط فخر الآب بالخطيئة بل بالتوبة الصادقة. ولا ينبع الأمرُ الصَّادق سوى من حقيقةٍ صافيةٍ تُظهِرُ المحدوديّة أمام اللامحدود، فيُعلِن الخاطئ -كائنٌ من كان ومهما كان تاريخه-: “أقوم وأمضي الى أبي”.

إذًا، لنَقبَلَنَّ الحقيقةَ كما هي، ببشاعتها وسوادها، ولنصغِ إلى علامات الأزمنة تحدّثنا وتُظهِر لنا ضعفنا. فكلّ حكمٍ يصدر، اليوم، عن القضاء، هو صوت صارخٍ في برِّيّة برِّيَّة عالِمنا، يعلن لنا: “توبوا فلقد اقترب ملكوت الرّبّ”. إنْ كان حكم القضاء يقصي أو يسجن أو ينفي، فالتَّوبة تُـحرِّر وتُبرّر وتُخلِّص من عبء الخطيئة والأهواء. فلا نخفنَّ، بعد اليوم، مِنْ ألم إعلان الحقيقة القاسية. ولنُبَلسِمَنَّ جرح الـمُذنب بكلمةٍ تشبه حنان الآب، ولنقوّه في مسيرته، وإن كثرت فيها المطبّات والسقطات. فلا نبرِّرنَّ الضعف، بل فلنقوِّ الضعيف، بقوّة المسيح الذي قال للمرأة الزانية: “قومي ولا تعودي إلى الخطيئة من جديد”.

About الشدياق إيلي سمعان

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير