تبرّع الآن

Carmélites, Antananarivo, Madagascar © Vatican Media

البابا للراهبات التأمّليات: ماذا تصبح الكنيسة بدونكنّ؟

عظة البابا خلال القداس الإلهي مع الراهبات التأمّليات وكلمة مرتَجَلة وجّهها إليهنّ

أيتها الأم العزيزة مادالينا-البشارة،

أيتها الأخوات العزيزات!

أشكرك على الترحيب الحار وعلى كلماتك، أيتها الأم العزيزة، والتي هي صدى لصوت جميع الراهبات التأمّليات من مختلف الأديرة في هذا البلد. شكرًا لكلّ منكنّ، أيتها الأخوات العزيزات، اللواتي تركتنّ الحصن لوقت وجيز، كي تظهرن شركتكن الروحيّة معي ومع حياة الكنيسة ورسالتها بأسرها، وخاصّةً في مدغشقر.

أشكركنّ على حضوركنّ، وعلى أمانتكنّ، وعلى الشهادة المنيرة ليسوع المسيح التي تقدّمونها للمجتمع. هناك فقر في هذا البلد، صحيح، لكن هناك أيضًا الكثير من الغنى! فهو غنيّ بالجمال الطبيعي والإنساني والروحي. أنتنّ أيضًا، أيتها الأخوات، تشاركن في جمال مدغشقر وشعبها وجمال الكنيسة، لأن جمال المسيح هو الذي يضيء على وجوهكنّ وفي حياتكنّ. أجل، بفضلكنّ، الكنيسة في مدغشقر هي أكثر جمالًا في عينيّ الربّ وفي عيون العالم كلّه.

تعبّر المزامير الثلاثة في ليتورجيّا اليوم عن معاناة صاحب المزامير في وقت المحن والخطر. اسمحوا لي أن أركّز على أوّل مزمور، أي على المزمور 119، وهو أطول مزمور في سفر المزامير، ويتكوّن من ثمانية آيات لكلّ حرف من أحرف الأبجدية العبرية. لا شكّ أن مؤلّفها هو رجل تأمّل، شخص يعرف كيف يكرّس لحظات طويلة وجميلة للصلاة. أما الكلمة التي تظهر عدّة مرّات في فقرة اليوم، وتعطي المعنى للمقطع بكامله فهي “ذابت” أو استنفدت، واستخدمت أساسًا بطريقتين.

فالشخص الذي يصلّي يذوب شوقًا إلى لقاء الله. وأنتنّ شهادة حيّة لهذا الشوق الذي لا ينضب والذي يسكن قلب جميع البشر. من بين العديد من العروض التي تدّعي -دون أن تنجح- قدرتها على إرضاء القلب، تظل الحياة التأمّلية هي الشعلة التي تقود إلى النار الأبديّة الوحيدة، “شعلة الحبّ الحيّة التي تجرح بلطف” (القدّيس يوحنا الصليب). أنتنّ تمثّلن “بشكل مرئيّ الهدفَ الذي تسير نحوه الجماعة الكنسيّة بأسرها” التي تتقدّم على دروب الزمن محدقة في اليوم الذي سوف يجمع فيه الله الآب كلّ شيء في المسيح، فتستبقن إعلان المجد السماويّ” (الدستور الرسوليّ البحث عن وجه الله، 2).

نحن نميل دومًا إلى إرضاء شوقنا للأبدية بأشياء زائلة. ونجتاز بحارًا عاصفة لا تقودنا إلّا إلى غرق حياتنا وروحنا: “كما أن البحّار في عمق البحر يحتاج إلى المنارة التي تشير إلى الطريق للوصول إلى الميناء، هكذا يحتاج العالم إليكنّ. كنّ المنائر، للقريبين وخاصّة للبعيدين. كنّ المشاعل التي ترافق مسيرة الرجال والنساء في ليل الزمن المظلم. كنّ حارسات الفجر (را. أش 21، 11- 12) اللواتي يعلنّ شروق الشمس (را. لو 1، 78). مع تجلّي حياتكنّ وبكلمات بسيطة، مجترّة بصمت، اهدونا إلى الشخص الذي هو الطريق والحقّ والحياة (را. يو 14، 6)، الربّ الوحيد الذي يمنح الملء لحياتنا ويعطي الحياة بفيض (را. يو 10، 10). اصرخن لنا مثلما صرخ أندراوس لسمعان: لقد وجدنا الربّ (را. يو 1، 40)؛ اعلنّ، مثل مريم المجدلية صباح القيامة: لقد رأيت الربّ (يو 20، 18)” (نفس المرجع، 6).

لكن المزمور يتحدّث أيضًا عن استنفاد آخر: الاستنفاد الذي يشير إلى نيّة الأشرار، استنفاد الذين يريدون تدمير البارّ؛ يضطهدونه، ويكيدون له مصائد، يريدونه أن يسقط. والدير هو دائمًا المكان الذي تصل فيه أحزان العالم، وأهوال شعبكنّ. عسى أن تكون الأديرة، مع احترام دعوتكنّ التأملية وقوانينكنّ، أماكن ترحيب وإصغاء، خاصة للبائسين. هناك اليوم معنا اثنين من الأمّهات، فقدتا أبنيهما، وهما تلخّصان كلّ آلام إخوتكنّ في الجزيرة. كنّ منتبهات لصرخة ومآسي الرجال والنساء من حولكنّ، والذين تستهلكهم المعاناة والاستغلال والإحباط. لا تكنّ من اللواتي يستمعن للآخرين فقط من أجل التغلّب على الملل، أو لإرضاء فضولهنّ أو لتجميع مواضيع للمحادثة.

في هذا الصدد، لديكنّ مهمّة أساسيّة تقمن بها. إن الحصن يضعكنّ في قلب الله، وبالتالي، حيث وضع الله قلبه. أصغينَ إلى قلب الربّ كي تصغينَ إليه أيضًا في إخوتكنّ وأخواتكنّ. غالبًا ما يعاني الأشخاص من حولكنّ من الفقر الفادح والضعف ويتعرّضون للاعتداءات ويُجرَحون بألف طريقة؛ لكنّهم مفعمون بالإيمان ويرون فيكنّ شاهدات لوجود الله، ومراجع ثمينة للقاء به ونوال مساعدته. وبسبب الألم الذي يستهلكهم داخليًّا، والذي يسلب منهم فرحهم ورجاءهم، مما يجعلهم يشعرون بأنهم غرباء، يمكنكنّ أن تكنّ دربًا يقود إلى تلك الصخرة التي نذكرها في مزمور آخر: “أَللَّهُمَّ اْستَمع لِصُراخي أصغِ إِلى صَلاتي.مِن أَقاصي الأَرضِ أَدعوكَ إِذا خارَ فُؤادي فاْهدِني إِلى الصَّخرَةِ الَّتي فَوقَ مُتَناوَلي” (مز 60، 2- 3).

إن الإيمان هو أعظم ما يملكه الفقراء! ومن المهمّ جدًا أن يُعلن هذا الإيمان ويتقوّى، بحيث يساعدهم حقًا على العيش والرجاء. وليسمح لكنّ التأمّل في أسرار الله، الذي تعبّر عنه ليتورجيّتكنّ وأوقات صلاتكنّ، باكتشاف حضوره الفعال في كلّ واقع إنسانيّ، بما في ذلك الواقع الأكثر ألمًا، وبرفع الشكران لأن الله يمنحكنّ من خلال التأمّل هبة التضرّع. وأنتنّ، عبر صلاتكن، مثل الأمّهات، تأخذن الأبناء على الأكتاف وتقدنهم إلى أرض الميعاد. “الصلاة ترضي الله وتقدّسنا بشكل أفضل إن كنّا من خلالها، مع التشفّع، نحاول أن نعيش الوصيّة المزدوجة التي تركها يسوع لنا. فالتشفّع يعبّر عن الالتزام الأخويّ مع الآخرين عندما نقدر أن نشملَ فيه حياةَ الآخرين، وأشقّ شدائدهم وأجمل أحلامهم. عمّن يتكرّس بسخاء للتشفّع، يمكن القول بكلمات الكتاب المقدّس: هذا مُحِبُّ الإِخوَة، المُكثِرُ مِنَ الصَّلَواتِ لأَجلِ الشَّعْب (2 مك 15، 14)” (الإرشاد الرسولي افرحوا وابتهجوا، 154).

أيتها الأخوات المتأملات، ماذا تصبح الكنيسة وماذا يصبح الذين يعيشون في ضواحي مدغشقر البشرية بدونكنّ؟ ماذا يحدث لجميع الذين يعملون في طليعة رسالة التبشير، وهنا على وجه الخصوص في ظروف سيّئة للغاية وصعبة وخطيرة في بعض الأحيان؟ فالجميع يستند على صلاتكنّ وهبة حياتكنّ المتجدّدة باستمرار، هبة ثمينة للغاية في نظر الله، تجعلكنّ تشاركنَ في سرّ الفداء من أجل هذه الأرض والأحباء الذين يعيشون فيها.

“قد صِرتُ كالزِّقِّ في الدّخان” يقول المزمور (119، 83)، في إشارة إلى الزمن الذي عاشه وهو يستنفد بطريقة مزدوجة: من الله ومن صعوبات العالم. في بعض الأحيان، وعن غير قصد تقريبًا، نبتعد عنه ونقع في “اللامبالاة، وفي الروتين، وفي الإحباط، وفي الكسل” (الدستور الرسولي البحث عن وجه الله، 11). لا يهمّ… لا يهمّ سِنكن أو صعوبة السير أو الحضور الدقيق على موعد الليتورجيا… نحن لسنا كالزِّقِّ في الدّخان ولكن جذوع تحترق حتى تستهلكها النار التي هي يسوع، الذي لا يخيّبنا أبدًا… والذي يسدّد كلّ الديون.

شكرًا على هذا الوقت المشترك. أنا أعتمد على صلواتكنّ. وأعهد إليكنّ بجميع النوايا التي أحملها خلال هذه الزيارة إلى مدغشقر؛ لنصلِّ معًا كي ينبت روح الإنجيل في قلوب جميع أبناء شعبكن.

***********

كلمة مرتجلة ألقاها قداسة البابا فرنسيس

خلال اللقاء مع الراهبات التأمّليات

سوف يوزعون عليكنّ نصًّا مكتوبًا أعددتُه من أجلكن، لتتمكنَّ من قراءته، والتأمّل فيه بهدوء. والآن أودّ أن أقول لكنّ شيئًا من القلب.

بدأت قراءة كتاب الملوك الأوّل (2، 2-3)، الموجّهة إلى يشوع، بمناشدة للشجاعة: “تَشَدَّدْ وكنْ رَجُلاً”. تشجّعن. لاتّباع الرب نحتاج إلى الشجاعة دائمًا، إلى قليل من الشجاعة، نحتاج إلى الشجاعة دائمًا. صحيح أنه هو من يقوم بالعمل الأثقل، إنه هو الله، ولكن يتطلّب منّا الشجاعة كي نسمح له بالقيام به. تتبادر إلى ذهني الآن صورة، ساعدتني كثيرًا في حياتي ككاهن وكمكرس. كانت راهبتان تسيران، في وقت متأخّر ليلا، من الكنيسة حيث صليِّن الراهبات صلاة الغروب نحو قاعة الطعام، وكانت إحداهما شابّة والأخرى مسنّة. كانت المسنّة تواجه صعوبة في المشي، كانت شبه مقعدة، فحاولت الشابّة أن تساعدها، لكن المسنّة توترت، وقالت لها: “لا تلمسيني! لا تفعلي هذا سوف أقع! يبدو أن المرض -الله أعلم-، قد جعل من الراهبة المسنّة عصبيّة بعض الشيء. لكن الراهبة الشابّة رافقتها دائمًا بابتسامة. في النهاية وصلتا إلى قاعة الطعام، وحاولت الشابّة أن تساعدها على الجلوس، فقالت المسنّة لها: “لا، لا، هذا يؤلمني، يؤلمني هنا…”، ولكنها في النهاية جلست. من المؤكّد أن الراهبة الشابّة، إزاء هذا الوضع، قد رغبت في تركها! لكن تلك الشابّة ابتسمت وأخذت الخبز وحضّرته وأعطته لها. هذه ليست حكاية، إنها قصّة حقيقية: كانت الراهبة المسنّة تُدعى الأخت القدّيس-بطرس، والأخت الشابّة تيريزا الطفل يسوع.

هذه قصّة حقيقية، تعكس جزءًا من الحياة الجماعيّة، وتُظهر الروح التي يمكننا أن نعيش بها الحياة الجماعيّة. المحبّة في الأشياء الصغيرة والكبيرة. كان يمكن لهذه الراهبة الشابّة أن تفكّر: “نعم، لكنني سأذهب غدًا إلى المسؤولة وأطلب منها أن ترسل راهبة أقوى منّي لمساعدة هذه الراهبة المسنّة لأنني لا أستطيع فعل ذلك”. ولكنها لم تفكّر بهذه الطريقة. لقد آمنت بالطاعة: “لقد أعطتني الطاعة هذه المهمّة وسوف أقوم بها”. كانت تقوم بهذا العمل بمحبّة رائعة بقوّة الطاعة. أعلم أن جميعكنّ قد أتيتنّ، أنتنّ الراهبات المحصّنات، كي تكنّ قريبات من الربّ، كي تبحثن عن طريق الكمال؛ لكن طريق الكمال يكمن في هذه الخطوات الصغيرة على طريق الطاعة. خطوات صغيرة من المحبّة. خطوات صغيرة تبدوا وكأنها لا شيء، لكنها خطوات صغيرة جذّابة، “تحبس” الله، خيوط صغيرة “تأسر” الله. هذا ما فكّرت به الشابّة: في الخيوط التي أسِرت بها الله، في الحبال، في حبال المحبّة، التي هي أعمال المحبّة الصغيرة، البسيطة، الصغيرة للغاية، لأن أروحنا الصغيرة لا تستطيع فعل أشياء عظيمة.

كوني شجاعة! شجاعة القيام بخطوات صغيرة، وشجاعة الاعتقاد بأن الله، من خلال صغري، هو سعيد، ويفدي العالم. “لا، أنا أعتقد أن الحياة الرهبانية عليها أن تتغيّر، يجب أن تكون أكثر كمالًا، أقرب إلى الله، ولذا أريد أن أصبح مسؤولة، وأجمع المجلس، كي أغيّر الأشياء!”. أنا لا أقول إن أحداكنّ تعتقد هذا… لكن الشيطان يتسلّل عبر هذه الأفكار. إذا كنت ترغبين في التغيير، ليس فقط تغيير الدير، وليس فقط الحياة الرهبانية، تعلمي أن التغيير -والفداء مع يسوع، فداء العالم- يبدأ بهذه الأعمال الصغيرة من المحبّة، وبالتخلّي عن الذات، التي تأسر الله وتأتي به وسطنا.

دعونا نعود إلى قصّة الشابّة والمسنّة. في إحدى الليالي، قبل العشاء، بينما كانا في طريقهما من الكنيسة إلى قاعة الطعام –كانا قد خرجنا قبل عشر دقائق من الكنيسة للذهاب إلى قاعة الطعام، وكانا يذهبان خطوة خطوة- سمعت تيريزا صوت موسيقى قادم من الخارج …: كان هناك موسيقى احتفال ورقص… وفكّرت في حفلة يرقص فيها الشبّان والشابات، بصراحة، حفلة عائليّة لطيفة… أو ربما حفل زفاف، أو عيد ميلاد… فكّرت في الموسيقى، وفي كلّ ذلك… وشعرت بشيء في داخلها؛ ربما سمعت: “يحلو لي أن أكون هناك”، لا أدري… وفورًا، بكلّ حزم، قالت للربّ إنها ما كانت أبدًا أبدًا لتستبدل عملًا واحدًا من أعمالها تجاه الأخت المسنّة بهذا الاحتفال الدنيوي. كانت هذه الأعمال تجعلها أكثر سعادة من كلّ رقصات العالم.

ستصل إليكن بالتأكيد الروح الدنيويّة، في أشكال كثيرة وخفيّة. تعلمنَّ كيفية التميّزن، مع المسؤولة، ومع الجماعة في المجلس، تميّزن أصوات الدنيويّة، حتى لا يتدخل الحصن. إن الدنيويّة ليست راهبة محصّنة، بل على العكس، إنها “تجربة” تحاول أن تدفعكن خارج الحصن… عندما تأتي إليك أفكار الدنيويّة، اغلقي الباب وفكّري في أعمال المحبّة الصغيرة: هذه تنقذ العالم. فضّلت تيريزا الحفاظ على المسنّة والمضيّ قدمًا.

هذا ما سأقوله لَكُنّ الآن، لن أقوله لأخيفكن، لكنه حقيقة، قالها يسوع، وأجرؤ على قولها أنا أيضًا. كلّ واحدة منكنّ، كي تدخل الدير، كان عليها أن تجاهد، وقد صنعت الكثير من الأشياء الجيّدة وانتصرت، انتصرت: انتصرت على الروح الدنيوية، انتصرت على الخطيئة، وانتصرت على الشيطان. ربما، في اليوم الذي دخلت فيه الدير، بقي الشيطان على الباب، حزينًا: “لقد فقدت نفسًا”، وغادر. لكنه ذهب بعد ذلك ليسأل شيطانًا ذكيًا آخر للحصول على المشورة، شيطانًا شيخًا، والذي بالتأكيد قال له: “اصبر، انتظر…”. إنها طريقة تصرّفٍ معتادة للشيطان. هذا ما يقوله يسوع. عندما يترك الشيطان روحًا حرّة، يغادر؛ بعد ذلك، بعد فترة من الوقت، يرغب بالعودة، ويرى تلك الروح جميلة للغاية، في وضع جيّد، جميلة جدًّا، ويريد الدخول. وماذا يقول لنا يسوع؟ يذهب هذا الشيطان، ويبحث عن سبعة شياطين آخرين أسوأ منه ويعود مع هؤلاء السبعة، ويحاولون الدخول إلى هذا المنزل الجميل. لكنهم لا يستطيعون الدخول عن طريق الضوضاء، كما لو كانوا لصوص، يجب عليهم الدخول بأدب. وهكذا فإن الشياطين “المؤدّبين” يدقّون الجرس: “أودّ أن أدخل…، أنا بحاجة إلى هذه المساعدة، وإلى تلك الأخرى، وتلك الأخرى…”. فيسمح له بالدخول. إنهم شياطين مؤدّبون، ويدخلون المنزل، ويغيّرونك بعض الشيء، ثم يقول يسوع، إن حالة ذلك الرجل أو تلك المرأة تكون في النهاية أَسوأ منها في البداية. ألم تلاحظي أن هذه كانت روحًا سيّئة؟ “لا، لقد كان مهذّبًا جدًّا، جيّدا جدًّا! والآن، لا، أنا ذاهبة إلى المنزل لأنني لا أستطيع تحمّل هذا…”. لقد فات الأوان الآن، لقد سمحت له بدخول قلبك أكثر من اللازم. أولم تلاحظي، لم تكلّمي إلى المسؤولة، لم تكلّمي المجلس، أو بعض الأخوات في الجماعة؟ إن المجرّب لا يريد أن يتمّ اكتشافه، ولهذا السبب يتنكّر بشخص نبيل، مؤدّب، وأحيانًا بشخص أب روحيّ، أحيانًا… من فضلك، أيتها الأخت، عندما تشعرين بشيء غريب، تكلّمي على الفور! تكلّمي فورًا! أظهريه. لو أن حوّاء تكلّمت في الوقت المناسب، لو ذهبت إلى الربّ وقالت: “هذه الحيّة قالت لي هذه الأشياء، ما رأيك؟”. لو تكلّمت في الوقت المناسب! لكن حوّاء لم تتكلّم، ولذا حدثت الكارثة. أعطيكنّ هذه النصيحة: تكلّمن فورًا، وتكلّمن في الوقت المناسب، عندما يكون هناك شيء يسلب منكن الطمأنينة؛ أنا لا أقول السلام، ولكن أوّلًا وقبل كلّ شيء الطمأنينة، ثم السلام. هذه هي المساعدة، هذه هي الحماية الموجودة في الجماعة: تساعد أحداكن الأخرى كي تتكوّن جبهة واحدة، ولحماية القداسة، ولحماية مجد الله، ولحماية المحبّة، ولحماية الدير. “نحن نحمي أنفسنا جيّدًا من الدنيويّة الروحيّة، نحمي أنفسنا جيّدًا من الشيطان لأن لدينا فاصل مزدوج، وهناك ستار في وسطه أيضًا!”. الفاصل المزدوج والستار لا يكفون. يمكن أن يكون لديك مائة ستار! من الضروريّ المحبّة والصلاة. المحبّة من أجل طلب المشورة في الوقت المناسب، وللإصغاء إلى الأخوات، وللإصغاء إلى المسؤولة. والصلاة للربّ، الصلاة: “يا ربّ، صحيح ما أسمعه، ما تقوله لي الحيّة، هل هو صحيح؟” كانت تيريزا الصغيرة، بمجرّد سماعها شيئًا ما في داخلها، تتكلّم عن الأمر مع المسؤولة…، التي لم تكن تحبّها، لم تكن تحبّها المسؤولة. “لكن كيف يمكنني الذهاب إلى المسؤولة إذا كانت تغضب كلّ مرّة تراني بها!” نعم، لكن المسؤولة تمثل يسوع. “لكن، أبتي، المسؤولة ليست صالحة، إنها سيئة”. دع الربّ يقول ذلك، بالنسبة لك المسؤولة تمثل يسوع. “لكن المسؤولة مسنّة بعض الشيء، ولم تعد لديها الكفاءة…”. دع المجلس يقرّر؛ أنتِ، إذا كنت تريدين أن تقولي هذا، فقوليه في المجلس، لكن اذهبي إلى المسؤولة، لأنها تمثل يسوع، شفافية القلب على الدوام! ننتصر دومًا حين نتكلّم.

وذهبت تيريزا إلى المسؤولة، وكانت تعرف أنها غير لطيفة. صحيح، يجب أن ندرك أن المسؤولة ليست دومًا ممّن نالوا جائزة نوبل للطف! لكنهن يمثلن يسوع. درب الطاعة هي الدرب التي تجعلك تنقاد بالمحبّة، وتجعلنا موضوعًا للمحبّة.

ثم مرضت تيريزا. أصبحت مريضة وبدا لها وكأنها تفقد شيئًا فشيئًا إيمانها. هذه المسكينة، التي عرفت كيف تطرد الشياطين “المؤدّبين” في حياتها، لم تعرف كيف تتعامل مع الشيطان الذي كان يدور حولها ساعة موتها. قالت: “أراه: يدور، يدور…”. إنه ظلام الأيام الأخيرة، في الأشهر الأخيرة من الحياة. فنحن لا نتقاعد أبدًا أمام التجارب: علينا أن نجاهد حتى النهاية: ضد التجارب، وفي الجهاد الروحي، ومن أجل ممارسة المحبّة. حتى النهاية. حتى أثناء الظلام. لقد ظنّت أنها فقدت إيمانها! ودعت الراهبات حتى يرشنَّ سريرها بالمياه المقدّسة ويحضرنَّ لها الشموع المباركة… الجهاد في الدير هو جهاد حتى النهاية. إنه أمر جميل، لأنه في هذا الجهاد- القاسي ولكن الجميل- عندما يكون أصيلًا، لا نفقد السلام.

هذا البابا -سوف تقلن- هو “فولكلوري” بعض الشيء، لأنه بدلًا من أن يحدّثنا عن الأشياء اللاهوتية، يحدّثنا كما يحدّث الفتيات الصغيرات. ربما أنتنّ جميعًا صغيرات في الروح، يا ليت! ببُعدِ الطفولة هذا الذي يحبّه الربّ للغاية.

أودّ إنهاء قصّة تيريزا مع المسنّة. إن تيريزا ترافق الآن رجلًا عجوزًا. وأريد أن أشهد على ذلك، أريد أن أشهد لأنها رافقتني، في كلّ خطوة ترافقني. علّمتني كيف اتّخذ الخطوات. أكون أحيانًا عصابيًا بعض الشيء وأرسلها بعيدًا، مثل الأخت القدّيس-بطرس. وأحيانًا أصغي لها. أحيانًا يمنعني الألم من الاصغاء لها جيّدًا… لكنها صديقة مخلصة. لهذا السبب لم أرغب في التحدّث إليكنّ حول النظريّات، أردت التحدّث إليكنّ عن تجربتي مع القدّيسة، وأقول لكنّ ما يمكن للقدّيسة أن تفعله، وما هو سبيل القداسة.

إلى الأمام! بشجاعة!

***********

©جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2019

 

 


© Copyright – Libreria Editrice Vaticana

About فريق زينيت

فريق القسم العربي في وكالة زينيت العالمية يعمل في مناطق مختلفة من العالم لكي يوصل لكم صوت الكنيسة ووقع صدى الإنجيل الحي.

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير