تبرّع الآن

Messe Au Tokyo Dome, Japon © Vatican Media

البابا: يحثّنا إعلان إنجيل الحياة على أن نصبح مستشفى ميداني

عظة قداسة البابا فرنسيس في كاتدرائية طوكيو

إن الإنجيل الذي سمعناه هو جزء من موعظة يسوع الأولى الرائعة التي نعرفها باسم “موعظة الجبل” والتي تصف لنا جمال الطريق الذي نحن مدعوّون لأن نسلكه. وفقًا للكتاب المقدّس، الجبل هو المكان الذي يَظهر فيه اللهُ ويكشف عن نفسه للإنسان: “اصعد إليَّ”، قال الربّ لموسى (را. خر 24، 1). لا يمكن الوصول إلى قمّة هذا الجبل عن طريق عمل تطوّعي مؤقّت، ولا عن طريق البحث عن مناصب، بل عبر إصغاءٍ متنبّه وصبور ومرهف للمعلّم وسط تشعّبات المسيرة. وتتحوّل القمّة أحيانًا إلى سهل فتمنحنا منظورًا متجدّدًا لكلّ ما يحيط بنا، يقوم على شفقة الله الآب. ففي يسوع نجد قمّة ما تعنيه الإنسانية، ويرشدنا على الطريق التي تقودنا إلى الملء القادر على تخطّي جميع الحسابات المعروفة. فيه نجد حياة جديدة، نختبر من خلالها الحرّية النابعة من أدراكنا بأننا أبناء الله المحبوبين.

ولكننا نعلم أن حرّية الأبناء هذه معرّضة على طول الطريق للاختناق والضعف عندما تأسرنا حلقة القلق والتنافس المفرغة أو عندما نركّز كلّ اهتمامنا وأفضل طاقاتنا على البحث المُلِحّ والمُرهِق عن الإنتاج والاستهلاك، ونعتبرهما المعيار الوحيد للقياس والتحقّق من صحّة خياراتنا أو لتحديد هويّتنا: مَن نحن وما هي قيمتنا؟ إن هذا القياس يفقدنا شيئًا فشيئًا التنبّه للأمور المهمّة، ويدفع القلب للتعلّق بالأمور الزائدة أو الزائلة. كم أن الاعتقاد أننا نقدر أن ننتج كلّ شيء ونستملك كلّ شيء ونسيطر على كلّ شيء، يقيّد النفس ويخنقها!

قال لي الشبيبة هذا الصباح، في لقائي معهم، أن عددًا غير قليل من الناس، هنا في اليابان، في مجتمع يتمتّع باقتصاد متطوّر للغاية، هم معزولون اجتماعيًّا ومهمّشون، وغير قادرين على فهم معنى حياتهم ووجودهم. فالبيت والمدرسة والمجتمع، بدل أن تكون أماكن يساندُ كلّ شخص فيها الآخرين ويساعدهم، هي في تدهور مستمرّ بسبب المنافسة المفرطة في السعي لتحقيق الربح والبحث عن الكفاءة. كثير من الأشخاص يشعرون بالارتباك والقلق، يرزحون تحت وطأة المتطلّبات والهموم الكثيرة التي تسلبهم السلام والاتزان.

تدعونا كلمات يسوع، التي تتردّد كالبلسم الشافي، إلى عدم الاضطراب وإلى الثقة. فقد قال لنا ثلاث مرّات بإلحاح: لا تهتمّوا بشأن حياتكم … لا تهتمّوا بالغد (را. متى 6، 25. 31. 34). هذه ليست دعوة لنتجاهل ما يحدث من حولنا أو لأن نصبح غير مبالين بأشغالنا ومسؤوليّاتنا اليوميّة، بل على العكس، إنها تحثّنا على إعطاء معنى أوسع لأولوياتنا، وإلى خلق مساحة ننظر منها في نفس اتّجاهه: “اطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه” (متى 6، 33).

لا يقول لنا الربّ إن الضروريات الأساسيّة للحياة، مثل الطعام والملابس، ليست مهمّة؛ إنما يدعونا إلى إعادة النظر في خياراتنا اليومية حتى لا يأسرنا أو يعزلنا البحث عن النجاح بأيّ ثمن، حتى على حساب حياتنا. فالتصرّفات الدنيوية، التي تسعى فقط لتحقيقِ وطَلَبِ مصلحتها أو فائدتها في هذا العالم، والأنانيّة التي تبحث عن السعادة الفرديّة، تجعلنا في الواقع تعساءَ وعبيدًا، فضلًا عن أنها تعرقل تطوّر مجتمع متناغم وإنسانيّ حقًّا.

لا يمكن أن يواجه الـ “أنا” المنعزل والمنفصل وحتى المختنق، إلّا الـ “نحن” المشارِك والمكرِّم والمتواصل (را. التعليم المسيحي، 13 فبراير/شباط 2019). تذكّرنا دعوة الربّ هنا أننا “بحاجة لأن نعترف بفرح أنَّ واقعنا هو ثمرة عطيّة، وأن نقبل أيضًا حريّتنا كنعمة. هذا هو الأمر الصعب في يومنا هذا، في عالم يعتقد أنّه يملك شيئًا من تلقاء ذاته، كثمرة لإبداعه أو لحريّته” (الارشاد الرسولي، اِفَرحوا وابتَهِجوا، 55). لهذا السبب يذكّرنا الكتاب المقدّس، في القراءة الأولى، كيف أن عالمنا، المليء بالحياة والروعة، هو في المقام الأوّل عطيّة رائعة من الخالق الذي يسبقنا: “ورأَى اللهُ جَميعَ ما صَنَعَه فاذا هو حَسَنٌ جِدًّا” (تك 1، 31)؛ منحنا اللهُ هذا الصلاح والجمال كي نتقاسمه ونقدّمه للآخرين، ليس كأسياد أو مالكين، بل كشركاء في نفس الحلم الخلّاق. “إن العناية الحقيقية بحياتنا نفسها وبعلاقاتنا مع الطبيعة هي جزء لا يتجزأ من الأخوّة والعدالة والإخلاص تجاه الآخرين” (الرسالة العامة كُنْ مُسَبَّحًا، 70).

إننا مدعوّون كجماعة مسيحيّة، إزاء هذا الواقع، إلى حماية كلّ حياة ولأن نشهد بحكمةٍ وشجاعةٍ لأسلوبِ حياةٍ يتّسم بالمجانيّة والشفقة، والسخاء والاصغاء البسيط؛ لأسلوبٍ قادر على معانقة الحياة وقبولها كما هي “مع كلّ هشاشتها، وصَغارها، وحتى غالبًا مع كلّ ما تحمله من تناقضات وما ينقصها من معنى” (را. كلمة قداسة البابا خلال السهرة مع الشبيبة، بنما 26 يناير/كانون الثاني 2019).نحن مدعوّون لأن نكون جماعةً تطوِّر نهجًا تربويًّا قادرًا علىالترحيب “بكلّ ما هو غير كامل، أو كلّ ما هو غير نقي أو غير مُصَفّى: لأنه مع ذلك كله يستحقّ حبّنا. أيجوز ألا نحب إنسانًا لأنه معوَّق أو ضعيف؟ […] أيجوز ألا نحب إنسانًا لأنه غريب، أو لأنه أخطأ أو لأنه مريض أو مسجون؟ هذا ما فعله يسوع: لقد عانق الأبرص والأعمى والمقعد، وعانق الفريسي والخاطئ. عانق اللصّ على الصليب وعانق حتى أولئك الذين كانوا يصلبونه وصفح عنهم” (را. نفس المرجع).

يحثّنا إعلان إنجيل الحياة ويطالبنا، كجماعة، بأن نصبح “مستشفى ميداني”، مستعدّين لمعالجة الجروح ولأن تكون مسيرتنا دائمًا مسيرة مصالحة وتسامح. لأن المقياس الوحيد بالنسبة إلى المسيحي في تقييمه كلّ إنسان وكلّ حالة هو رحمة الآب لجميع أبنائه.

عسانا، من خلال اتّحادنا بالرب، وعبر تعاوننا وتحاورنا دائمًا مع جميع الرجال والنساء ذوي الإرادة الصالحة وأيضًا مع ذوي المعتقدات الدينية المختلفة، أن نصبح خميرة نبويّة في مجتمعٍ يريد أن يحمي ويرعى كلّ حياة.

***********

©جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2019

 

About فريق زينيت

فريق القسم العربي في وكالة زينيت العالمية يعمل في مناطق مختلفة من العالم لكي يوصل لكم صوت الكنيسة ووقع صدى الإنجيل الحي.

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير