Donate now

Pixabay - CC0 PD

التطويبات الطريق إلى السعادة

القسم الثاني

كنّا قد نشرنا منذ يومين (أي يوم الثلاثاء) القسم الأوّل من مقالة الأب قزي، وإليكم اليوم القسم الثاني منها.

٣- “طوبى لصانعي السلام.” وهناك نسخة أخرى: “طوبى للعاملين من أجل السلام.” من بضعة عقود مات داغ هامرشكولد، الأمين العام للأمم المتَّحدة. وصل إلى اتِّفاق سلام بين اليهود والفلسطينيِّين ولكنَّ قوى الشرِّ لا تريد السلام، بل الحرب والظلم وسحق الآخرين. وفي أيِّ حال، كان شعار رومة: “إذا شئتَ السلام فاستعدَّ للحرب.” قولوا لي: ماذا تركت الحروب وراءَها؟ الموت، الجراح، الإعاقة، الدمار… وخصوصًا الجوع. تخيَّلوا أنَّ اليابان، بعد الحرب، منعَت من قتل عدد من الفئران في اليوم الواحد، ليبقى للآخرين ما يأكلون. ولا نقول شيئًا عن أوروبّا، بعد الحرب العالميَّة الثانية. يفرح الناس بالانتصار الحقيقيّ أو الوهميّ. ويرفعون علامات النصر. على ماذا انتصر قايين؟ صار وحده. على من انتصرت ألمانيا أو اليابان وغيرهما من الدول؟ أهذه هي السعادة؟ هو الوحش يأكل فريسته وينام. سنة ١٨٧٠، قهرت ألمانيا فرنسا. فاستعدَّت فرنسا سنة ١٩١٤-١٩١٨ وأذلَّت ألمانيا في اتِّفاقيَّة قاسية. ولم تمضِ عشرون سنة حتَّى كانت الحرب العالميَّة الثانية، التي تركت وراءها ستِّين مليون قتيل، ما عدا الدمار… ولكن ما أجمل ألمانيا وفرنسا اللتين كانتا في أساس توحيد أوروبّا. أما هنا تكون السعادة حين يعمُّ السلام، لا في أوروبّا فقط، بل في العالم كلِّه وخصوصًا في عالمنا الشرقيّ الذي دخل في دوَّامة الحرب وترك وراءه التشريد والموت جوعًا والموت والدمار والنيران؟

“طوبى لصانعي السلام.” ذاك ما قال يسوع. والويل لمن يصنع الحرب! والسلام في البيوت والرعايا وفي المجتمعات الصغيرة أو الكبيرة. روَوا عن أحد المعلِّمين الكبار في العالم القديم، كيف كان يعمل ليضع السلام بين متخاصمين. يقول للأوَّل: لو تعرف ماذا قال عنك من تدعوه خصمك. قال أحلى كلام. ويمضي إلى الآخر ويقول له الشيء عينه. وهكذا تتمُّ المصالحة. ومقابل هذا، ما أسهل إشعال النار: نحمل الكلام بين الواحد والآخر ونضيف من عندنا. و”نفرح” و”نصفِّق”.  خطيئة كبيرة جدًّا. ويأتي من الخارج وهمُّه: “فرِّقْ تسُدْ”. إذا دخل الأقارب في أسرة جديدة، يخربونها. وكذلك الغريب. وخصوصًا عندما تمضي فئة إلى سلطة خارجيَّة. هي أحسن طريقة لخراب البلد. فكيف أتوافق مع الغريب لكي أقتل أخي؟ وهذا الذي حصل لفئات الكنيسة في الشرق: فئة لجأت إلى الشرق وأخرى إلى الغرب، فتفتَّتت الكنيسة عندنا. وإذا كنّا لا نعي الأمور، نزول بسرعة. تروي الأخبار القديمة عن “اثنين” تخاصما على “جبنة”. وإذ لم يقدرا أن يتفاهما مضيا إلى”الهرّ”، فأخذ يأكل الجبنة من هناك ويأكلها من هناك، وفي النهاية أكل المتخاصمَين.

أما نرى أنَّ السلام يحمل السعادة، والسلام لا يأتي في “سلَّة” من الخارج. نحن نصنع السلام. نحن نضع الفرح. لو تطلَّعتم إلى هذه الوجوه التي تبني حيث الدمار وتعيد الثقة إلى القلوب، لفهمتم أين تكون السعادة. كلُّهم معًا. من جميع المذاهب والمشارب كلُّهم فرحون. يعملون مجَّانًا. يحملون راية السلام فيصفِّق لهم الجميع.

الحرب لا توصل إلى السلام، بل تزيد البغض بغضًا والعنف عنفًا، وحبُّ الانتقام يشتعل وينتظر ساعته. أنريد أن نكون سعداء، أن يهنِّئنا الربّ، الدرب مفتوحة أمامنا.

٤- “طوبى لأنقياء القلوب فإنَّهم يعاينون الله.” القلب النقيّ، الشفَّاف، الذي لا غشَّ فيه ولا مواربة ولا التواء. هذا يعاين،يرى “بعينيه” الله. لا يحتاج إلى برهان من الخارج. وهل من سعادة توازي العيش مع الله. على ما كان المرتِّل يقول: “متى آتي (إلى الهيكل) وأرى الله؟”

قيل الكثير في أصحاب القلب والقلب، والنيَّة والنيَّة. مثلاً: “من حفر حفرة لأخيه وقع فيها، ومن دحرج حجرًا رجع عليه. اللسان الكاذب يبغض مستحقِّيه، والفم الملق يُعدُّ الخراب” (أم ٦: ٢٧-٢٨). ونقرأ في أم ١١: ٣: “استقامة المستقيمين تهديدهم، واعوجاج الغادرين يخربهم.” ونقرأ مقطعًا رائعًا في سفر الأمثال (ف ٦):

١٢ هو رجل لئيم، رجل أثيم

​من يسعى باعوجاج الفم.

١٣ ​يغمز بعينيه، يقول برجله،

​يشير بأصابعه.

١٤ ​الكذب في قلبه

​يخترع الشرَّ في كلِّ حين ويزرع الخصومات.

١٥ ​لهذا يكون خرابه مفاجئًا

​وفي لحظة ينكسر ولا شفاء.

ما رأيكم بهذا الإنسان؟ دعوه في العبريَّة: بليعال، أي لا يساوي شيئًا. من يجسر أن يستند إليه، أو يتَّكل ويثق. الناس يهربون منه وهم على حقٍّ في ما يفعلون. إنَّه بعيد كلَّ البعد عن الأخ إسطفان الذي طوَّبته الكنيسة. كان شعاره: “الله يراني” أنا أعيش تحت نظر الله. هو يراني وأنا أراه. هو يكلِّمني وأنا أكلِّمه. هو يمشي معي وأنا أمشي معه. وكم أفرح حين أحسُّ بيده تمسك بيدي، كما الراعي يقود خرافه إلى المراعي الخصبة والمياه الهادئة.

القلب مركز العاطفة. وماذا تكون عاطفة مشوَّهة لا نعرف إن كانت تحبُّ أم أنَّها تكذب، تتملَّق، تمدُّ لسانها ولكن تحته السمّ. والقلب مركز الفهم. الأمُّ تفهم أولادها أكثر من أيِّ شخص كان. بقلبها الحبُّ تفهمه. كانوا يقولون: “لا نفهم الناس كلَّ الفهم إلاَّ بقلبنا.” والقلب مركز العلم. فمن لا قلب له يكون جبانًا، متأرجحًا، يحسب للأمور ألف حساب. أمّا صاحب القلب فينطلق ولا يهاب الصعاب. كلُّ هذا يذكِّرنا بالمزمور الأوَّل:

1 ​طوبى (هنيئًا) للرجل الذي لا يسلك في مشورة الأشرار (لا يأخذ جانبهم لأنَّهم لا يريدون الخير بل الشرّ. قلبهم فاسد).

ولا يتوقَّف في الطريق لكي يتكلَّم مع الخطأة (إن عاشر الخطأة صار مثلهم)

ولا يجلس حيث يجلس الهازئون (من الذين يعيشون بحسب وصايا الله)

2 ​لكن في ناموس (شريعة) الربِّ مسرَّته (هو يسرّ، يفرح بأن يسير كما يريد الرب). وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلاً (يردِّد الوصايا وسائر التوجيهات فتنطبع في قلبه، وتردَّد على لسانه قبل أن تصبح عملاً بيديه).

مثل هذا الرجل ينجح في كلِّ ما يفعل، لأنَّه يشبه شجرة “مغروسة عند مجاري المياه” ثمرها يأتي في أوانه. ورقها يبقى دائمًا أخضر. هذه الشجرة رمز إلى الإنسان الذي يتَّقي الربّ، الصافي القلب، العائش في حضرة الله.

الخاتمة

طوبى، طوبى… هكذا بدأ الربُّ يدعونا إلى السعادة ورسم لنا الطريق الموصلة إليها. تحدَّثنا عن الذين لا يتعلَّق قلبهم بشخص أو بإنسان بحيث يصبحون عبيدًا. والودعاء اللطفاء الذين يربحون الناس فيكون تأثيرهم ناعمًا مثل الشتاء الخفيف الذي يدخل في الأرض فيجعلها خصبة، لا مثل الشتاء القاسي الذي يأخذ التراب والحجارة ويضرُّ أكثر ممّا ينفع. والعاملون من أجل السلام يشبهون ذاك الذي بمجيئه على الأرض حلّ السلام فتمجَّد الله في العلى. والأنقياء القلوب هم الذين تضع يدك في يدهم ولا تخاف أن تخسر إصبعًا من أصابعك. والسعادة للذي يجوع ويعطش إلى كلام الله والعمل بما يريد. والمضطهدون هم الشهداء الذين لا يزال ذكرهم حاضرًا في قلوبنا. تألَّموا وقتًا قصيرًا، بكوا، ولكنَّهم تميَّزوا عن الجبناء الذين خافوا على “جلدهم” فأنكروا مسيحهم. أمّا الذين قبلوا أن يخسروا العالم ويربحوا نفوسهم فهم يسيرون في رفقة الحمل ليلاً ونهارًا، فلا يعرفون بعدُ الموتَ ولا الحزن ولا الصراخ بعد أن يصير كلُّ شيء جديدًا.

About الخوري أنطوان القزي

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير