الخليقة تابعة لله ومتميّزة عنه في آن واحد

الحلقة الثالثة من سلسلة مقالات الحرية

Pixabay CC0 creative commons

عندما نريد أن ندخلَ في فهم معنى الحريّة، ينتابُنا الخوفُ من الدخول. لأننا، في نفسيّتنا وقرارة أنفسنا، نتصوّر أننا سوف ندخلُ في نفق  كبير مظلم. فنحنُ نريد حريّة عمياء، أي أن تفعلَ ما يحلو لنا، ونقولُ ما يخطر ببالنا من دون أن نعي ونهتمّ  بمشاعر الآخرين. نريدُ أن تكون حريّتنا حريّة مفردة تنبعُ من ذاتنا المنفردة، خارجة ً عن حرية الآخرين وذواتهم. وهذا لا يمكنُ أن يحصل. فسبق وأن ذكرنا، أننا لا نعيشُ  بمفردنا في العالم، هناك أعدادًا كبيرة من البشر. فعليّ أن أفكّر إنطلاقا من العامّ وخيره، لئلا أصابَ بإنفصام ٍ في ذاتي، وأصبحَ أنانيّا متخشّبا.

سنرى أسسا مهمّة للدخول في سرّ الحريّة وكيفَ نستطيعُ أن نفهمَ ما أراده الله من منحه الحريّة، وكيف نعيشها.

أوّلا: الحريّة هي نعمةٌ من الله

لم يُخلَق الإنسانُ حرّا، بل أُمِرَ أن يصيرَ حرّأ ” . قولٌ يحتاجُ لتفسير . لا بدّ علينا أن نشرحَ ما معنى الحرية هي نعمةٌ من الله. عندما خلقَ الله الإنسانَ، لم يخلقه جاهزًا مكمّلا من جميع النواحي. فلقد خلقهُ وأعطاه إمكانيّة أن يخلقَ ذاته هو أيضا، ويغيّر في العالم. أعطاه سلطة أن يسمّي الأشياء بأسماءها. وهذا نوعٌ من سيطرة على الأشياء، وإمكانيّة حريّة وفتح بابَ التواصل مع العالم.

الحريّة نراها لا في اللحظة الآنيّة الصرف، بل في البعد المستقبليّ. في النتائج الآتية التي، وإن كانت لربّما نتائج سلبيّة، بها نستطيعُ أن نكوّن لذاتنا إمكانيّة إنفتاح وخروج من الذات ولقاء الآخر بكلّ تواصليّة ممكنة. إنهّا بعدٌ مستقبليٌّ لأنها تنطوي على خلق ٍ وإبداع ورؤية  النتائج. إنها ما يمكنني بها أن أرى ذاتي وأرى العالم من حولي. إنها مسيرةٌ وإستمراريّة وثّابةـ  الحريّة إنطلاقة للماوراء.

 كيفَ يمكننا توضيحُ العلاقة بين النعمة الإلهيّة والحريّة البشريّة؟

لقد أكّد القدّيس أوغسطينوس بكلّ وضوح سيادة النعمة ومبادرة الله في شأنّ  الحرية، وذلك بوجهٍ مطلق؛ وفي الوقت عينه، أكّد واقع الحريّة البشريّة. كيف يتحقّق هذان الجانبان يا تــُرى؟

يقولُ  الأب اليسوعيّ فاضل سيداروس: ” إنّ الحريّة مبنيّة على كون الإنسان قد خلق على صورة  الله (كما ذكر سابقا)، أي مُشتركا في حياة الله، وإرادته “متّجهة ” نحو الله، أي نحوَ الخير والمحبّة الخالصة ومحبّة الخير: ” خلقتنا نحوكَ، يا الله، وقلبنا لن يرتاحَ إلا فيكَ “

” سترتاحُ فينا، كما أنّك تعملُ اليوم فينا، وستصبح تلك الراحة راحتك من خلالنا، كما أنّ هذا العمل عملك من خلالنا “

عليه، فإنّ رغبة الإنسان في الله تنبعُ من الله، كما أنّ أفعال الإنسان لتحقيق تلك الرغبة، تنبعُ هي أيضا من الله؛ ولكنّ الله يجعلُ الإنسان يعمل بكامل حريّته، من دون أن تحلّ النعمة محلّها، دافعة  إيّاها فقط. والحريّة تتقبّل ذاتها من ا لله – في حركة يمكننا أعتبارها سالبة – وتتجاوب عمليّا مع مبادرة الله – في حركة نعتبرها موجَبة. غير أنّ الحقّ يقال، إنّ  النعمة والحريّة ليستا على مستوى  واحد كإنّــــهما متساويتان، ولا هما في نسبة ٍ عكسيّة طاردة ً الواحدة الأخرى كأنّ إزدياد الواحدة يُقلّل من دور ِ الأخرى، فماذا إذن؟!

علينا، كما قلنا سابقا، الإعتراف بمحدوديّة الإنسان الجذريّة، وقد عبّر عنها يسوع المسيح بكلّ وضوح ٍ: “بمعزل عني، لا تستطيعون أن تفعلوا شيئا ” (يو 15 : 5). ما يؤكّد سيادة النعمة؛ ولا تعود تلك المحدوديّة إلى الخطيئة، بل إلى صميم الوضع  البشريّ المحدود، نــــُعبّر عنه فلسفيّا بالقول إنه وضعٌ ” انطولوجيّ ” يتّصف بـــ” النهائيّة ” لكون الإنسان مخلوقــــــــًا لا خالِقــــــًا، وذلك الوضع النهائيّ متزامنٌ مع وضعه اللانهائيّ لكونه مخلوقــــــًا على صورة الله كمثاله. وقد عبّر القديس بولس عن ذلك الوضع المزدوج بقوله:

” إنّ هذا الكنزَ نحمله في آنيّة من خزف ٍ ، لتكونَ تلك القدرة الفائقة لله، لا مِن عندنا ” (2 كو  4 : 7).

وفي الآن ذاته، يجبُ الإعتراف بأنّ الإنسان قادر على القيام بأعمال عظيمة بفضل نعمة الله، وقد عبّر يسوع بذلك : ” من آمن بي يعملُ هو أيضا الأعمال التي أنا أعملها، بل يعملُ أعظمَ منها لأني ذاهبٌ إلى الآب ” (يو 14 : 12). إذ يُرسل يسوع الصاعد، من لدن الآب، الروح القدس الذي يسمح للإنسان بالقيام بتلكَ الأعمال العظيمة (روحُ الحريّة). فكما يتغلغلُ عملُ النعمة ِ في أعمال الإنسان المؤمن الذي يريد ما يريده الله، فتـــُصبح تدريجيّا مشيئة الله مشيئة الإنسان الحُرة، تجاوبًأ منها  مع نعمة الله وقصده الإلهيّ والخلاصيّ.  هكذا تكمنُ الحريّة البشريّة في أن تتقبّل نعمة الله وتدمجها في ذاتها لتعملَ بدافعها الإلهيّ وبموجب حريتها البشريّة.

السؤال الآن الذي يُطرَح: كيف يمكننا تحديدُ دور كلّ من حرية الإنسان ونعمة الله؟

لا يمكننا تشبيهُ العلاقة هذه بين الحريّة والنعمة بشخصين يحملان ِ معًا حِملا، لأنّ الحريّة والنعمة ليستا على المستوى عينه، نظرًا  إلى أسبقيّة النعمة وأولويّتها؛ بل إنّ أقربَ شَبه هو صورة الطفل الذي يعي نفسه وقدرته بفضل حضورَ أمّه له: فالله يُمثّل الأمّ التي تساند وتعضد ابنها. وفي نهاية الأمر، تندرجُ الحريّة في ” سرّ الخلق ” حيث الخليقة تابعة ً لله ومتميّزة عنه في آن واحد (وهذا هو الإمتحان الصعب!) ولا ينحصر ذلك الواقع الثنائيّ في فعل الخلق فحسب، بل يشمل حياة الإنسان برمّتها أيضا، إذ يحضر له الله، وفي الوقت عينه، يجعله يستخدم حريّته. وعليه، يقدر الإنسان أن يكون  ” شريكا في الطبيعة الإلهيّة ” (2 بط 1 : 4) بتعاونه وتجاوبه مع الله، قد وقد وضح يوحنا  ” إننا نصبح أشباهه ” (1 يو 3 : 2 ). وتكمنُ قمّة الحريّة البشريّة، لا عندما يرغمها الله، بل عندما تتجاوَب تجاوبًا حرّا مع مجانيّة قصده هذا، وديمومة عمله فيها، وتهيئتها ودفعِها نحوه، ومساندتها من الداخل؛ وعندما يدمجُ الإنسان عمل الله هذا، ويجعله عمله هو الإنسان ( يسيرَ بحسب نغمة الله ومنطقه )، ويدعُ الله يعمل في داخله.  يتبعُ

                                                                                                                                    

 

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير

ساعد بدعم زينيت

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير

اشترك في نشرة زينيت اليومية

ستتلقى يوميًا آخر أخبار البابا والكنيسة في بريدك الالكتروني 

نشكرك على اشتراكك! سنؤكد لك الاشتراك من خلال بريد إلكتروني. إذا لم يصل البريد في وقت قريب، راجع البريد غير المرغوب به.