تبرّع الآن

الرّحمة عند القدّيس اسحق السّرياني

من يمتلك توبةً حقيقية هو شهيد حي

إنتشرت روحانيّة القدّيس إسحق السّرياني بشكل كبير في القرن العشرين، وبخاصّة في أديار الرّهبان اليونان الأرثوذكسيين، بحيث نجد أن النّهضة الرّوحيّة في جبل آثوس، قائمة على كتاباته وروحانيّته. ونحن اليوم، صرنا بحاجة ماسّة، لكي نعود إلى تعاليم آباء الكنيسة واختبارهم الرّوحي العميق، المبنيّ على علاقتهم المميّزة بكلمة الله الّتي عمّقت صداقتهم بشخص المسيح وهم ممتلؤون من الرّوح القدس، وهمّهم الوحيد معاينة وجه الله. والمؤمنون والمؤمنات غدوا بحاجة ماسة اليوم، لأنْ يسمعوا مجدّدًا هذه التعاليم، المبنيّة على الإيمان والرّجاء والمحبّة. فتعاليم الآباء ساهمت في بناء الجماعة المسيحيّة، وكان هدفها دائمًا البنيان. لقد فهموا قول القدّيس بولس: “أمّا وأنتم (الّذين) ترغبون في المواهب الرّوحيّة، فاطلبوا أن يزيدكم الله منها لبنيان الكنيسة” (1كور 14: 12).

لذلك اخترنا القدّيس إسحق السّرياني لكي نتحدّث عن موضوع الرّحمة لديه. والرّحمة في كتاباته، هي أحد المواضيع الأربعة الرئيسيّة، غير: التّواضع، الصّلاة والجهاد الرّوحي.

الرّحمة في فكر القدّيس إسحق

كلّما تأمّلنا وتعمّقنا في الكتاب المقدّس، أدركنا أكثر فأكثر معنى رحمة الله. وموضوع الرّحمة لا ينحصر بالعهد الجديد وحسب، بل بالعهد القديم أيضًا؛ ويكفي أن نستشهد بسفر النّبي هوشع في الفصل الحادي عشر عندما يقول الله: “بِحِبَالِ البَشَر، بروابط الحبّ اجتذبتهم وكنتُ لهم كمن يرفع الرّضيع إلى وجنتيه، وانحنيت عليه وأطعمتُه” (هو 11: 4). إنّه موضوع جوهريّ في كتابات القدّيس إسحق، وسلاحٌ فعّالٌ يساعدنا على العودة الدّائمة إلى حضن الآب، من خلال توبتنا. فالتوبة بالنّسبة له، هي علاج خلقه الله لتجديدنا المستمر ولشفائنا. “يجب أن نَعلَم أننا بحاجة إلى التوبة، في كل لحظة، خلال الأربع والعشرين ساعة من النهار والليل” (الكتاب الأوّل، المقال 73). ويَعتبر التوبة بمثابة النّعمة الثانية بعد نعمة المعمودية، فيقول: إنّ “التّوبة هي، في نظري، نعمة ثانية، والّتي بفضلها يتجدّد الإنسان كل يوم، ويتبرر في كل مرة” (الكتاب الثّاني، المقال 10، عدد 19). ويَعُدُّها نوعاً من الإستشهاد فيقول: “إنّ من يمتلك توبةً حقيقية هو شهيد حي. تسود الدموع على الدم، والتوبة تغلب على الشهادة. إنّ استشهاد الدّموع يسبق استشهاد الدم وذلك عندما نستلم التاج. يستلم الشهداء التاج في نفس الوقت كالآخرين؛ أمّا أولئك الذين عاشوا في التوبة، فيستلمونه قبل الآخرين… ومن يمتلك التّوبة الحقيقيّة يبدو أنه يحصل على تاجٍ مزدوج” (الكتاب الثّاني، المقال 3، عدد 1، رقم 53).

وكلّما تأمّل الإنسان عظمة هذا الإله “يجد نفسه مندهشاً إزاء هذه الرحمة” (الكتاب الثّاني، المقال 10، عدد 19)، لدرجة أنّه يتحدّث عن نار جهنّم كأنّها نار حبّ الله للّذين ابتعدوا عنه، فيقول: “إن الذين يُعاقَبون في جهنم لا تكون عذاباتُهم نتيجة غضب الله، ولا من أي دافع للانتقام من جانبه – لأن الله لا يوجد عنده مكان للإساءة أو الاقتصاص، بل بسوط المَحبة. لأن الحزن الذي يُلِمّ بالقلب من جراء الخطيئة ضد المَحبة، هو حزن أكثر صرامة من أي عذاب. “إنّ المتعذّبين في جهنّم أنفسهم يتعذّبون بعذابات المحبّة. وما أقسى وأمرّ العذابات النّاجمة عن المحبّة! أعني عذابات الّذين أحسّوا أنّهم أذنبوا إلى المحبّة. إنّها عذابات أقسى من العذابات النّاجمة عن الخوف ]…[ وما أقبح أن يُفكّر الإنسانُ في أنّ الخطأة في جهنّم يُحرمون من محبّة الخالق ]…[ المحبّة تُسعد الّذين حافظوا على متطلّباتها. كذا الأمر في جهنّم: فإنّ النّدامة الّتي تصدُر عن المحبّة تكون ذروة العذاب…”  (الكتاب الأوّل، المقال 27).

وفي الختام، نرى أنّ المجتمع اليوم وبخاصّة العائلة والشبيبة، يعيشون أزمة فراغ وعدم مصالحة مع الذّات، ونرى نتيجة كل ذلك بوضوح. وكم من الأشخاص اليوم من شبيبتنا يعانون من جروحاتٍ عائليّة كثيرة، إن من صورة الأم أو من صورة الأب، ويخلق ذلك فيهم نقصاً إنسانياً، نفسياً، عاطفياً وروحياً كبيراً، يجعلهم يتمسّكون أحيانًا بأمورٍ تضرّ بهم، فمنهم من اختبر المخدّرات، ومنهم من اختبر شتّى أنواع الخطايا، وكل ذلك ليملؤوا هذه الفراغ الرّهيب! فكم نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى آباء ومرافقين روحيّين، يُظهرون صورة الكنيسة الأم والمعلّمة، الّتي ترافق أبناءَها، وتَعضُدُهم وتشفي جراحاتهم وتصغي إلى ألمهم وتتوجّه معهم. وكم نحن بحاجة ماسّةٍ اليوم، لئلاّ نتّبع أشخاصاً يجرّوننا وراء تعاليمهم وأفكارهم، وإنّما لمرافقين روحيّين، يسيرون إلى جانبنا ويعلّموننا أن نسير وراء المسيح، وويشجّعوننا على الإقتداء به، هو الّذي انتصر بموته وقيامته على كلّ قوى الظّلام وداس الموت والشّيطان.

هكذا يتحقّق النّصر فينا، من خلال اتّباعنا للمسيح، وانقيادنا للرّوح القدس، فنكون حجارة حيّة في الكنيسة، أي أعضاء فاعلين في جسد المسيح السّري، متّكلين على شفاعة العذراء مريم الكليّة القداسة، والفائقة الطّهارة، وعلى شفاعة القدّيسين، فنعيش بحسب تعبير القدّيس بولس: “ما نحن عليه بربّنا يسوع المسيح، من نشاطٍ في الإيمان، وجهادٍ في المحبّة وثباتٍ في الرّجاء” (1تس 1: 3).

About الخوري بولس مطر

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير