Donate now

Pixabay CC0 creative commons

الزيتون رمزية الخلود

#_زيتون_كوكبا_مثال_على ذلك

في زيارة سياحية دينية، في أرجاء لبنان العزيز، وتحديدًا في جنوبه الغالي، في بلدة كوكبا الجنوبية المشهورة بزراعة الزيتون، ولاسيما أنها تحتضن أشجار زيتون معمّرة يعود تاريخها الى أربعة آلاف سنة قبل المسيح، ويُقال على ذمّة الراوي بأن الرب يسوع عندما كان يزور تلك البلاد كان يمرّ بضيعة كوكبا الجنوبية، ليستريح تحت أشجار الزيتون. ومن هذا المنطلق، وددت ان أقوم في التعرّف على شجرة الزيتون ورمزيّتها من خلال أسفار الكتاب المقدّس، بهدف استجلاء هذا السرّ الرائع الذي تحمله هذه الشجرة المعمّرة التي ترمز الى الخلود.

ورقة الزيتون

نرى شجرة الزيتون حاضرة بشكل قويّ في ذاكرة الكتاب المقدس، سواء في عهديه القديم أوالجديد، حيث نجد لها مكانة خاصة في كل سفر من أسفار الكتاب. فسفر التكوين مثلاً، يضعنا أمام نهاية الطوفان مع نوح، من خلال علامة حسيّة ألا وهي ورقة زيتون حملتها حمامة الى السفينة دلالة على أن المياه قد قلّت عن الأرض (ر.ا، تك 8: 11). وترمز ورقة الزيتون هنا، على أن أول شجرة قاومت الموت والفناء والطوفان، هي شجرة الزيتون. فقوّة هذه الشجرة تكمن في أوراقها التي لا تذبل أبدًا ولا تتساقط سواء في الخريف أو في الشتاء إلخ.  بدون الأوراق تموت شجرة الزيتون. الحمامة تحمل ورقة الزيتون، أي أنها تبشّر نوح وعائلته، بأن قوّة الحياة تولد دومًا من رحم الموت والإضمحلال.

الزيتون علامة الخلود

الزيتون علامة الحياة الخالدة، وهي علامة الشعب السائر مع الله، وبركة العائلة، فالله يبارك الرجل والمرأة، إذ يجعل الأولاد “مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ” (مز128: 3). وبفضل هذه البركة الإلهية، ينتمي الأولاد الى الخلود وعدم الزوال. فهم خلود من لحم ودم. يذكّرون أهل البيت والجيران والأقارب والشعب، بالحياة الأبدية التي لا تنتهي. الأولاد يحيطون بالبيت، يحمونه ويصونونه من الخراب ويحفظون ذكره الروحي والثقافي من جيل الى جيل، من خلال الإستمرارية. فالرب هو من يحوّل حزن أهل البيت الى جمال و فرح”وَرِدَاءَ تَسْبِيحٍ عِوَضًا عَنِ  الرُّوحِ الْيَائِسَةِ، فَيُدْعَوْنَ أَشْجَارَ الْبِرِّ، غَرْسَ الرَّبِّ لِلتَّمْجِيدِ. (أش61: 3).

أهم الأحداث الكبرى في جبل الزيتون

وفي العهد الجديد، للزيتون ألف حكاية: التحضيرات للشعانين إنطلقت من جبل الزيتون (ر.ا، مت21: 1). وهناك في جبل الزيتون تكلّم الرب على خراب الهيكل (ر.ا، مت24: 3)؛ وبعد تحويل الخبز والخمر الى جسد ودم الرب، خرج التلاميذ “الى جبل الزيتون” (مت26: 30) للراحة من تعب النهار. وفي بستان الزيتون صلّى يسوع ليبعد عنه الكأس، وهناك قبل إرادة الآب ومشيئته (ر.ا، 26: 39)، وأعطى تلاميذه النيام من الحزن، التعليم الإلهي حول الصلاة، أي بضرورة السهر واليقظة لئلا يقعوا في تجربة النسيان (ر.ا، مت 26: 41). فالإنسان ليكون خالدًا عليه أن يستقبل الرب في حياته اليوميّة، أن يتناول جسده ودمه، وأن يصلي دومًا وباستمرار راضيًا بمشيئة الله حتى الرمق الأخير، عندها يصبح خالدًا كالزيتون.

بستان الزيتون بيت يسوع

ومكانة بستان الزيتون مفضّلة جدًا عند يسوع، فكان كمنزله  “وَكَانَ فِي النَّهَارِ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ، وَفِي اللَّيْلِ يَخْرُجُ وَيَبِيتُ فِي الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ. ” (لو21: 37). فمن اختبر النوم تحت شجر الزيتون سيدرك حقيقة الأمر، إنه من الممتع جدًا النوم في فيء شجرة الزيتون، لأنه سيشعر بالكثير من الهدوء والراحة.

من البستان انطلقت القيامة

 وعندما مات يسوع على الصليب، دفن في قبر في بستان الزيتون “لم يوضع فيه أحد قط” (يو19: 41) وهناك في البستان قام من بين الأموات، وانطلقت بشارة الخلود. وضمن السياق عينه وعلى الجبل عينه الذي يُدعى بجبل الزيتون صعد يسوع القائم من الموت الى السماء (ر.ا،أع 1: 11) حيث وعد تلاميذه بالروح القدس.

تبقى رمزية شجرة الزيتون تحثّنا دومًا على التشبث بالرب، منبع الخلود والقداسة. وبدونه لا حياة ولا استمرارية، فطوبى لمن قرّر أن يكون خالدًا كخلود شجر الزيتون، لأنه سيحيا بالرب الى الأبد، فكما اوراق الزيتون هي للشجرة قوّتها واستمراريتها، هكذا الكنيسة للمؤمن، هي استمراريته الدائمة المتواصلة، ليست في هذه الحياة وحسب، بل للحياة التي لا تنتهي، من خلال ما تحمله من نعم وبركة الأسرار وكلمة الله واختبار العذراء مريم والقديسين والشهداء والمعترفين. إذًا كن خالدًا بالرب، مارس الأسرار والصلاة والإقتداء بسير القديسين، فتخلُد أنت وبنوك، الى الأبد، آمين.

About الخوري جان بول الخوري

1

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير