Donate now
Olympics Rio 2016

Stux - Pixabay - CCo

اللعب والله

“اللعب” هو في جوهر كيان الله. يحدثنا العهد القديم عن الحكمة، وهي تشبيه للوغوس (الكلمة) بحسب آباء الكنيسة، التي تلعب أمام الله والتي تتلذذ برفقة بني آدم. حكمة الله ليست خانقة في جديتها، بل هي مجانية فرحة

إذا ما نظرنا في كتابات المؤلفين الكنسيين الأقدمين، نلاحظ أن أكثر من أب من آباء الكنيسة تطرق إلى موضوع الرياضة واللهو، وكان لا بد من ذلك، بما أن اللعب والملاهي كانت جزءًا من حياة الإنسان الإغريقي والروماني. ولو توقفنا على هذه التصريحات الآبائية، دون السعي إلى فهمها في إطارها، لخلُصنا إلى أن الرياضة ليست من الله بل هي تشتيت عما هو جوهري في الحياة. ولكن هذه النتيجة بالتحديد هي خطأ تأويلي.

قبل أن نبحث عن تأويل صحيح لمقولات الآباء، يُستحسن أن ننظر إلى بعض التصريحات. ترتليانوس، مثلاً، يقول أن من وعد عند جرن العماد أن يترك الشيطان وأعماله، لا يليق به أن يشارك في نشاطات هي ذات طبيعة شيطانية. فالرياضة، بحسب الكاتب الإفريقي، تجعلنا غضوبين، حانقين وتحملنا على الخلافات. ويشرح بأن الصراخ والجدال لا يتماشيان مع الوداعة المسيحية.

من ناحية أخرى، يقول القديس أكلمنضوس الإسكندري بأن الملعب الروماني هو “مسرح الفوضى والخطيئة”. ولربما انسابت في المصبّ نفسه كلمات الأديب الراحل جورج أورويل القائل: “الرياضة المعاصرة هي حرب دون بنادق”، وهي أيضًا “دين بلا ذبائح”.

ما وراء رفض الآباء للرياضة؟

كيف نفهم هذه التعابير؟ لماذا كانوا قاسين بهذا الشكل في حكمهم؟ هل يجب أن نأخذ إرشاداتهم حرفيًا؟

للإجابة على هذه الأسئلة لا بد أن نتعمق في فهم الدوافع التي حملتهم لكذا خلاصات. ويساعدنا في فهم الإطار التأويلي كتاب لينكولن هارفي، A brief theology of sport. ولعل الملاحظة الأولى التي يضعها أمامنا الكاتب هي أن الرياضة في عصر الآباء لم تكن حدثًا رياضيًا وحسب، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من الممارسات الطقسية والدينية. الرياضة وعبادة الأصنام كانت تسير يدًا بيد. وهذا ما يذكرنا به القديس يوحنا فم الذهب عندما يقول: “إن ألعاب دافني العامة هي ملوثة بالتزياحات الوثنية. فيها ترقص الشياطين وفيها يتم تكريم إبليس”.

وعليه، فالمشكلة لم تكن الرياضة بحد ذاتها، بل المعاني والطقوس التي كانت ترافق الرياضة. ولا بد أن نضع تصريحات الآباء السلبية حول النشاطات الرياضية العامة في هذا الإطار التاريخي المحدد. ومن هنا نفهم أن ما من تناقض بين رفض هذه الممارسات، وبين التقدير الخاص الذي ميّز المسيحيين نحو الجسد واحترام الجسد كونه هيكل الروح القدس.

فترتليانوس عينه، الذي استشهدنا به أعلاه، يذكرنا بأن “الجسد هو ركيزة الخلاص” (Cardo salutis caro). وكتابه الذي عنوانه “De resurrectione carnis” (في قيامة الأجساد) إنما هو أطروحة لاهوتية في قيمة التجسد والجسد.

السؤال الآني الذي يبقى إذًا هو: ما هي قيمة الرياضة الروحية واللاهوتية؟

معنى اللعب

بعد النظرة التاريخية التي ساعدتنا لكي نكتشف الأسباب وراء تحفظات الآباء نحو الرياضة، فلننتقل إلى الحاضر ونفكر بالقيمة اللاهوتية والروحية للرياضة.

وبالعودة إلى كتاب هارفي الذي استشهدنا به أمس، نجد في الإهداء عينه نقطة بدء لتفكيرنا إذ يكتب: “هذا الكتاب هو مُهدى لروز هارفي، ابنتي. في الزمن القصير الذي قضته حتى الآن معنا، علمتني روز أكثر من أي شخص آخر أن الحياة ليست أمرًا جديًا، ولكن معناها هو الحب”. هذا الإهداء يبين أن هناك حكمة في الاعتراف بنسبية وجودنا وأعمالنا وأن نعيش هذه النسبية على ضوء المطلق الأوحد: حب الله.

الرياضة تحمل الإنسان خارج بُعد النافع إلى مجال المجانية. بهذا الإطار يلاحظ هارفي أن هناك بُعد “ليتورجي” في الرياضة. ربما نستطيع فهم هذا البعد أكثر عندما نرى كيف أن اللاهوتي رومانو غوارديني  يرى عمل الخلق عينه كـ “لعب الله”. اللعب هو “ليتورجية محدوديتنا”. يظهر اللعب في الحياة كتعبير عن حريتنا حيال الضروريات وكخبرة عتق تجاه البُعد الاستهلاكي للعيش.

ولعل اللعب هو ما يسمح لنا أن نقترب أكثر من مقاربة الأطفال، أحباء يسوع، للعيش. يذكرنا غوارديني بهذا الصدد بأن “الطفل، عندما يلعب، لا يهدف إلى إحراز شيء، ليس لديه هدف. جل ما يبغيه هو أن يُفعل طاقات شبابه، أن يوسع حياته في حركات وكلمات وأفعال منزهة عن أية مصلحة أخرى. هي بلا هدف، ومع ذلك هي مليئة بمعنى عميق، هو معنى حياته الشابة”.

الله يلعب

إلا أن البعد اللاهوتي يذهب أبعد بكثير من خبرتنا البشرية. فـ “اللعب” هو في جوهر كيان الله. يحدثنا العهد القديم عن الحكمة، وهي تشبيه للوغوس (الكلمة) بحسب آباء الكنيسة، التي تلعب أمام الله والتي تتلذذ برفقة بني آدم. حكمة الله ليست خانقة في جديتها، بل هي مجانية فرحة.

حرية الفعل الخالق، التي هي من ركائز الإيمان اليهودي والمسيحي، تعبّر عن نفحة “اللعب” التي تميّز خيار الله الخالق. الله لا يخلق لأنه مضطر لذلك. يخلق بفيض من المجانية والحب. بهذا المعنى يمكننا أن نقول أن الخلق يندرج في إطار ما “ليس نافعًا”. بمعنى آخر: الله متنزه عن الحاجات وهو لا يخلق لأنه بحاجة للخلق، بل بفيض من حبه. لا من باب الضرورة، بل من باب المحبة. لا من باب الحاجة، بل من باب النعمة. لا من باب النقص، بل من باب الفيض.

يجب على الإنسان أن يعيش اللعب في مجانية الحب عينها التي تميّز لعب الله. لعب الله ليس مضيعة وقت، هو لعب خلاق، ونحن مدعوون أن نعيش أبعاد حياتنا في اقتداء بمجانية حب الله وبوعينا لنعمة عيش الأبناء المتبنين في الابن يسوع المسيح.

About فريق زينيت

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير