تبرّع الآن

Pixabay CC0 Creative common

الموسيقى والليتورجيّا كما يراها البابا بنديكتوس السادس عشر

قراءة في كتاب “روح الليتورجيّا” – القسم الأول

بسبب شغفي وحبّي وتقديري الكبير لهذا البابا الرائع، إرتأيتُ أن أقومَ بوضع سلسلة حلقات لأحد فصول كتابه الجميل لما يحتويه من تعليم رصين ومعلومات لاهوتيّ وليتورجيّة نفيسة. فقد ظهرت الطبعة الآولى من كتاب “روح الليتورجيّا” سنة 200 في المانيا، وباللغة الألمانيّة، وهي لغة مؤلف الكتاب الكردينال جوزيف راتسنجر(البابا بنديكتوس السادس عشر). ولقد تُرجم الكتاب لعدة لغات ٍ عديدة، وانتشر في مختلف بلدان العالم.

يقول راتسنجر، في مقدّمته: ” في بدء دراساتي اللاهوتيّة، سنة 1946، اكتشفت الكتاب الأوّل لرومانو غوارديني، وهو ” روح الليتورجيّا”، وقد ظهرَ في فصح سنة 1918، وهو أوّل كتاب في سلسلة ” الكنيسة المصلية” تحت إدارة الأب ايلدوفونس هرويغن، وقد أعيدَ نشره بانتظام لاحقا، ويمكن أن نعتبره نقطة إنطلاق للحـــركة الليتورجيّة في المانيا، وقد أسهمَ بصورة أساسيّة في إعادة إكتشاف الليتورجيّا، في جمالها وغناها الخفيّ وعظمتها  خلال القرون، كمركز مُنعِش للكنيسة وللحياة المسيحيّة. وقد فتحَ الطريق أمام إحتفال ٍ ليتورجيّ ” أكثرَ جوهريّة” حسب تعبير محبّذ لدى غوارديني. وبفضل إستيعاب أفضل لصيغتها الداخليّة ومتطلّباتها، تعلم الناس من جديد ليروا صلاة الكنيسة في الليتورجيّا، كما يحرّكها ويقودها الروح القدس نفسه، الصلاة التي فيها يحضر لنا المسيح حضورًا مستمّـــرا ومتجدّدا، وبها يدخلُ إلى حياتنا”.

وبيّن أيضا البابا بنديكتوس، في مقدّمة الكتاب، حول ماذا كانت تشبه  الليتورجيا في سنة 1918 ! وقدّم تشبيهًا وقال عنه انه ككلّ التشابيه : ناقصٌ، ولكنّه يُنير كلامي. ” كان لليتورجيّا في ذلك الزمان، مظهر جداريّة محفوظة بصورة كاملة، ولكنّها مغطّاة كلّــــها بطبقات متتالية. وفي كتاب رتبة القدّاس الذي كان الكاهن يستعمله للإحتفال بالقدّاس، كانت الليتورجيّا تظهر كما كانت قد تطوّرت منذ أصولها، بينما كان معظمها مخفيّا عن المؤمنين في كثير من الملاحظات الليتورجيّة والصلوات الخاصّة. وبفضل الحركة الليتورجيّة، ثمّ بنوع أوضح منذ المجمع الفاتيكانيّ الثاني، أُزيلَت الطبقات المتراكمة على الجداريّة. اعترانا الإنذهالُ فترة أمام روعة ألوانها ومواضيعها. وإذ أضحتْ الجداريّة منذ ذلك الوقت معروضة للظروف المناخيّة، ومختلف محاولات الترميم والتجديد، قد تتعرّض لخطر التلف، إذا لم تُـــتّخذ سريعًا إجراءات لوضع حدّ لهذه التأثيرات المضرّة. لا شكّ أنّ الأمرَ لن يتوقف على تغطيتها من جديد بطبقة أخرى، بل على إثارة إحترام جديد نحو كلّ ما يتعلّق بها، وإستيعاب متجدّد لرسالتها ولحقيقتها، لكي نتجنّب أن يصبح هذا لإكتشاف الخطوة الآولى التي تؤدّي إلى فقدانها النهائيّ”.

الموسيقى والليتورجيّا

الموضع الذي تشغله الموسيقى في الديانة البيبليّة يُقاس، بكلّ بساطة، على أنّ الألفاظ ” أنشَد “، أو ” النشيد “، تظهرُ 309 مرّات في العهد القديم، و 36 مرّة في العهد الجديد. وهي بين الألفاظ الأكثرَ إستخدامًا في الكتاب المقدّس. يقولُ راتسنجر: في لقاء الإنسان بالله، لا تكفي الكلمة، بل جزء من ذات الإنسان يستيقظُ ويبدأ الإنشاد. فعالمه الشخصيّ يظهرُ بغتة بإفراط لما يودّ أن يعبّر عنه. فإذا به يدعو الخليقة كلّها لتنشد معه:
” استيقظ يا مجدي استيقظ أيّها العود والكنّارة، سأوقظ السحرَ، أحمدكَ أيّها السيّد في الشعوب وأعزفُ لك في الأمم، فقد عظُمَت رحمتك إلى السموات، وحقّك إلى الغيوم” (مزمور 57 : 8 – 10).

ويظهرُ النشيد للمرّة الآولى في الكتاب المقدّس في نهار عبور البحر الأحمر. فإنّ إسرائيل، وقد تحرّر نهائيّا من العبوديّة، اختبرَ الآن قدرة الله إختبارًا مثيرًا. وكما أنّ موسى تلقّى هبة الحياة في اللحظة التي فيها انتُشِلَ من المياه، كذلك إسرائيل أيضا، وقد نجا من المياه، يحيا حياة ً جديدة، تلقّاها مباشرة من يد  الله. ” فآمنَ إسرائيلُ بالربّ وبموسى عبده” (خروج  14 : 31).

ردّة فعل  تتبعها ردّة فعل أخرى تتصاعدُ في تفجّر لا يُقاوَم :” حينئذ أنشدَ موسى وبنو اسرائيل هذا النشيد للربّ ” (خروج 15 : 1). وكلّ سنة يُعيد المسيحيّون هذا النشيد في السهرة الفصحية، وقد أصبح هذا النشيد نشيدهم. إنهم يعلمون أنهم هم أيضا : قد خُلّصوا من المياه ، وحُرّروا بقدرة الله.

في رؤيا يوحنا، يرتبط التحرير بنشيد الحمد أيضا، في حين أنّ أعداء شعب الله الأخيرين دخلوا إلى مشهد التاريخ ( الثالوث الشيطانيّ الوحش وصورته ورقم اسمه)، وفي حين أنّ كلّ شيء يبدو وكأنه قد ضاعَ لإسرائيل المقدّس لله أمامَ تفوّق الخصم بالعدد، تظهر للنبيّ رؤية النصر: ” ورأيتُ (….) الذين غلبوا (…) ورأيتُ مثل بحر ٍ من بلّور مختلط بالنار، يحملونَ كنّارات الله ويرتّلون نشيدَ عبد الله موسى، ونشيد الحمل ( رؤيا 15 ك 2 – 3). إنّ هذه المفارقة تتعدّى سابقتها، إزاء هذه المسوخ العملاقة، وهم مجهّزون اليوم بسلطتهم الأوسطيّة وبقدرتهم التقنيّة. إنّما الحمل المذبوح هو الذي ينتصر. هكذا يرنّ أيضا، للمرّة الأخيرة، نشيد موسى، وقد أصبحَ الآن نشيدَ الحمل.

يتبع….

About عدي توما

1

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير