تبرّع الآن
Holy Family

Pixabay CC0

بين الهرب إلى مصر والعودة إليها، نرى مجزرة أطفال وبكاءٌ ونواحٌ وعويلْ !

هل من الإعتباطيّ أن نرى بين الهرب إلى مصر والعودة إليها مجزرة  أطفال بيت لحم وبكاء ونواحٌ وعويل؟! يضعنا الإنجيليّ متى في حالة من الترقّب والتبصّر لما سيحدثْ لاحقا. وكأنّ الحدث هو سيناريو لأحداث ٍ ستحصَلُ للطفل يسوع في المستقبل القادم … […]

هل من الإعتباطيّ أن نرى بين الهرب إلى مصر والعودة إليها مجزرة  أطفال بيت لحم وبكاء ونواحٌ وعويل؟! يضعنا الإنجيليّ متى في حالة من الترقّب والتبصّر لما سيحدثْ لاحقا. وكأنّ الحدث هو سيناريو لأحداث ٍ ستحصَلُ للطفل يسوع في المستقبل القادم … ما هو هذا السيناريو وهذه الأحداث يا تُرى وهل لها علاقة بما نعيشه الآن في العالم ؟!

نرى الحدث في إنجيل متى الأصحاح الثاني والأعداد من 13 إلى 15 : يقولُ الإنجيليّ متى، أنه وبعد إنصراف ” المجوس ” الذين قدِموا من أورشليم من المشرق، لرؤية الطفل المولود ، (الذين هم علماءٌ وشبه سحرة كانوا يمارسون الطبّ والتنجيم وتفسير الأحلام والعرافة). تراءى ملاكُ الربّ ليوسفَ في الحلم قائلا له : ” قمْ فخذ الطفل وأمّه وأهرب إلى مصرَ وأقمْ هناكَ حتى أعلمك، لأنّ هيرودس سيبحث عنه ليهلكه (ليقتله )  …..” .

كانت مصر، في العالم القديم، مكان اللجوء التقليديّ لكلّ من اضطرّ على الهرب من فلسطين. وحين طبّق الإنجيليّ متى هذا الوضع على يسوع، فهو إنّما تابع تعليمه اللاهوتيّ.  الراوية هذه، مع اقتضابها، تلعبُ على مستويَين :

1 –  نرجعُ إلى الوراء كثيرًا ، عند موسى . فمتى الإنجيليّ كثيرًا ما يطبّق صورة موسى على يسوع . فموسى أيضا اضطرّ إلى الهرب. إذ إنّ فرعون ” طلبَ أن يقتل موسى ” (خروج 2 : 15) (ألا نرى في صورة هيرودس فرعون ثاني !) . كذلك هيرودس كان ” يبحثُ عن الطفل ليقتله “. هكذا يبدو يسوع شبيهًا بموسى فيما يتعلّق بالإضطهاد.  (ونحن شبيهين بموسى ويسوع أيضا فيما يتعلّق بالإضطهاد)  مع أنّ القصّة تشهدُ هنا ( إنقلابـــــــــا في الوضع). فإذا كان موسى قد هربَ من مصر معادية، فهنا، هي أرضُ اسرائيل التي تهدّد يسوع. ذلك أنّ متى حين كتب انجيله، كان العداءُ تجاه المسيحيّين يأتي من اليهوديّة أكثر ممّا من المناطق الوثنيّة. لننتبه إلى التعبير: ” يوسف ” ينسحب ” (يلجأ) . ” سيتردد هذا الفعلُ مرارًا في كتابة متى : إنه ” الإنسحابُ المتواضع” الذي يقوم به يسوع إزاء المعارضة، وهو إنسحاب يمكّنه عادة من لقاءات جديدة مثمرة.

2 – مصر، في تاريخ اسرائيل، ترمزُ إلى ” القمع”. تلك هي نقطة الإنطلاق للخروج، لطريق التحرر باتجاه ارض الميعاد. يذكرنا هذا بالعبور الكبير واجتياز بحر الأحمر إلى أرض التحرّر (عبور من الموت إلى الحياة)، (خروجٌ وتحوّل)، (بداية إنطلاق ووصول). ويسوع، عبر هذه الرواية القصيرة، يصبح متضامـــنا مع شعبه، ومتبنّيا تاريخ محنه وتجاربه، كما يُشدّد على ذلك الاستشهاد بالنبيّ هوشع ( 11 : 1) في الآية 15. ولكن يجبُ علينا أن نألف الطريقة اليهوديّة في سرد الأسفار المقدّسة. يعطينا المفسّر الكتابيّ الفرنسيّ كلود تاسان مثلا ويقول: إذا قال أحد ” رقصتْ الفئران “، نستعيد عفويّا بداية المثل القائل: ” غاب القطّ ! ” . هكذا هي الحال حين كان قرّاء متى اليهود يكمّلون، عن ظهر القلب، نصّ هوشع : ” لمّا كان اسرائيلُ صبيّا، أحببته، ومن مصر دعوتُ ابني”. وحينذاك، يتخذ المعنى اتساعا: فالطفل يسوع هو ” اسرائيل الطفل ! انه يوجز، في شخصه، دعوة الشعب المختار ومصيره، وقبل أن تكشف تتمّة الإنجيل انه هو الابن، أكثر من هذا الشعب المقهور الذي عنه قال الله لفرعون: ” اسرائيل هو ابني البكر … اطلق ابني!” (خروج 4 : 22 -23).

إبليسُ رأى مسبقا مستقبلُ المسيح في شخص الطفل

يقولُ بطرس خريسولوغوس: لمّا رأى هيرودس المجوس، تصوَّر في ضلاله أنهم هربوا من حُكّامهم. لكنّ المسيح – وإن كان بعدُ ملفوفا بالأقمطة، راضعا رأمَه، صامتا، خفيتا، عيّا- قد حوّل المجوس ( وهم عادة حاملو إبليس) إلى أكثر الخدّام أمانة . هنا أدركَ ابليس ما يقوى المسيح على فعله إذا صارَ كامل السنّ. لذلك حرّض اليهود ضدّه، وبكونه ذكيّا فطِنـــــــا، فقد أكره هيرودسَ على الانقضاض على المسيح في طفولته.

جاءَ الطفلُ ودعاه الله من مصر، التي ترمزُ، كما ذكرنا، إلى العبوديّة والقمع . لكي يحرّرنا الطفلُ من الخطيئة والقسوة والعبوديّات العالميّة ومن القمع والإستلاب  ليمنحنا الخلاص والخروج لإستقبال وجه الله الحقيقيّ في وجهه هو. مصرُ هي ” رحمُ الأم “،  إنها تشير إلى مفارقة ٍ رائعة : ظلامٌ ونورٌ . كأن العالم ينتظرُ المولود الجديد يبصر النور فرحا ومندهشاـ بالفعل، فإن ولادة طفل ٍ من أمّ، سيجلبُ السعادة للبيت، وسيولد الأب إلى أبوّته والأم إلى أمومتها. الطفل المولود هو الذي سيولد الخليقة كلّها من جديد.

نرى بعد هرب الطفل إلى مصرَ، حادثة ً مروّعة تهزّ القلوب والأكباد ألا وهي – مجزرة أطفال ! المشكلة هنا . نحن قد نصابُ بالشكوك الكثيرة بسبب هذه الحادثة : هل كان الطفل يسوع سببًا لمقتل أطفال بيت لحم؟ لأن الإنجيل يقولُ: أنّ هيرودس، رغبة ً منه في القضاء على مخلّص العالم، صبّ نقمته على بيت لحم وأمرَ بقتل كلّ طفل من ابن سنتين فما دون حسب الوقت الذي تحقّقه من المجوس (نستطيع اليوم أنّ نرى الكثيرين يأخذون رخصة ً من ابليس لخراب العالم وقتل الأبرياء كما حدث ويحدث الآن في عالمنا!). تُسهم شراهة هيرودس في التذكير بالمجزرة التي اقترفها فرعون من قبل، وفي مواصلة الموازاة بين موسى ويسوع. نرى في هذا المقطع، بكاءُ راحيل – وهي جدّة قبائل الشمال في اسرائيل – أنسالها الذين اقتادهم الاشوريون إلى المنفى. وفيما بعد، ستذهب قبائل الجنوب من الرامّة إلى المنفى في بابل(ارميا 40 : 1). كما أنّ التقاليد اليهوديّة تحدّد قبر راحيل تارّه في الرامّة، وتارّه في بيت لحم. ففي شخص راحيل، إذن، هو اسرائيل الذي ينتحبُ على فقدان ابنائه: وهكذا يعيشُ الطفل يسوع، من جديد، المنفى القديم لشعبه، بعد أن خلصه الله من أجل رسالته؛ ولكن أطفال بيت لحم قد لقوا الموت. وفي نظر الإنجيليّ متى، ليس الله مسؤولا البتّة عن هذه المجزرة، وإنّما “هيجان الأقوياء ” وخوفهم المتّسم بالغيرة، هما اللذان سيُفسدان الشعب ذاته (كما يفسد الهيجان والقوة والسلطة والغيرة والحسد العالم اليوم والأسر والعوائل والمؤسّسات وبعض الكنائس!)، يوم سيُصرخ الشعب ” دمه علينا وعلى أولادنا !” . نجدنا، لا محالة، بإزاء مقطع ينبئُ، في آن واحد، عن ” آلام المسيح وعن الخلاص الذي يتمّه بالقيامة” ، أي ” هناك تغيير وتحول وتجدد وقيامة .

نرى عودة ً الآن من مصر إلى الناصرة … العودة رغم أنها تاريخيّة، لكننا نرى عودة  لاهوتيّة بإمتياز !، العودة هي تحوّل جديد للخليقة وإنطلاق للقيامة وللخلاص. رأينا القمع ، والآن نرى التحرّر.  هناك العبودية وهنا الخلاص والإنطلاق للعلنْ. سيبدأ يسوع بالكلام عن أبيه وعن رسالته وتستمرّ الأحداث إلى الآلام والصلب والموت ثم القيامة …

سنرى أنّ الطفل يسوع سيُدعى :  ناصريّا . والتي تعني ” المكرّس لله” . فيسوع هو مكرّس ونذيرٌ لله الآب بكليّته. إنه في تصرّف الآب كاملا. لانه الابن المطيع لمشيئة أبيه. إنه في علاقة حميميّة معه. يرى وجه دائمًا وأبدًا. وينقلنا لعالم الله المدهش. يقولُ البابا بنديكتوس السادس عشر : ” مع الهرب إلى مصر والعودة إلى أرض الميعاد، يعطي يسوع  ” الخروجَ ” النهائيّ. إنه الابن حقيقة . لن يذهب للإبتعاد عن الآب. إنه يعودُ إلى البيت ويقود إلى البيت. إنه دائمًا في الطريق نحو الله، وبهذا يقودُ من العِداء إلى الوطن، إلى ما هو جوهريّ وخاصّ. يسوعُ، الابن الحقيقيّ، بمعنىً في غاية العمق، ذهب بنفسه إلى ” المنفى ” كي يُعيدنا جميعًا من العِداء إلى البيتْ.

إذن ، في كشف الله عن ذاته وعن محبّته وعن حقيقته، في شخص يسوع، هناكَ ثمنٌ كبير ومؤلم، هناك اضطهادات وقتل وظلمٌ وعدم محبّة. فبسبب هذا الكشف الذي سيكونُ خروجا من العبوديّات العالميّة، ودخولا لعالم الله السعيد، عالم عدم الموت، يجبُ أن نرى إنكارا لعمل الله من قبل العالم، ومن قبل الشعب، لأن ابليس يقف متربّصا وظيفته إغلاق الطريق ! فكان ثمنُ كشف يسوع لله (الصلب – الموت)… لكنّ، بسبب المحبّة والرحمة الإلهيّتين، سنرى تأييد الله الآب لابنه بقيامته وإنتصاره على الموت والخطيئة وردح الشرّ.

About عدي توما

1

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير