تبرّع الآن

تحية إلى الأمّ تريزا الكالكوتية في عيدها

تذكار القديسة الأم تريزا اليوم 5 أيلول

قام اليسوعي مايكل باكلي يوماً – ومن زاوية غير إعتيادية – بمقارنة بين موت سقراط وموت يسوع، ليستنتج أنّ شخصية سقراط قد تكون “أصلب” من يسوع!! للوهلة الأولى ترتفع الإعتراضات ولكن القراءة المتأنية تفتح آفاقًا جميلة في المقارنة كما في الإستنتاج. يسوع وسقراط شخصيتان حُكم عليهما بالإعدام ظلماً. ولكن على عكس يسوع، لم يتعرق سقراط دماً على عتبة موته الوشيك. شرب السم بهدوء ومات. أما يسوع، كما نعلم، لم يواجه موته بنفس الهدوء.
يؤكد باكلي أنّ في تعليق أولي نستطيع أن نقول أنّ شرب السم أقل فظاعة – وبكثير- من معاناة الصلب. وفي هذه المقاربة بعض من الحقيقة، ولكنّ السبب الحقيقي أعمق بكثير. لماذا إذاً عانى يسوع في موته أكثر من سقراط؟؟ يقول باكلي أنّ هذا يعود الى إحساسه الفوق عادي فهو ذات حساسية إستثنائية. بعبارة أخرى كان يسوع يشعر بالأمور بعمق أكبر وكونه أكثر تأثراً بالحب والكراهية لذلك ببساطة هو عرضة أكثر للألم.
كان سقراط رجلًا عظيمًا، بلا شك؛ لكن على عكس يسوع الذي بكى على أورشليم، لم يبكِ سقراط على أثينا أبدًا، ولم يعرب عن حزنه وألمه على خيانة الأصدقاء. لقد كان هادئاً ليس لأنه أكثر شجاعة بل لإنه كان أقلّ حساسية!!

و عند التحدث عن هذه “الحساسية” يجنح البعض الى الظن بشخصية ضعيفة تتحكم بها المشاعر التي قد تكون عابرة… و لكن الواقع أننا نتحدث هنا عن نضوج الحساسية حين نأخذ الله على محمل الجد، لدرجة أننا لا نعود نخاف دخول الألم. و ليس للألم قيمة أكبر من الفرح ولا هو رغبة الله بل أنّ المعاناة والألم ليسا من مشيئة الله للإنسان؛ وفي السماء سوف ينتفيان. ولكن، بقدر ما نأخذ الله على محمل الجد، سوف ينفتح داخلنا بشكل أعمق لأننا في انفتاح أعمق على الله…. سنعيد التفكير في قيمة البشر والأمور التي تمر في حياتنا وإذا كان الإحساس بها والتعاطي معها فيه الخير الأسمى فسوف نفضلها على “حماية أنفسنا” من الألم الذي قد يسببه هذا الإنفتاح. بهذا نصبح أكثر حساسية حتى يتسنى للحياة أن تتدفق بحرية أكبر وبعمق أكثر. في هذه الحساسية، سوف نضع جانباً خوفنا وأنانيتنا المفرطة من أجل الحفاظ حصراً على راحة أنفسنا.
حين ننفتح على الله نعيش بعمق أكبر الآلام… و لكن أيضاً المعنى و الأفراح.

الكنيسة في هذه الأيام تضع أمامنا تذكار القديسة الأم تريزا. هذه المرأة الإستثنائية، بإنفتاحها على الله سارعت بحساسية مرهفة الى حمل آلام المقهورين من شعب الله. و في آخر أيامها إختبرت ليل الروح، و لم يتبقَّ لها شيء من المشاعر التي تطفو على السطح حين ندخل حديثاً في عالم الروح . لكن “حساسيتها” الناضجة لم تمت، بل أنها تبلورت أكثر في العمل والخدمة والإلتزام. الإيمان الحقيقي يبدأ عند النقطة المحددة التي يعتقد الملحدون أنها تنتهي، الإيمان الحقيقي يطلق صرخة الحياة في الظلام والفراغ…
عاشت الأم تريزا ستين سنة من حياتها في حساسية هذا الإيمان.عاشت التزامًا مكرسًا ونكرانًا للذات كان من شأنه أن يُسقط كل إتهام بأنّ تجربتها الدينية كانت إسقاطًا أنانيًا!
في خضم ليل روح ونضوج الحس المرهف سطعت تريزا في ليل العالم كوجه الحنان وليد الإيمان.
اليوم، فلننظر أين تسكن حساسيتنا؟ و لنجعل بيتها الإيمان، كي – ورغم إحتمال الآلام – نعطي الفرصة كي يتدفق من موتنا حياة كما السيد على الصليب بعد صرخة الهجران (لماذا تركتني)، يعود ليسلم الآب السماوي روحه وينام ….

About أنطوانيت نمّور

1

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير