تبرّع الآن
Landscape with oak trees

Pixabay CC0

ترى من هو المواطن العاقل الحكيم!؟

ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ

هل هو ذلك المواطن الذي قرر هجرة وطنه ليبحث عن مستقبل واعد له ولعائلته ثم يعود اليه بعد زمن؟ أم هو ذلك “المواطن الصالح” الذي قرر تحمّل ظلم مجتمعه والبقاء فيه؟

هل يخطئ الانسان المسيحي عندما يقرر الهروب من الظلم الذي يلحق به في عمله ومجتمعه ووطنه؟ أم أنه من الحكمة أن يترك وطنًا غارقًا في مشاكله وفساد مؤسساته ليذهب الى بلد يستقبله ويؤمّن له أبسط حقوقه؟

كم من الأشخاص أعرفهم معرفة لذاتي كانوا بالأمس يفتخرون بأنهم لبنانيين واليوم يفتخرون وهم كناديين أم سويديين أم فرنسيين أم المانيين….

وكم من الأصدقاء اتصلوا اليوم ليقولوا لي نحن نقدّم طلب هجرة وأنت؟

فبماذا أجيبهم!؟

– الا يزال أمل في وطننا؟ أسأل أحدهم.

فنزل جوابه كالصاعقة!

– أيمكنك أن تمنحنا بعض الأمل!؟

منذ زمن ليس ببعيد، نرى نسبة ترحيل اللبنانيين عامة والمسيحيين خاصة من وطنهم لبنان تزداد لا بل تتضاعف. فهل نتذكر مخطط “هنري كيسنجر” ونصيحة السفير” دين براون” سنة 1976 بإرسال المسيحيين بسفن الهجرة الى كندا وأوروبا وتوطين الفلسطينيين مكانهم.

تعددت أسباب اللبنانيين لاختيارهم الرحيل رغم تصدّي بعض المعنيين لمخطط الهجرة.

أما اليوم، ماذا نقول للبنانيين؟

ماذا نقول للشخص الذي يتقاضى 20% من راتب يستحقّه.

ماذا نقول للذي فقد أصلاً عمله ؟

الى من نوجّه أصابع الاتهام؟

والى من نلتجئ في ظل تلك الضيقات؟

لا أريد أن أدخل في سجالات السياسة، فأنا بعيد كل البعد عنها، انما أريد فقط توجيه البوصلة الى المسار الصحيح من وجهة نظر مسيحي مؤمن.

بعض “المسيحيين المؤمنين” يعتبرون أنّ الكنيسة تقف متفرّجة، مكتوفة اليدين في ظل الأزمة الاقتصادية الاستثنائية التي يمر بها لبنان. فبرأيهم، الكنيسة تملك عقارات وتدير مؤسسات تربوية واستشفائية ورعائية وتحتفظ بأرصدة في البنوك، يمكّنها من استعاب الأزمة واحتواء المتضررين خاصة من أبناء كنائسها.

أنا بكل صراحة لا أقف الى جانب هذه النظرة المتشائمة تجاه المؤسسات الدينية، أولاً: لأن هناك آلاف المسيحيين يعملون فيها ومازالوا يحصلون على رواتبهم كاملةً في حين أن عددًا كبيرًا من اللبنانيين اليوم يتقاضون نصف معاش أو حتى أصبحوا خارج وظائفهم وثانيًا: لأنني واثق بأن أي مؤسسة دينية مسيحية كانت أم غير مسيحية تعطي في الأوقات المناسبة من ذاتها وتضع كل امكانياتها وما يفيد أبناءها. والكنيسة هي أم ومعلّمة لجميع الشّعوب وهي تدرك تماما بما يحتاجون اليه أولادها.

لدينا أمثلة كثيرة بما قامت به الكنيسة خلال الحروب والأزمات على مر التاريخ أذكر منها ما قام به البطريرك “غريغوريوس حداد” (1869 – 1928) والذي كان يُعرف ببطريرك النصارى وإمام المسلمين ولقّب بأبي الفقراء. فعندما وقعت مجاعة “سفر برلك” في الحرب العالمية الأولى 1914-1918 وارتفع سعر القمح كثيرا، اضطرّ البطريرك على رهن أوقاف البطريركية والأديرة كلها وباع مقتنيات وأواني الكنائس الذهبية والفضية ليشتري القمح كي ينقذ الناس من شبح المجاعة القاتل. وتم توزيع الأرغفة دون تمييز بين دين او مذهب. رثاه الشيخ مصطفى الغلايني بقوله: نعيتُ إلى أمي العجوز نبأً مفاده: لقد أصاب العرب مصاب عظيم أليم … فأجابتني: هل مات البطريرك ابو الفقراء…؟

لذلك لا يصح تصويب الحمل على الكنيسة ومؤسساتها، فالكنيسة مستعدة دائمًا لتقديم المساعدات الى كل محتاج يسألها. فهي لا تردّه خائبًا عملا بالانجيل.

“مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ.” (مت 5: 42)

ولكن هل كل من يطلب هو فعلاً بحاجة!؟

أما السؤال الأهم برأيي هو: الى من نلتجئ في ظل تلك الضيقات؟

طبعًا الى من لا يخزلنا أبدًا ويعطينا مستقبلا وأملا.

“لأنِّي عَرَفتُ الأفكارَ التي أنا مُفتَكِرٌ بها عنكُمْ، يقولُ الربُّ، أفكارَ سلامٍ لا شَرٍّ، لأُعطيَكُمْ آخِرَةً ورَجاءً”. (ار 29: 11)

نحن، كمسيحيين ملتزمين، مدعوين لنعيش الايمان والرجاء والمحبة. وهذه الفضائل تسمى الفضائل الإلهية لان اساسها في الله وتتعلق مباشرة به. وبحسب رأيي المتواضع، الفضائل الإلهية تسمو بالإنسان المسيحي للعيش في السماويات وليس في الأرضيات! فلا يستطيع المسيحي المؤمن أن يظل يفكّر ويهتم بالماديات، ماذا نلبس؟ ماذا نأكل ونشرب؟… ويقبل ما هو أعظم، ملكوت الله وبرّه.

“فلا تهتَمّوا قائلينَ: ماذا نأكُلُ؟ أو ماذا نَشرَبُ؟ أو ماذا نَلبَسُ؟  فإنَّ هذِهِ كُلَّها تطلُبُها الأُمَمُ. لأنَّ أباكُمُ السَّماويَّ يَعلَمُ أنَّكُمْ تحتاجونَ إلى هذِهِ كُلّها.  لكِنِ اطلُبوا أوَّلاً ملكوتَ اللهِ وبرَّهُ، وهذِهِ كُلُّها تُزادُ لكُم.”  (مت 6: 31-33)

و “اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟” (مت 6: 26)

وبمعنى آخر، إذا كان لدي ايمان بيسوع، ثقة بكلامه وبوعوده، ورجاء فيه أي الأمل بأنني سأكون معه في الحياة الأبدية ولدي الوعي الكامل والثابت من محبّة الله لي التي لا تتغيّر، هذا يعني أنني لست بعد بحاجة الى شيء آخر. فكلمة المزمور واضحة:

“الربُ راعيَ فلا يعوزني شيء” (مز 23).

إذا كنتُ فعلاً مسيحي مؤمن اذًا أنا  قادر على مواجهة تحدّيات الحياة:

“بالإيمانِ أخفى والِدا موسى ا‏بنَهُما ثَلاثةَ أشهُرٍ بَعدَ مَولِدِهِ، بالإيمانِ فَضَّلَ موسى أنْ يُشارِكَ شَعبَ اللهِ في الذُّلِّ على التَّمتُّعِ الزائِلِ بِالخَطيئَةِ، وا‏عتبَرَ عارَ المَسيحِ أغنى مِنْ كُنوزِ مِصْرَ، لأنَّهُ تَطلَّعَ إلى ما سيَنالُهُ مِنْ ثَوابٍ. بِالإيمانِ ترَكَ موسى مِصْرَ دونَ أنْ يَخافَ مِنْ غَضَبِ المَلِكِ، وثَبَتَ على عَزمِهِ كأنَّهُ يَرى ما لا تَراهُ عَينٌ.  بِالإيمانِ أقامَ الفِصحَ ورَشَّ الدَّمَ، لِئَلاَّ يَمَسَّ مَلاكُ المَوتِ أيَّ بِكرٍ لِبَني إِسرائيلَ. بالإيمانِ عبَرَ بَنو إِسرائيلَ البحرَ الأحمَرَ كأنَّهُ بَرُّ، بِالإيمانِ سَقَطَت أسوارُ أريحا بَعدَما طافَ بِها بَنو إِسرائيلَ سَبعَةَ أيّامٍ.  بِالإيمانِ نَجَتْ راحابُ البَغِـيُّ مِنَ الهَلاكِ معَ العُصاةِ، لأنَّها رَحَّبَت بِالجاسوسَينِ.” (عبر 11: 23-31)

اذًا “أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي.” (في 4: 13) ولا شيء يجب أن يبعدني عن محبّته:

“مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟” (روم 8: 35)

 أما اذا كنتُ أعتمد على قوّتي الشخصيّة وذكائي المحدود متناسيًا نصيحة سليمان الحكيم: “تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ.” (أم 3: 5) أو كانت أولوياتي هي في تجميع المال وبناء القصور وتمضية الوقت في الملذات والسهر واللهو فأنأ ما زلت في الأرضيات ولن أستطيع تخطي الأزمات والخوف والاضطرابات.

دعونا لا نتّكل على أفكارنا ومعرفتنا، بل بالحريّ على نعمة الله. دعونا لا نهتم كثيرًا في من معنا أو من علينا، بل لنهتم ونجتهد في أن يكون الله معنا في كل ما نعمل.

دعونا نردّد مع المرنّم:

“معونتي من عند الربّ صانعِ السما والأرض.
لا يَدَعُ رِجْلَكَ تَزِلّ لا ينعسُ لا ينامْ
الربُّ يَحْفَظُكَ الربُّ سِتْرٌ لكَ.
لا تؤذيكَ الشمسُ في النهارْ ولا القمرُ في الليلْ
يَحْفَظُكَ الربُّ من كلِّ سوءٍ يَحْفَظُ الربُّ نفسَكَ
يَحْفَظُ الربُّ ذهابَكَ وإيابَكَ من الآن وإلى الأبدْ.” (مز 121)

“فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ” (الرّبّ يسوع)

About فادي يوسف خليل

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير