تبرّع الآن
thief - conscience

Ryan McGuire - Pixabay - CC0

تسلّل العصر الجديد في الكنيسة – 15

تسلّل العصر الجديد في العلوم وفي علم النفس- 1

“يا تيموتاوس، إحفظ الوديعة، مُعرضًا عن الكلام الباطل الدنس، ومخالفات العلم الكاذب الذي إذ تظاهر به قومٌ  زاغوا من جهة الإيمان” (1تم6/ 20)

لقد نجح العصر الجديد في التسلّل تقريبًا إلى كلّ نواحي الحياة اليومية ومن خلالها إلى بعض أفكار وممارسات المؤمنين إكليروسًا وعلمانيين. نشهد هذا التسلّل في وسائل الإعلام المرئي المسموع والمكتوب، في مواقع التواصل الإجتماعي و الإنترنت، في الأدب والتلفزيون والمسرح والسينما، في العلوم (خصوصًا في مجاليْ الطب وعلم النفس غير الكلاسيكي) و الفنون مثل الرسم والنحت والرقص التعبيري وحتى في تصميم الأزياء، في الجامعات ومراكز التدريب والنوادي الرياضية وما شابهها.

مثلاً نجد ازدهاراً لم يسبق له مثيل، لنوادي رياضية تروّج  لليوغا وتدريبات على التنفّس يطلقون عليها تسميات علمية مركّبة وغريبة مأخوذة عن البراناياما (تداريب التنفّس في اليوغا) مثلًا “التنفّس الإنفعالي  المحرّر Emotional liberation breathing  على أنّها من الطرق العلمية الفعّالة في علاج الكثير من الأمراض. وفي الوقت نفسه تروّج فيها المعالجات البديلة المتنوّعة )هي من تقنيات العصر الجديد)، مثل العلاج بأحجار الكريستالCrystal Therapy والزيوت العطريةAromatic oil Therapy  وأزهار باخBach’s flowers ، علاجات الطاقة كالريكيReiki  والبرانيك هيلينغPranic Healing  وجلسات غيبية لكشف الطالع بواسطةكارت التاروTarot cards  ودورات ما يسمّى بالتنويم الذاتيAuto Hypnose والتنويم الموّجهHypnose dirigée  الخ[1].

أيضاً نقرأ إعلانات كثيرة عن محاضرات في العلوم الباطنية والقدرات العقلية والفكرية الدفينة والتنمية البشرية، يحييها مدرّبون على الحياة Life Coach  ومعالجون بالتنويم الإيحائي، تدعو إليها أو ترعاها في بعض الأحيان، ويا للأسف، جامعات ومعاهد مسيحية. وتنتشر حديثًا محترفات وورشات عمل للزخرفة ورسم “الماندلا”Mandala وهي أداة بوذية للتأمّل الموّجه من أجل الحصول على السلام والإسترخاء والإتزان [2]، وتلقى موضة الأندروجينية أو الخنثية Androginy رواجًا كبيرًا (موضة في الأزياء للذكور والإناث على السواء بما أنّ في الإنسان عنصريْ الذكورة والأنوثة معًا).

 لقد نجح العصر الجديد في إدخال تقنيات إلى العلوم خصوصًا في مجاليْ الطب العام والطبّ النفسي، مستوحاة بأغلبها من ديانات الشرق الأقصى وفرضيات فلسفية غير علمية. على أثر ذلك إنتحل أشخاصٌ كثيرون صفة الطب والعلاج النفسي أو ابتدع بعض الأطباء الكلاسيكيون معالجات مستحدثة تجد إقبالاً لدى الناس الذين سئموا أو يئسوا من الطب الكلاسيكي. تجد مثلاً محاضرات على الإنترنت يلقيها أطباء في الجهاز العصبي Neurologist أو معالجين نفسيينPsychiatrist  لهم مراكز مرموقة في جامعات مهمّة في أميركا وأوروبا (وقد يدّعي بعضهم أنّ لديهم شهادات اختصاص ولكنّها من جامعات غير معترف بها في بلد المنشأ) أو تروّج لعلاجات تقليدية إيزوتيريكية أرواحية يطلقون عليها تسميات عديدة كالطبّ التكاملي والكُليانيIntegrative and Holistic Medicine الخ… تدرّ عليهم أرباحًا طائلة يدعمونها بإحصاءات ورسومات ودراسات غير موضوعية ومنحازة.

مؤخرًا وخلال أبحاثي الدائمة في موضوع العصر الجديد وتسللّاته، وجدتُ مركزاً للطبّ التكاملي تابع لجامعة مرموقة في الولايات المتحدة يتكلّم عن فوائد التأمّل الشرقي الآسيوي ويدعمه بصورٍ بيانية وإحصائيات الخ… فقمتُ ببحثٍ عنه على الإنترنت ووجدتُ أنّ مديرته أخصائية في العلاج النفسي حاصلة على دبلوم غي الدراسات العليا والمركز يروّج لعلاجات بديلة يعتمدها العصر الجديد مثل: اليوغا، وخز الإبر الصينيAcupuncture  والطبّ الصينيChinese Medicine، الأيورفيداAyureveda ، التغذية الحيوية الإرتجاعية Biofeedback، التخيّل الذاتي الموّجهGuided self Visualization ، العلاجات اليدوية مثل تقويم العامود الفقريOstheopathy وغيرها، علاج نفسي متكاملIntegrative psychiatry and psychotherapy، تغذية متكاملةIntegrative nutrition  … وفي تعريفهم عن هذه العلاجات يقولون  أنّها كُليانيةHolistic  يعني أنّها  تطال الجسد والنفس والروح معًا. وترتكز على خلطة من عدّة فلسفاتBlending multiple philosophies . نستنتج أنّ الطبيب يعالج إنطلاقًا من اعتقاداته الإيمانية وليس على أساس حقائق ومعطيات طبية علمية موثوقة بحسب المنهجية العلمية.

 والأمر نفسه يحصل في علم النفس فنرى تسميات جديدة مثل: علم النفس التكامليIntegrative psychology  وعلم النفس عبر الشخصي Transpersonal psychology  وعلم النفس الإيجابيPositive psychology  و الإنساني وغيرها.

كلّ هذه الممارسات والعلاجات البديلة،كما شرحنا سابقًا، يرتكز أغلبها على محاور أساسية من تعاليم العصر الجديد منها: العلوم الباطنية les sciences Esoteriques  ( التيوزوفية، الأنتروبوزوفية،..)/

الخفائيةOccultisme  و الممارسات الغيبية وصوفية الشرق الأقصى/

علم النفس المروْحن وغير الكلاسيكي وتفعيل القدرات العقلية/ العلوم الزائفة المستوحاة من معتقدات قديمة والتكنولوجيا كوحي/ مذهب المتعةHedonisme /  نظرية التطوّر الداروينية الملحدة/ الحلولية والتقمّص والطاقة الكونية/ الأنانية والفردانية والتمحور حول الذات/ التواصل مع أرواح مرشدة (الأرواحية)Channeling  والعوالم الماورائية.  نتذكّر هنا ما حذّر منه الرسول بولس تلميذه تيموتاوس قائلاً: “ولكنّ الروح يقول صريحًا” إنّه في الأزمنة الأخيرة يرتدّ قومٌ عن الإيمان، تابعين أرواحًا مضلّة وتعاليم شياطين، في رياء أقوالٍ كاذبة موسومة ضمائرهم، مانعين عن الزواج، وآمرين أن يمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتتناول بالشكر من المؤمنين وعارفي الحق”(1تم4/ 1و2).

علوم حقيقية أم علوم كاذبة ؟

لعقود طويلة حرّض عدوّ الخير العلماء على تنوّعهم، لينتقدوا الكنيسة ويتهمّوها بالرجعية وبالعدائية للعلوم. مع العلم أنّ الكنيسة قد سبق وأعلنت تأييدها للعلوم في تعاليمها وإرشاداتها وأكّدت أنّ العلم والإيمان ليسا في تناقض بل على العكس هما يسيران في نفس الإتجاه[3]. وكان أغلب هؤلاء المنتقدين من الملحدين واللاأدريين أو من تيار الأنسنة وعصر الأنوار. ومؤخراً هم من أتباع العصر الجديد الذين يعلّمون أنّ العقائد الإيمانية يمكن أن تتغيّر مع تقدّم العلوم والتكنولوجيا والإكتشافات العلمية.

 إنّ العلوم التي يروّج لها العصر الجديد، علومٌ كاذبة مستوحاة بأغلبيتها من عقائد هندوسية وبوذية وطاوية. يتكلّمون مثلاً عن “العلم الفيدي”Vedic Science  ويروّجون للتأمّل التجاوزي ويستشهدون بنظريات من طب الجهاز العصبي أو الدماغي أو يستعملون نظريات صحيحة من فيزياء الكم متداولة في الوسط العلمي، لكنّهم يقتطعون منها ما يشاؤون أو يضعونها في سياقٍ مختلف تمامًا عن سياقها العلمي ويفسّرونها بحسب أمزجتهم ولخدمة مصالحهم. سنشرح في مقالات لاحقة ماهية المنهجية العلمية وكيف نميّز بين العلم الحقيقي والعلم الزائف.

لماذا نتطرّق الى هذا الموضوع؟ وما هي علاقته بالكنيسة؟

نشهد في السنوات الأخيرة لجوء بعض الكهنة والإكليروس أكثر فأكثر، لعلم النفس في تفسير الوحي الكتابي، كما نشهد إنتشارًا لعلم النفس وبعض التقنيات النفسية البديلة في الإرشاد الروحي والرياضات الروحية وما يسمّى بالدورات النفسية الروحيةSessions psycho spirituelles  التي ازدهرت مؤخّرًا بشكل غير مسبوق. لذلك يُخشى أن تتسلّل تقنيات العلوم النفسية المزيّفة والبديلة في الكنيسة، بإيحاء من العصر الجديد، فيعتبرها الإكليروس والعلمانيون كعلاج نفسي فعّال يمكن الركون إليه لمساعدة المؤمنين في حلّ مشاكلهم.

هذا ما حصل بالفعل خلال السنوات الأخيرة، في بعض الرعايا الكاثوليكية في أوروبا ومن بينها  فرنسا تحديدًا. يمكننا الإضطلاع على خبرات من سبق وتأذّوا من هذا التسلّل، من خلال شهادة شهود وتقارير لجان حول إشكاليات تداخل النفسي بالروحي[4]. منها “الكتاب الأسود”Le Livre noir  حول تجاوزات الدورات النفسية الروحية[5] والتجاوزات الممكنة لما يسمى بالتدريب Coaching[6] والتنمية البشرية[7] وغيرها.

تقنيات تأملية بتسمياتٍ علمية !

اتّصل بي أحد الأطباء المتخصّصين في الجهاز العصبيNeurologist  وسألني إذا كنتُ أعرف شيئًا عن تقنية جديدة في علم النفس اسمها MBSR فأجبته بالنفي. ثم قمتُ ببحثٍ قصير على الإنترنت فتبّين لي أنها اختزال لتقنية اسمها Minfulness Based Stress Reduction  أيّ ما معناه: الحدّ من التوّتر بواسطة تقنية الوعي الكاملMindfulness . هو مصطلح جديد يروّج له بعض المعالجين النفسيين وهو مأخوذ عن التأمّل البوذي (لهذه التقنيات إشكاليات كثيرة سنتكلّم عنها لاحقًا). واتضح لي أنّ من بدأ بالترويج لMBSR  شخص اسمه “جون كابات زين”Jhon Kabat Zin  وهو من الناشطين والمسؤولين في مركز إيسالن Esalen في كاليفورنيا وهو من أهمّ مراكز العصر الجديد، الذي أطلق ما يُعرف بتنمية القدرات البشرية   Développement du potentiel humain  وكلّ التقنيات والمعالجات البديلة المنسوبة للعصر الجديد.

(Rebirth, biofeedback, channeling, positive thinking, law of attraction, hypnosis, self visualization,…)

إذن MBSR, Mindfulness التي بدأ يتكلّم عنها بعض المعالجين النفسيين مؤخرًا وبدأ الترويج لها في بعض المراكز الإكليريكية، ليست سوى نوع من أنواع اليوغا التي يتمّ فيها تعديل مستويات الوعي وتعليق قوى النفس والتخدير وتغييب الأنا حتى ذوبانها كليًا! (هذه تتناقض مع مبدأ الإرادة الحرّة والخيار الواعي الحرّ في المسيحية).

هذه التقنية تطرح إشكاليات عديدة ولها من دون أدنى شك، تداعيات وآثار جانبية سلبية على كلّ المستويات بالرغم من أنّها في الظاهر تخفّف بعضًا من الآلام النفسية والجسدية لدى المرضى، خصوصًا لدى الذين يعانون من أمراض مزمنة ومستعصية.

لمجد المسيح.

(يتبع)

[1] لمعرفة المزيد عن هذه البدائل الطبية مراجعة كتاب: “الطب البديل من وجهة نظر الايمان المسيحي”، جيزل فرح طربيه، منشورات دار المشرق وكتاب: “حقيقة البدائل الطبية بحسب تعليم الكنيسة”، جيزل فرح طربيه، توزيع المكتبة البوليسية.

[2] الماندلا كلمة سنسكريتية تعني دائرة أو بيئة أو محيط او مجموعة. للتعبير عن صورة الكون الماورائي. وهي رموز تستعمل في احتفالات طقسية لعبادة اللآلهة الهندوسية والبوذية .

[3] ما أكد عليه المجمع الفاتيكاني الاول (دستور عقائدي ابن الله) والمجمع الفاتيكاني الثاني (36، فقرة 2). أنظر أيضًا بند 159 من التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية

[4] http://pncds72.free.fr/402_debats_psychospirituel.php

https://www.ccmm.asso.fr/psycho-spirituel-la-lente-prise-de-conscience-des-eveques/

https://www.ccmm.asso.fr/groupe-de-reflexion-spirituel-et-psychologie/

[5] https://www.ccmm.asso.fr/produit/detournement-de-meninges-le-livre-noir-de-lemprise-psycho-spirituelle/

[6] https://www.ccmm.asso.fr/le-coaching-une-nebuleuse-en-proie-a-des-derives/

[7]https://www.derivessectes.gouv.fr/sites/default/files/publications/francais/guide_deceler_derives_sectaires_formation_professionnelle_complet_v2_0.pdf

About جيزل فرح طربيه

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير