تبرّع الآن

Father Najib Baaklini

راعويّة الزواج ل “فرح الحبّ” على المحك (2)

الاختصاصي في راعويات العائلة والزاوج الأب د. نجيب بعقليني

    • راعويّة “فرح الحبّ” المتجدّدة

    تذكّر الكنيسة المؤمنين بأنّها أمّ ومعلّمة. وعلى هذا الأساس تعمل دومًا من أجل خلاص المعمّدين. العمل الراعويّ هو أحد الصور المعبّرة عن حقيقة عقيدة الكنيسة وحياتها.

    إنّ الإرشاد الرسوليّ “فرح الحبّ”، يوضّح ويشرح ويؤكّد ويطبّق، تعاليم الكنيسة حول العائلة والزواج والحبّ، بطريقة عمليّة وواقعيّة وروحيّة وإنسانيّة. ويغوص الإرشاد الراعويّ، في التفاصيل بطريقة دقيقة، من أجل توضيح المبادئ والمفاهيم، التي تطاول عيش الحبّ والحياة المشتركة بين المرأة والرجل. إنّه إرشاد تعليمي، يصلح أن يكون عنوانًا وطريقًا، لعيش الحبّ من خلال الزواج المقدّس وبناء عائلة متضامنة، تصبو نحو الفرح المبنيّ على الإيمان والرجاء والمحبّة.

    نذكّر ببعض المواضيع التي تطرّق إليها الإرشاد، وحاول المعالجة، بتقديم الإرشادات والنصائح، وعرض المعلومات الضروريّة، وإيجاد “بعض” الطرائق والوسائل، لمواجهة الصعوبات والمشاكل، بطرح “بعض” الحلول الواقعيّة والعمليّة. ومن أحد مهمّات السينودوس (2015)، إيجاد خطوط عمل واقعيّة وعمليّة من أجل راعويّة الزواج والعائلة. تحدّثت الوثيقة الإعداديّة لسينودوس الأساقفة (2013)، وتحت عنوان “التحدّيات الراعويّة للعائلة في إطار الأنجلة” عن الزيجات المختلطة، وتعدّد الزوجات، والزيجات المنظمة، وثقافة عدم الالتزام وعدم الاستقرار المفترض مسبقًا في العلاقة، وإعادة تركيب فكرة العائلة، والتيّارات الفكريّة التعدديّة النسبيّة في مفهوم الزواج، والزواج المدنيّ والمساكنة، واتّحاد المثليين، وأوضاع المطلّقين والمتزوّجين ثانية. كما عالج السينودوس من خلال أوراق العمل والمداخلات والنقاشات والحوارات ضمن فرق صغيرة قضايا: الحبّ ومبادئه، والزواج ونقل البشارة، من خلال أفراد العائلة، والتحديّات التي تواجه الأطفال والأولاد وتربيتهم، والاهتمام بالمسنين، والمشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تؤثّر سلبًا على حياة العائلة، وأزمة الإيمان والضغوط الخارجيّة على أفراد العائلة، ومسألة الفقر والبطالة وأخيرًا دور العلمانيّ في إعلان الإنجيل في العائلة وإلى آخره.

    يعرض الإرشاد الرسوليّ “فرح العطاء”، في الفصل السادس بعنوان “بعض الامكانيّات الراعويّة”، مقترحات أكثر فاعليّة وعمليّة، لتحقيق راعويّة متجدّدة عنوانها الرحمة وعدم الإدانة، والتي تكوّنت من مسيرة السينودوس، التي ساهمت في تصوّر بضرورة البحث عن طرق ووسائل رعويّة جديدة، تؤكّد على اهتمام الكنيسة بالمحافظة والسهر على أبنائها.

    ويقول الإرشاد بهذا الخصوص:”الكنيسة تتوق للوصول إلى جميع العائلات عبر تفهّم متواضع، ورغبتها “هي مرافقة العائلات وكلّ عائلة، كي تكتشف أفضل السُبُل لتخطي الصعوبات التي تواجهها في مسيرتها ]…[ فإنّ هذا يحتاج إلى مجهود في التبشير والتعليم الدينيّ داخل العائلة، مجهود يرشدها في هذا الاتجاه” (عدد 200). وركّز البابا على ضرورة تفعيل عمل الرعيّة الراعويّ، مع تحضير وتنشئة الرعاة، لمرافقة الأزواج في حياتهم. كما المساهمة الفعّالة في الإعداد لسرّ الزواج. “يجب لرعويّة ما قبل الزفاف ولرعويّة الزواج أن تكونا، قبل كلّ شيء، رعويّة الرباط الوثيق، حيث يتمّ تقديم كلّ العناصر التي تساعد سواء على إنضاج الحبّ أو على التغلّب على الأوقات الصعبة… ]…[ إنّما يجب أن تتكوّن أيضًا في مسارات عملية، ومن نصائح واقعيّة، ومن استراتيجيات مستمدة من الخبرة، ومن إرشدات نفسيّة…” (عدد 211)

    وتابع الإرشاد الرسوليّ توجيهاته الراعويّة، مؤكّدًا على أهميّة وضرورة مرافقة ومتابعة المتزوّجين، في السنوات الأولى من الحياة الزوجيّة (عدد 217-225). وهنا يدعو البابا، الرعايا والحركات الرسوليّة وإلى آخره، للمساهمة في مرافقة الأزواج عبر اللقاءات، والمحاضرات، والإرشاد، وورش العمل، والمساحات الروحيّة والإنسانيّة والعلميّة والعمليّة. وكلّ هذا من أجل مواجهة الأزمات والتحديّات وحلّ “بعض” المشاكل والصعوبات على ضوء المحبّة والتسامح، (عدد 231-238) “دعونا نقترب الآن من الأزمات الزوجيّة بنظرة لا تتجاهل حجم الألم والحسرة التي تحمله” (عدد 234). وتطرّق الإرشاد إلى الأزمات الشخصيّة المرتبطة بالصعوبات الاقتصاديّة، والعمل، والعاطفة، والأزمات الاجتماعيّة والروحيّة، والعلائقيّة، والنفسيّة (قبول الآخر، والتواصل…). وعالج الإرشاد أيضًا أوضاع المنفصلين والمطلّقين من خلال المرافقة والمتابعة “يجب اعتبار الانفصال العلاج الأخير، بعد أن خابت كلّ المحاولات المعقولة الأخرى” (عدد 241). وطلب البابا كلّ الاحترام للأشخاص المطلّقين، الذين يعيشون إتّحادًا جديدًا، مع إشراكهم في حياة الجماعة الكنسيّة، وذلك بممارسة فضيلة الفطنة و”التمييز”.

    يمكننا القول، بأنّ راعويّة الزواج والعائلة، التي أرساها الإرشاد “فرح الحبّ”، عزّزت الأمل والرجاء في قلوب المتزوّجين والمؤهّلين لسرّ الزواج، لا سيّما من خلال تفهّم أوضاعهم الصعبة، وبالأخص العائلات المجروحة. لقد شرّع “أبواب” الكنيسة، لاستقبال توبتهم ومساعدتهم للعودة، إلى عيش إيمانهم، وذلك تحت راية نور الحقيقة. زِد على ذلك، أصدر البابا من خلال وثيقة (قبل إصدار الإرشاد):”هو تبسيط إجراءات الإعلان المحتمل لبطلان الزواج” (عدد 244). طلب البابا “تبسيط” و”تسريع” وبقدر الإمكان مجانيًّا، معاملات بطلان الزواج.

    أخيرًا، حثَّ البابا فرنسيس الآباء والأمّهات على ضرورة تعزيز تربية الأبناء وتنشئتهم على القيم الأخلاقيّة والإنسانيّة والفضائل الإلهيّة: الإيمان والرجاء والمحبّة. وذكّر الإرشاد أنّ العائلة هي المدرسة الأولى للقيم، لأنّها الإطار التربويّ الطبيعيّ، فتحدّث مطوّلاً عن التربية الجنسيّة التي تصبّ في خانة الحبّ والزواج والعائلة؛ كما عن نقل الإيمان، من خلال التربية والتنشئة الإيمانيّة، للأولاد من قبل الأهل.

    “إنّ فعل نقل الإيمان إلى الأطفال …]…[ يسمح للعائلة بأن تُصبح مُبشّرة بالإنجيل” (عدد 289). “وهكذا تتكوّن العائلة كناشط في العمل الراعويّ، من خلال الإعلان الواضح للإنجيل” (عدد 290).

    • خيارات محقّقة

    بعد عرضنا لواقع راعويّة الزواج والعائلة، من خلال الإرشاد الرسوليّ والراعويّ “فرح الحبّ”، ولو باختصار، يتبيّن لنا أنّ الكنيسة الأمّ، تبقى الحصن المنيع، التي تأخذ على عاتقها سرّ الزواج والعائلة. فهي تدافع عن قضايا ومبادئ مقدّسة وسامية، تخصّ البشرية جمعاء. نعم، هي تدافع عن خيارات أبنائها، وتعضدهم، وترافقهم، بالرغم من الضعف، والفشل، والتنكّر أحيانًا للحقيقة. تبقى الكنيسة بكلّ قوّتها وضعفها، الملاذ الأمين للمؤمنين، لأنّها أوّلاً كنيسة السيّد المسيح، التي تحمل الحقيقة والفرح والحبّ والغفران، كما الخلاص للمؤمنين، بالرغم من الخطايا والضياع ورفض الحياة، المعطاة من الخالق.

    نجح سينودوس الآباء باختياره موضوع الزواج والحبّ والعائلة؛ فأحدث في مقرّراته وخياراته الرعويّة، خرقًا مهمًّا، في معالجة قضيّة الزواج، لا سيّما لبعض مشاكله وصعوباته، التي “تؤذي” مفاهيم الحبّ ومبادئه وطريقة عيشه. لقد عرض الواقع والتحديّات، فأتى ببارقة أمل ورجاء، يُبلسم الجروحات بإعطائه حركة واسعة من التضامن والاحترام والتفهّم وعدم الإدانة أو الحكم المُبرَم، بل بفتح “الأبواب”. لقد رفض الآباء التخلّي عن أحد، بالرغم من إعلانهم للواقع وللحقيقة؛ حقيقة مستوجبات سرّ الزواج، بتسليط الضوء على إعادة فهم مبادئ الحبّ ومفاهيمه، كما على معنى الزواج المسيحيّ المبنيّ على الوحيّ الإلهيّ.

    إنّ الخيارات التي قدّمها الإرشاد الرسوليّ، لم تعتمد فقط على “النظريّات”، وإنّما على خبرات معاشة من قبل عائلات كثيرة؛ أكّدت أنّ الحبّ والزواج، بإمكانهما الاستمرار، إذا عرف الرجل والمرأة، الإصغاء إلى صوت الحبّ ومتطلبات الزواج؛ وبذلك ينعمان بالفرح. فتلك الخيارات الراعويّة عمليّة وبالإمكان تطبيقها. ومن جديد خصّص الإرشاد وخياراته في الفصل الثامن، للأشخاص المجروحين في خياراتهم الزوجيّة، طريقًا للتعامل مع حالاتهم من خلال “المرافقة” و”التمييز” و”قبول الضعف”. “إنّ الكنيسة …]…[ تعي ضعف الكثير من أبنائها… إنّ الكنيسة… تنظر بمحبّة إلى أولئك الذين يشاركون في حياتها بطريقة غير مكتملة… يجب على الكنيسة أن ترافق باهتمام وحرص أبنائها الأكثر ضعفًا، الذين يعانون من حبٍّ مجروح ومفقود، مانحة إيّاهم ثقة ورجاء…” (عدد 291). ومن أجل تحقيق هدف راعويّة الزواج من خلال الإرشاد الرسوليّ، اقترح البابا من جديد “التدرّج في الراعويّة”، “…هؤلاء الذين يشكّلون جزءًا من الكنيسة هُم بحاجة إلى عناية رعويّة رحيمة ومشجعة. في الواقع، يقع على عاتق الرعاة، لا فقط تشجيع الزواج المسيحيّ، بل ممارسة “التمييز الرعويّ حيال حالات الكثيرين من الذين لا يعيشون بعد هذا الواقع” ويتابع الإرشاد بهذا الخصوص “من المفيد، أثناء التمييز الرعويّ، “تحديد العناصر التي قد تعزّز التبشير والنموّ الإنسانيّ والروحيّ” (عدد 293). وهذا التدرّج يندرج بمحاولة إدماج الجميع وممارسة الرحمة والرأفة مع الجميع لأنّ الرحمة كما يذكر البابا “غير مستحقة وغير مشروطة ومجانيّة” (عدد 297). فهذا التدرّج ينطبق على المتزوّجين مدنيًّا والمطلّقين والمتزوّجين ثانيةً وغيرهم من حالات. فالرعاة مدعوّون لمرافقة هؤلاء الأشخاص على (وعن) طريق “التمييز” بحسب تعاليم الكنيسة مع اعتماد معايير، غير متناسين المحافظة على الحقيقة، كما عدم الإدانة، “يطلب منّا الإنجيل نفسه عدم الحكم وإدانة الآخرين (متى 7: 1؛ لو 6: 37) (عدد 308)؛ أي ممارسة الرحمة.

    نعم، لقد أوجد الإرشاد الرسوليّ خيارات رعويّة ملموسة ومناسبة ومتجدّدة وناجحة وشجاعة، وعنوانها الاستقبال والاحترام والرحمة. فالرحمة لا تلغي الحقيقة والعدالة “وبالتوافق الكامل مع السنة اليوبيليّة التي تعيشها الكنيسة إنّ المفتاح المناسب لقراءة وفهم هذه الوثيقة هو منطق الرحمة الراعويّة، …]…[ أمّا الفصل الثامن فيشكّل دعوة إلى الرحمة والتمييز الراعويّ إزاء الأوضاع التي لا تجيب بالكامل على النموذج الذي يقدّمه الربّ” و”الرحمة هي ملء العدالة والظهور المنير لحقيقة الله” (عدد 311).[1]

    فالرحمة لا تلغي الالتزامات المتأتية من وثاق الزواج، والتي تستمر أيضًا حتى عندما يضعف التعبير عن الحبّ البشريّ أو انتهائه. وأخيرًا يدعو البابا إلى “أنّ المجهود الراعويّ لتدعيم الزيجات (الزواجات) واستباق الانفصال هو أهمّ من إتّباع راعويّة الفشل والإخفاقات” (عدد 307).

    نعم، إنّ وثيقة “فرح الحب”، هي “دستور” للعائلة، كما أنّها تُعتبر “ميثاقًا” لعائلة الغد. فالإرشاد، يؤكّد أنّ الرجل والمرأة، بإمكانهما التغلّب على الأزمات، من خلال حصولهما على المساعدة الضروريّة، والحضور الفعّال، والمتابعة والمرافقة عبر النعمة. من هنا، توجد إمكانيّة لتطبيق الإرشاد، لأنّه يتحدّث بلغة واقعيّة، وعمليّة ورعويّة. فهو يحمل الإنجيل، لكلّ شخص ابتعد أو بعيد، من خلال إعادته بعمليّة اندماج (إدماج) تدريجيّ. الإرشاد الراعويّ، هو وسيلة وطريق الاندماج والتكامل، الذي يساعد ويسهّل لهؤلاء الأشخاص، الاقتراب تدريجيًّا، إلى أسلوب حياة الإنجيل. فإرشاد هؤلاء المؤمنين، إلى سلوك طريق التوبة، والابتعاد عن الخطيئة، والاهتداء إلى الحقيقة، كي يستعيدوا النموّ في حقيقة الحبّ. نعم، يريد الإرشاد، إعلان إنجيل العائلة، بأسلوب جديد، وبلغة جديدة. أي إعلان الزواج والعائلة أنّهما بشرى سارّة للمجتمع وللكنيسة أيضًا.

     

    الأب نجيب بعقليني

    • يحمل كفاءة في اللاهوت العقائديّ، ودكتورا في اللاّهوت الراعويّ.
    • أخصائي في راعويّة الزواج والعائلة.
    • خدم عدّة رعايا كما عمل في الإدارة التربويّة والتعليم: نائب رئيس الجامعة الأنطونيّة، المدير الماليّ والإداريّ للجامعة الأنطونيّة، مدير الجامعة الأنطونيّة فرع زحلة والبقاع، رئيس مدرسة مار روكز الأنطونيّة رياق، مدير المعهد الأنطونيّ بعبدا (لبنان).
    • عمل في الحقل الراعويّ: إصدار كتب ومقالات، مقابلات وبرامج تلفزيونيّة وإذاعيّة، محاضرات وندوات.
    • صدر له:
    • الطريق إلى الزواج (بالعربيّة والفرنسيّة)
    • حبّ واستمرار
    • كي نبقى معًا
    • لقاء وعهد
    • المرأة والتّنمية
    • الإعداد لسرّ الزواج في الكنيسة المارونيّة (بالعربيّة والفرنسيّة)

     

     

     

    [1]  مداخلة للكاردينال لورينزو بالديسيري في تقديم الإرشاد الرسولي “فرح الحبّ”.

About الأب د. نجيب بعقليني

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير