تبرّع الآن

شهادة حياة لسنبلة الرجاء جوزيت شرفان مزهر

شهادة بطلة قبلت الحبّ المضحي

من منا يرغب في  طلب الالم؟ أو الوجع؟ بالطبع لا احد، ربما…ما هو موقفنا من المرض، كيف سنتعامل مع هذا الضيف المزعج الغريب إذا دخل يومًا ما الى مضجعنا؟

للإجابة على تلك الأسئلة، إليكم شهادة حياة مؤثّرة، تركتها لنا جوزيت شرفان، علّ وعسى يتّعظ من خلالها الأزواج في عيش الشهادة البطولية، بمواجهة ثقافة الموت من خلال حضارة المحبة المسيحيّة[1].

  • نعم فدائيّة

إنّ اللحظة الحاسمة التي طبعت جوزيت، يوم قررت أن تقف مع زوجها أمام الكنيسة، لتعلن”النعم” معًا حتى يفصلنا الموت (ر.أ، مت 19: 5). فنعمها يعبّر عن اختيار حرّ ومسؤول وواع، في تأسيس عائلة مسيحيّة[2]، وذلك بسخاء بطوليّ وحبّ مضحّ في سبيل الحياة، الأبناء “هدية من هدايا الزواج”[3]. إنّ اختبار جوزيت للنعم، صار أيقونة حيّة تشير إلى أهمية دور ورسالة الأهل في عيش الحياة المسيحيّة، ولاسيما في نقل صورة الله ومثاله من خلال فعل الإنجاب والتربية[4].

  • سفيرة الحياة

في رسالة الحياة البشريّة، يقول البابا الطوباوي بولس السادس، بأنّ الأزواج هم” سفراء المقصد الإلهي الذي وضعه الخالق”[5]. جوزيت عاشت دعوتها كسفيرة لهذا المقصد بمشاركتها مع زوجها في إعطاء الحياة سواء لطفلها شربل أو لإبنتها ساشا. وبالرغم من تحذيرات الأطباء لجوزيت، بعدم الإنجاب، لأنه يشكّل خطرًا كبيرًا على صحتها، لم تخف جوزيت من خوض غمار هبة الإنجاب، فحملت للمرّة الثانية بطفلة، ولكن كانت هذه المرّة صعبة جدًّا، وبالرغم من ذلك، رفضت أن تضحي بالجنين، لأنها كانت منذ الاصل تتمتّع بضميرمضحٍّ. وعلى مثال القديسة جيانا[6] قرّرت جوزيت، أن ترفض أي علاج كيميائي أو أية حبّة دواء خوفا على حياة الطفل، ففضّلت أن تضحي بحياتها في سبيل الحياة، إنه صدى بعيد لمقولة القديسة جيانا :”يا ربّ إذا أردت أن تختار بيني وبين الطفل ، فلا تتردّد. أنا كلّي لك وأتوسّل إليك أن تنقذ حياته.”. وهذا ما حدث مع جوزيت، التي أنقذت حياة طفلتها، بدلاً عنها. هذه هي الأم!

  • درب الجلجلة

قبلت جوزيت الألام المبرحة لاسيما في الشهر الثامن من الحمل، فولدت ساشا، ولكن فترة مكوثها مع رضيعتها لم تتعدى العشرة أيام حيث بدأت صحتها بالتدهور بسبب إصابتها بسرطان في النخاع الشوكي، جعلها تفقد شيئًا فشيئًا طاقتها على الحركة، تفاقمت حالتها الصحيّة، وتعرّض جهازها العصبي الى ضرر جسيم، فأصيبت جوزيت بشلل كامل، فمكثت في المستشفى زهاء خمسة أشهر، لا تستطيع الحراك، واضطر الأطباء الى إجراء عدة عمليات جراحية، ولكن جميعها لم تعط أي نتيجة. وبالرغم من الوضع الضاغط، ظلت جوزيت محافظة على إيمانها من خلال تمسكها بالقربان المقدس التي كانت تتناوله بصعوبة، بسبب شللها، فكل من كان يزورها يرى على وجهها فرح الرب، تبتسم للمصير ابتسامة واثقة، بعيدة كل البعد عن الخوف من الموت المرتقب، ويذهب الزائر محمّلًا بلقاء القيامة.

  • جوزيت وعزلة الصليب

 زاد الطين بلّة، تعرَض جوزيت الى فيروس منعها من ملامسة ولديها أو حتى مشاهدتهما من بعيد، فكانت الإجراءات الطبية مشدّدة تقتضي بعدم ملامسة أي أحد جسد جوزيت، وهي بالكاد تتكلّم لا حركة، حتى لا لمسة… آه، يا إلهي ما أصعب هذا الموقف، الأم، لم تستطع معانقة الطفلة الرضيعة ولا حتى شربل، فقد سمّرت كسيّدها على فراش الألم، تتجرّع معه وحتى النفس الأخير الكأس. حرمان ومرض وشلل وأوجاع، آه، ما أصعبها على الأم، أن تُحرم من رائحة أولادها ولمسهم ومعانقتهم وتقبيلهم وضمهم الى صدرها الحنون الدافىء. وهذا كلّه لم تستطع جوزيت تحقيقه، ولكنّها بقيت صامدة صمود الأبطال الشهداء، مبتسمة، مؤمنة حتى أقصى الحدود. اسلمت جوزيت الروح، في عيد العنصرة، لتذهب بثقة الى الأخدار السماوية بصحبة ورفقة الأبرار والصديقين، ولاسيما شفيعها المفضَل القديس شربل.

انتقلت جوزيت من بيننا لتكون لنا قدوة وشهادة حياة وصرخة ضمير وجب ان تهز كياننا من الداخل، ان تجعلنا نتوب عن كل لحظة جعلنا من أنفسنا محورًا ومركز ثقل. نتوب عن تعلّقنا بامال زائلة واهية خادعة مضلّة، قد أغوتنا فأدمينا. فالإنسان لا يمكن أن يصل الى درجة التسامي، الا من خلال بعدين متلازمين لحقيقة واحدة: الحب المضحي – الضمير المضحي، حقيقة يختبرها كل من أراد أن يفدي ذاته في سبيل الاخرين إنطلاقًا من النموذج والمثال يسوع المسيح المتجليّ في شهادة المؤمنين، إنّ جوزيت البطلة خير مثل على ذلك.

وها هي جوزيت تردد اليوم مع القديسة جيانا موللا كلماتها النبويّة:”يسوع أنا أحبّك ، يسوع أنا أحبك”. آمين.

[1]– ر.ا، البابا يوحنا بولس الثاني، رسالة الى الأسر، فقرة 13- 14

[2]– البابا فرنسيس، فرح الحب، فقرة 35

[3]– البابا يوحنا بولس الثاني، إنجيل الحياة، فقرة 26

[4]– البابا يوحنا بولس الثاني، في كرامة المرأة، فقرة 6

[5]– البابا بولس السادس، رسالة الحياة البشريّة، فقرة 13

[6]– في عام 1961 اختبرت جيانا موللا، سرّ الألم في حياتها. أثناء حملها الرابع، إتضح للأطباء أنها تعاني من مرض سرطان في الرحم مما يوجب استئصاله. وعلى رغم إدراكها الكامل لمخاطر إكمال الحمل في حالتها هذه ،فخيّرها الأطباء بين ثلاثة حلول: الإجهاض أو استئصال الرحم بالكامل أو استئصال الورم فقط، رغم أن الكنيسة الكاثوليكية سمحت باستئصال الرحم في حالات الأورام حفاظاً على حياة الأم إلا أن جيانا إختارت فقط إزالة الورم على أساس أنه الإختيار الوحيد الذي يحفظ حياة الجنين ، برغم أنه الإختيار الذي يُعَرِّض حياتها للخطر. قبل أن تخضع جيانا للجراحة ألزمت أسرتها بأنه في حالة الإختيار بين حياتها و حياة طفلها أثناء الجراحة أن يختاروا حياة الطفل، كما صلتإلى الله كي ينقذ جنينها. وقبل إنجابها بيومين تضرّعت إليه بالقول ” يا ربّ إذا أردت أن تختار بيني وبين الطفل ، فلا تتردّد. أنا كلّي لك وأتوسّل إليك أن تنقذ حياته”.أعلن تطويبها القديس البابا يوحنا بولس الثاني سنة 1998 ومن ثم قديسة على مذابح الكنيسة الجامعة سنة 2003.

About الخوري جان بول الخوري

1

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير