تبرّع الآن

wikipedia.org

عيد الصعود: أسماؤه وماهيّته ووقوعه وأصوله التاريخيّة

بعض أسماء العيد “عيد صعود ربّنا يسوع المسيح إلى السماء يوم الأربعين بعد القيامة”، “خميس الصعود” أو “عيد الرش”. ما هو الصعود لاهوتيًّا ومتى يقع؟   يقول الأب فرنسوا فاريون اليسوعيّ في كتابه فرح الإيمان بهجة الحياة: «الصعود هو العلامة التي تفتتح السماء، […]

بعض أسماء العيد

“عيد صعود ربّنا يسوع المسيح إلى السماء يوم الأربعين بعد القيامة”، “خميس الصعود” أو “عيد الرش”.

ما هو الصعود لاهوتيًّا ومتى يقع؟  

يقول الأب فرنسوا فاريون اليسوعيّ في كتابه فرح الإيمان بهجة الحياة: «الصعود هو العلامة التي تفتتح السماء، أو بالأحرى توجِدها. والصعود هو أيضًا، بمعنى يجب إدراكه، ذهاب المسيح الضروريّ. وهو ذهاب يبدو بالأحرى وجهًا جديدًا لوجوده. لم يعد هذا الوجود خارجيًّا أو محدّد المكان، بل أصبح باطنيًّا وشاملاً. الحضور الحقيقيّ هو على شكل الغياب. فلو لم “يصعد يسوع إلى السماء”، لما زال بيننا، في وسطنا، ولكن إلى جانبنا، خارجًا عنّا، كما أنّي خارج عنكم وأنّكم خارجون عني. كتب القدّيس بولس: صعد إلى السماء “ليملأ كلّ شيء” (أف 4/ 10)».

ويُضيف الأب فاريون قائلاً: «ذهاب المسيح – صعوده – هو في جوهره احترام من قِبلَه لحريّتنا». وعبّر كلوديل تعبيرًا حسنًا، على طريقته، عمّا قاله يسوع: “خير لكم أن أمضي، فإن لم أمضِ، لا يأتكم الروح القدس، فكتب: يجب أن أُبعد عنكم وجهي لكي تكون لكم نفسي”.

ويُضيف الأب فاريون في مكان آخر أيضًا ويقول: «لمّا توارى المسيح في الغمام، كتب القدّيس لوقا أن عيون الرسل ما زالت شاخصة إلى السماء، مع أنّه لم يبق هنالك شيء، لم يبقَ هنالك وَجه. فقال لهم الملاكان: “أيّها الجليليّون، ما لكم قائمين تنظرون إلى السماء؟” (رسل 1/ 11). وهذا يعني: لا تُضيّعوا الوقت، بل قوموا إلى العمل المفروض عليكم. والقيام بهذا العمل يقتضي منكم كثيرًا من العقل والشجاعة. أنتم أُناس، وعندكم عقول وقلوب. فتغلغلوا، بهذه العقول وهذه القلوب، إلى قلب العالم».

فالصعود هو آخر ظهورات يسوع. إنّه ختام رسالة يسوع العلنيّة على الأرض، وختام حضوره المرئيّ والمسموع والملموس في العالم إلى يوم مجيئه الثاني، وهو أيضًا عيد عودته بالمجد إلى السماء و”جلوسه عن يمين الآب”. إنّه تواري المسيح الّذي يولي شهوده مسؤولية عمله على الأرض. إنّه يوم انطلاق الكنيسة التي سمعت الربّ يدعوها للانطلاق إلى البشارة، ليعمّ فرح الإنجيل الكون بأسره.

الصعود هو أنّ يسوع القائم من الموت ترك الأرض لينضمّ إلى الله في مكانه الخاصّ: السماء. «والسماء (أو السموات)، حيث “صعد” يسوع هي بالضبط أُلفَة الله … هي صلة كيان الإنسان بكيان الله، واللقاء الحميم بين الله والإنسان … هي مستقبل الإنسان، مستقبل البشريّة» كما يقول الأب فاريون.

يقع هذا العيد دائمًا يوم الخميس من بعد الأحد الخامس بعد القيامة أي بعد أربعين يومًا من قيامة الربّ يسوع.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الليتورجيا انتظرت القرن الرابع لتحدّد عيد الصعود في اليوم الأربعين بعد الفصح. وقبل هذا كانوا يعيّدونه يوم العنصرة أو في يوم بين الفصح والعنصرة.

كما ونشير أيضًا إلى أنّ عبارة أربعين يومًا لا تعني مباشرة زمن الصعود، بل زمن تعليم يسوع لرسله. إنّ هذا العدد يدل في التوراة والتقليد اليهوديّ على زمن الوحي. ظل موسى أربعين يومًا على جبل سيناء (خر 24/ 8)، ومثله إيليّا (1 مل 19/ 8)، وبقي عزرا أربعين يومًا حين كان يملي رؤاه (4 عز 14/ 23-45). وكذا فعل  باروك على قمة الجبل (رؤيا باروك بالسّريانيّة 76/ 1-4). الأربعون يومًا هو زمن الرؤيا والاستعداد بالصوم (راجع حياة آدم وحواء الفصل 6، ولا ننسى بالأخص صوم يسوع). فكما استعدّ يسوع لرسالته أربعين يومًا في البرّيّة، فهو يهيّئ كنيسته خلال أربعين يومًا فيحدّثها عن ملكوت الله.

أصوله في التاريخ

لم يرد ذكر عيد الصعود إلاّ نادرًا قبل القرن الميلاديّ الخامس. ذكره أوسابيوس أسقف قيصرية فلسطين (+340) الملقّب “أبو التاريخ الكنسيّ” نحو سنة (263/ 313)، ولكن ضمن احتفال اليوم الخمسينيّ. وهكذا ذكرته أيضًا الراهبة إيجيرية التي كانت في أورشليم نحو سنة (383). وهو كذلك أيضًا معروف في تقليد سريانيّ قديم. أما يوحنّا الذهبي الفم (+407) فقد عرف هذا العيد وذكره في اليوم الأربعينيّ في أنطاكية (354/ 383)، وفي القسطنطينية (398). هذا بالنسبة إلى الشرق.

وبالنسبة إلى الغرب فقد ورد ذكره في اليوم الأربعينيّ على لسان القدّيس أوغسطينوس (+430) في مدينة هيبو-أفريقيا الشمالية- (354/ 391).

يرجع إذن أصل هذا العيد إلى نهاية القرن الرابع الميلاديّ وقد يكون من طقوس كنيسة أورشليم القديمة التي، اهتمامًا منها بمراحل التدبير الخلاصيّة، ورغبة في إقامة الاحتفالات متسلسلة، وحسب أماكنها التاريخيّة، قسّمت العيد الخمسينيّ الكبير. لا نجد هذا الحدث في العهد الجديد إلاّ عند لوقا في إنجيله كخاتمة ليومٍ فصحيّ عاشه التلاميذ (24/ 50-53)، وفي بداية أعمال الرسل حيث ربط الصعود بالعنصرة (1/ 1-14).

ومع مرور الزمن، وخاصّة في الغرب، فقد عيد الصعود معناه الأصلي: الاحتفال بتمجيد ربّنا يسوع المسيح وارتفاعه إلى السماء وإعلانه ربًّا وملكًا على الكون. وأصبح عيدًا مستقلاً منفصلاً، نوعًا ما، عن العيد الخمسينيّ، وذكرًا لنهاية حضور المسيح الجسديّ والتاريخيّ على الأرض وخاتمة ظهوره لتلاميذه. حيث صار في القرون الوسطى يوم حزن ووداع، إلى درجة أنّ بعض الكنائس كانت تعبّر عن حزنها هذا برفع تمثال يسوع أو إطفاء الشمعة الفصحيّة.

يُطلق على هذا العيد أيضًا “عيد الرش”: تسمية شعبية تتعلّق بتقليد شعبي قديم يجري فيه رش الماء على الآخرين. ولا تزال آثار هذه العادة باقية في عدّة أماكن من الشرق وبصورة خاصّة في شمال العراق. هل هو نتيجة الحر؟ أم لجلب انتباه الآخرين على عدم البقاء في التطلع إلى السماء والاهتمام بأمور حياتهم العادية طبقًا لما جاء في كتاب أعمال الرسل: “(…) ما لَكُم قائمينَ تَنظُرونَ إِلى السَّماء؟ (…)” (1/ 11).

     يشير هذا العيد إلى أنّ أبواب السماء انفتحت أمامنا لكي نصعد نحن أيضًا حيث المسيح جالس عن يمين الآب، ونحيا مثله ومعه إلى الأبد.

About الأب اغناطيوس أوفي

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير