تبرّع الآن
snake

Robert Cheaib CC BY NC - theologhia.com

لماذا رُمز للشيطان بالحيّة؟

نقولُ كبداية للموضوع، إنّ الكاتب المُلهَم لجأ إلى رمز الحيّة ليتحدّث بها عن الشيطان وبالتالي عن الخطيئة التي تقود إلى الموت والسبب، لأنّ الشعب العبرانيّ الذي بدأ حياته في الصحراء، تألم كثيرًا من موت حملته له الحيّات. في هذا أخبرنا سفر العدد […]

نقولُ كبداية للموضوع، إنّ الكاتب المُلهَم لجأ إلى رمز الحيّة ليتحدّث بها عن الشيطان وبالتالي عن الخطيئة التي تقود إلى الموت والسبب، لأنّ الشعب العبرانيّ الذي بدأ حياته في الصحراء، تألم كثيرًا من موت حملته له الحيّات. في هذا أخبرنا سفر العدد عن حيّات لدغت الشعب، فمات منه كثيرون (21 : 6). فالحيّة (وسنراها بصورة أوضح بعد قليل) تمثل رمز الشواش التي سينتصر عليها الإله.

الحيّة، موضوعٌ متعدّد الدلالات ومتنوّع المعاني، يعرفه التراث الإنسانيّ الدينيّ الثقافيّ، ويستعينُ به رمزا في سياق مركّبات دلاليّة مختلفة: فتارة ً ترمزُ إلى الحبّ والخصب فترتبط بشخصيّات إلهيّة ذات صلة بالولادة والحياة، وطورًا ترمزُ إلى الحكمة، وطورًا إلى الخلود والحياة الأبديّة. وتعتبرُ أحيانا حيوانا خيّرا وحكيمًا، يفيد الإنسان ويساعده، ويُتوقّى أحيانا شرّها وخبثها. وتمّت أيضا بصلة إلى السحر والقوى السريّة.

يظهر موضوع ” الحيّة ” في ثقافات الشرق القديم التي تضفي عليه معنى الخلود وتربطه بفكرة ” الخصب “. هكذا تروي مثلا،” ملحمة كلكامش” أنّ الحيّة القاطنة بأعماق البحيرة خلست ” نبات الحياة ” التي حصل عليه كلكامش، مغامرًا  ومخاطرًا بحياته، فسلبته الخلود (النصّ 9). أما في الأساطير الفينيقيّة (أوغاريت)، فقد ارتبطت الحيّة بإلهة الحبّ والخصب.  وتمثّل ” الحيّة ” أيضا  القوّات الجوفيّة التي كان الكلدانيّون يتعبّدون لها، والذنبيّة المصريّة، وهي صلّ انثى تمثّل النار في الأكاليل الإلهيّة والملكية، والوحوش التي خلقتها ” تيامات ” في أسطورة خلق العالم البابليّة، وخاطف شجرة الحياة في ملحمة كلكامش .. كانت الحية رمز آلهة كنعانيّة، وقوّات شريرة عند سكّان بلاد ما بين النهرين، فلا عجبَ أن يستخدمها تكوين 3 لتجسيد قوّة شريرة محتالة ، معادية للإنسان، من خلاله للتدبير الإلهيّ.  وسفر الرؤيا تناول هذا الرمز أيضا (رؤ 12): إنّ البشريّة الجديدة، أّم يسوع المسيح، في صراع ٍ يفوق قدرة البشر، يجابه فيه ميخائيل وملائكته ” التنّين العظيم، الحية القديمة، ذاك الذي يقالُ له إبليس والشيطان” .

في أيّام يسوع، كانت طرق تمثيل قوّات الشرّ على جانب من التنوع. فكان الشيطان ( المتّهم)، الذي يسمّيه يسوع (رئيس هذا العالم )، محاطــــــا بعدد كبير من الشياطين. فعلى صعيد التمثيل واللغة، لم يقم يسوع ورسله بأيّ تغيير في عادات معاصيرهم ولم يكن هذا الأمر من مواضيع الوحي. فهل نستخلصُ من ذلك، أننا نستطيع أن نحوّل صور الشيطان الكتابيّة إلى ” طريقة في الكلام” ؟ هذا التصوّر والتفكير تسرّع في الحكم! لأن يسوع، الذي يبقى اختباره قاعدة لإختبارنا، شديد الواقعيّة في مصارعته قوّات الشرّ، إذ ليس الشرّ في نظره أمرًا نظريّا ومجرّد تعبير عن حدود الإنسان. ولقد رأى فيه قوّة خفيّة لا بدّ من مكافحتها للحدّ من سيطرتها في هذه الدنيا.

كلّنا يعرف قصّة مار كوركيس والتنين.  والتنين هو حيّة عملاقة. ترمز ديانة الزن Zen للتنين بالحقد والشرّ، أو الجهل والظلمة. وهو حيوان مركّب من حيوانات بريّة وبحريّة وحتى التي تحت الأرض. في الهند، مُـــــقرّب التنين هو الذي يُهدئ غضب الألهة، فيسيل منه السوما Soma ،و هو شراب الحياة.  وفي الصين يقل تشوانك تسو ، إنّ قدرة التنين هي قدرة غامضة لأنها حلّ الأمور الغامضة. لذلك، رأى كونفوشيوس في لاوتسو التنين. أي صاحب مصدر الخلود.

القدّيس كوركيس (أو الملاك ميخائيل) مثّله الفنانون، يتصارع مع التنين، هو أشبه بالتمساح المجنّح ينفث النار، يمثّل العناصر الأربعة للمادة: ألماء والهواء والنار والتراب. إنه صراع مع الشرّ، تحت كافة أشكاله، إنه قلقُ الحضارات والثقافات والديانات، حتى الماديّة الجدليّة ومبدأ صراع الطبقات.

لقد رأى علماءُ النفس الصراع مع الأمّ أو مع الأب أو الخوف من الخصي، يقولُ فرويد أنّ اللاوعي هو الظلّ، أي التنين – الفوضى، الذي يظهر بصورة غير متوقّعة، إنه المخلّص الذي يحتاج إلى تخليص، فالغاية ليست قتل التنين وإنما تحويله بالحبّ والعطف (كلّنا يتذكّر مسلسل الحسناء والوحش!).

فما معنى ” الحيّة ” في الراوية اليهويّة وما والوظيفة التي يؤدّيها هذا الموضوع في  بنائها القصصيّ؟

الحيّة توقظ في حوّاء رغبة لم تكن فيها. وهذا هو الخبث الذي في التجربة الشريرة، عوض أن تبني الإنسان إنطلاقا من رغباته الخاصّة، يضع المجرّب في الإنسان شعورًا بالذلّ والكبت، خالعـــــًا عنه رغباته الحقيقيّة (إنحرافا لدعوته الأصليّة)، كما يقول المزمور ” يارب، لا تلبّ أهواء الأشرار ولا تنجح مكايدهم ” (مز 140). التجربة (التي تخلقها الحيّة)، هي جرّ الإنسان خارج ذاته ليعمل ما لا يساهم في بناء شخصيّته. نرى في صلاة الأبانا،  الآب في البداية – فوق ، والشرير في النهاية – تحت. كالمرآة المتقابلة ، الصورة الحقيقيّة والإنعكاس الكاذب. الأوّل يفتحُ البابا أمام الذات، والثاني يوصد الباب فأكون خارج عن ذاتي، مطرودًا.

لا تتّضح وظيفة موضوع  ” الحيّة ” إلاّ في سياق الرواية اليهويّة، فلا يجوز منهجيّا أن تضفى عليه دلالة ما، بغضّ النظر عن وظيفته البنائية. لهذه الوظيفة البنائيّة ناحيتان : من جهة، تقومُ ” الحيّة  بإغواء المرأة إلى مخالفة الأمر الإلهيّ، ومن جهة أخرى، لا بدّ من كائن غير بشريّ ليقوم بإغراء الإنسان، إذ إنه يقابلُ الإنسان مخاطبــــا إيّاه وكأنه كائن ” عاقل مثله “. نظرًا إلى هذه الحاجة البنائيّة إلى مقابل عاقل غير بشريّ، أدخلَ الكاتب اليهويّ في بناء روايته شخصيّة ” الحيّة الناطقة العاقلة“. فموضوع هذه الحية الناطقة تجهله أساطير الشرق القديم، لكنّه شائعٌ في الحكايات الشعبيّة خاصّ في الثقافات الإفريقيّة والهندية الأمريكيّة: وتمثّل هذه الحكايات مرحلة قديمة في تاريخ التراث الثقافيّ تسبق مرحلة الأساطير الكبيرة. يقولُ الأب روبير بندكتي، أنّ موضوع الحيّة الناطقة العاقلة، لا علاقة له بأساطير الشرق القديم أي بملحمة كلكامش، وقد صاغ هذا الكاتب اليهويّ هذا الموضوع وفقا لمتطلّبات روايته البنائيّة. فالكاتب اليهويّ بنبذه موضوع “الحيّة ” الأسطوريّ ووصفه ” الحيّة” بأنها ” مصنوع الله”، أعاد تأويل هذا الموضوع ونزّهه من صفاته الاسطوريّة.

يُظهرُ الحوار الجاري بين المرأة و ” الحيّة” الوظيفة التي تؤدّيها الحية في بناء الرواية. فالحوار الظاهر بين المرأةت والمقابل ( العاقل غير البشريّ)، ليس سوى إخراج ٍ روائيّ للحوار الباطن الذي يجري بين المرأة ونفسها: إنه لحوار ذاتيّ يمثل التساؤل والإرتياب  الذي يتجاذب المرأة ويتقاذفها، وهي تنظر إلى الشجرة المحظورة وترى أنها ” طيّبة للأكل ومتعة للعيون ومنية للتعقّل “(تك 3: 6).  لقد أغوت الحية، مصنوعة الله، المرأة، وأقنعتها بمخالفة الأمر الإلهيّ، وهذه الحقيقة معضلة !، بل ومفارقة مستعصية على الحلّ المنطـــــــقيّ: فكيف أمكنَ أن يتوغّل الشرّ ويتغلغل في خلق الله الحسن بواسطة خليقة صنعها الله؟ يرمز موضوع ” الحيّة” لى لغز الشرّ هذا، فيتجسّد في هذا ” الحيوان الأحيل ” من بين جميع الحيوانات، لغزَ ذكاء الإنسان ومفارقة استزادته من المعرفة، وهذا ما حدا به إلى ” منافسة الخالق.  إنّ الكاتب اليهويّ، بتخيّره ” الحيّة ” مقابلا عاقلا للمرأة في  حوارها الذاتيّ، توخّى أن يبرز هذا اللغز المبهم المكتوم.

لعلّكم تسألون: لماذا سقطَ الملاك النورانيّ وأصبحَ ” شيطان”!؟ لا جواب لهذا السؤال ! من أين ظهرَ التكبّر والعصيان وكيف جاءَ ولماذا؟؟؟ كلها أسئلة لا يمكنُنا الإجابة القطعيّة عليها . هذا ما نقصده عندما نقولُ : إنّ الشرّ هو مباغت، غامض، مصيبة، كارثة. المهمّ هو فقط التخلّص منه. وهذا ما أراده يسوع: لم يبحث عن المذنب بل ذهب للبحث عن الضحيّة لخلاصها.

About عدي توما

1

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير