تبرّع الآن

Mosaïque de la Vierge Marie place Saint-Pierre, capture CTV

مريم المرأة الحواريّة مدرسة التواصل

امرأة الإصغاء ومدرسة الصلاة

إنّ الإنتقال بالعلاقات من الواقعي Réel لتصبح في عالم الإفتراضي Vitruel، أزمة الأزمات العلائقية، التي زجّت بالإنسان دون دراية وتمييز، في عالم بازارات المضاربات على جميع الأصعيدة، بما فيها الإختبارات الإنسانية إلخ. كأننا صرنا أمام مزيج من نور وظلمة وخير وشرّ، جعلَ العقل في حالة من القلق والإرتياب، بهدف إضعاف حسّ النقد الحقيقي لديه، بغية عدم الوصول إلى المعنى الواقعي والإنساني للّقاء، أي إرتقاء الإنسان بقيمه وفكره وحياته وروحانيّته.

وإذا تساءلنا لماذا استسلمت المجتمعات إلى هذا الوضع المتردّي من هكذا نوعية علاقات إنسانية؟ الجواب، نراه في مريم. فلننظر الى هذه الأمّ المباركة الممتلئة نعمة، والقادرة أن تعلّمنا حقيقة الإصغاء الفاعل، في مدرستها المصلّية.

مريم امرأة الإصغاء

إنّ الخروج من هكذا واقع، وهي مسألة إيمانية بامتياز، هو أن ينظر الإنسان المؤمن الذي تُلقى عليه مهمّة ورسالة التواصل، إلى نموذج حقيقيّ ماثل أمامه، يدفعه إلى عيش الإصغاء والتواصل، نموذجًا يحاكي حياته اليومية ويضعه تحت علاقة من الإنفتاح والإصغاء، فاتحًا طريق اللقاءات بأسرها. وهذا النموذج هو مريم، هذه المرأة القدّيسة شفيعة التواصل والعلاقات الإجتماعية بأسرها، تعلّمنا كيف نتواصل بعمق مع الآخر، من خلال الإصغاء إلى ما يقوله الروح القدس (راجع، رؤ 2 و3) في قلب وضمير وفكر كل إنسان.  فالإصغاء هي نعمة سماوية، تساعد المؤمن في سماع صوت الله الخفيّ في قلبه من خلال عيش خبرة التأمل بكلمة الله، على غرار ما فعلته مريم التي كانت تتأمّل كل شيء «في قلبها» (لو2، 19). والقلب هنا في الكتاب المقدّس هو كليّة الإنسان، الإنسان بكليّته يدخل في علاقة حوار باطنية مع الله من خلال كلمته المقدّسة، يناجيه ويحاوره ويتأمّل في كلامه الحيّ، ليسمع من جديد عبر الكلمات المقدّسة صوت الله الحيّ، مردّدًا مع النبي صاموئيل : «تكلّم يا رب فإنّ عبدك يصغي» (1صم 3، 9). وهذا الإصغاء إلى كلمة الله يجعل القلب في حالة جهوزية مطلقة على غرار مريم.

يُخطىء من يظنّ أنّ البرامج أو المشاريع الإنمائية والإقتصادية والثقافية قادرة أن تحلّ مشكلة النزاعات بين البشر. فلو  كان الحجر الحلّ الوحيد لإنهاء الحروب، لما تقاتل البشر فيما بينهم، ولما تقطّعت العلاقات وحنثت العهود، ولكن للأسف الناس يتقاتلون فيما بينهم لا على حجر وحسب، بل أيضًا على رفاهية شخصية وهمية، وذلك على حساب كرامة الإنسان والخير العام. لا إصغاء وحوار بمعزل عن الصلاة، ومريم خير مثل على ذلك.

في مدرسة الصلاة

إن كلّ تواصل بنّاء ومحرّر مصدره الأساسي هو الصلاة، تلك العلاقة الروحية البنويّة القائمة بالروح القدس، التي تربط القلب والعقل بنور الله. وبقدر ما ينفتح الإنسان على هذا النور الإلهي، بالقدر عينه ينضج ويمتلىء نورًا، عملاً بكلمة الرب القائل: «أنتم نور العالم» (مت 5، 14). والنور هنا، هو هذه المحبة المتّقدة في القلوب العابدة لله، لأنّ العبادة الحقيقيّة تغمر الإنسان بالنور الإلهي. وأينما وجد هذا الإنسان، يحلّ النور معه، فتُضاء المعاني وتتوضّح الكلمات، وتغيب الإلتباسات ويضمحلّ الغموض، وتحلّ لغة الله التي هي لغة المحبة مكان لغات بابل. وعندها، يصير بحقّ كل إنسان عابداً لله، صانع سلام وسط  شبكات العلاقات المتداخلة والمعقّدة أحياناً كثيرة، ولاسيّما تلك التي تعاني من أنماط العنف والأحكام المسبقة.

إن كنّا نريد إنماء العلاقات الإنسانية والدينية والإجتماعية التي نصبو إليها جميعنا، علينا أن ندرك بأنّ الإنماء الحقيقي لكلّ العلاقات ينطلق أوّلاً وآخراً من أيادٍ مرفوعة نحو ربّ العلاء، تستمطر من لدنه نعم الأخوّة والمغفرة وبناء جسور التواصل[1]. وما حضور مريم العذراء  في شعب الله، لهو رسالة لنا وتحدّ في آن معًا: رسالة تحثّ الجميع على إيقاظ حضارة المحبّة في قلبه وفكره، وتعطي المعنى لعلاقاته وتواصله وأعماله مع الآخرين بفضل حياة روحيّة حقيقيّة؛ وهي تحدّ، لأنّ التحدي الأكبر هو أن نحافظ على الإنجازات التي حقّقها الأجداد من تقوى وحب خالص لمريم نسجت علاقاتنا بنسيج القيم والمبادئ، في ظلّ تنامي سيطرة ذهنية الإستهلاك المتوحّش وعولمة العلاقات، وخطر فقدان الخصوصية والتمايز.

وفي ختام هذه المقالة، علينا أن نطرح على ذواتنا الأسئلة التالية: كيف يستطيع إنسان أن ينمّي مجتمعه، وهو بعيد كلّ البُعد عن حقيقة الإصغاء، وهو يأبى الإصغاء إلى وجع الآخر؟ أليس ما نعانيه في مجتمعاتنا الدولية والعربية بشكل خاص، من عنف ممنهج، سببه سيطرة ثقافة الضوضاء التي أقحمت العلاقات بالفوضى متسبّبة في تفسّخ العائلات وانهيار العهود والتراجع عن الإلتزامات؟ وكيف بإمكاننا أن نجعل من مجتمعاتنا واحات لقاء وتواصل، إذا كان القلب بعيدًا كلّ البعد عن حقيقة هذا الإصغاء الفاعل لكلمة الله؟

يبقى انفتاح القلب على العطيّة الكاملة لله التي ملأت حشا والدة الإله بالنعمة (راجع، لو 1، 26)، هي الحلّ الأساس لكلّ مجتمع يريد أن يرتقي بأبنائه نحو حياة إنسانية علائقية تواصليّة لائقة ممتلئة نضجًا ومحبة وغفرانًا، ولنا في مريم العذراء خير مثال ونموذج وشهادة.

[1]– راجع، البابا بندكتوس السادس عشر، المحبة في الحقيقة، منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، جلّ الديب، لبنان 2008

About الخوري جان بول الخوري

1

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير