هذا هو جسدي: بين بذل الذات وتسخيرها

بين الإفخارستيّا وتسخير الجسد للموت، فرقٌ كبير

يضجّ عالمُ اليوم بهتافات الحرّيّة وبالمطالبة بالحقوق. وهذه الهتافاتُ والمطالبات بديهيّةٌ ومُـحِقَّةٌ بعد القمع والظلم الـلَّذَين يتعرَّض لهما الإنسان في مجتمعنا. ولكنَّ الخطر يكمن في الخلْط بين الحرِّيَّة الواعية التي تدعو إلى الحياة، وبين الحرّيّة كردّة فعْلٍ على القمع. وهذه الحرِّيَّة الأخيرة تتحوَّل، أحيانًا كثيرة، إلى عبوديّةٍ لمبادئ تُتَرْجَمُ بأسوأ الجرائم.

ننادي بالحرّيّة، ظنًّا منّا أنّها القدرة على فعل كلِّ ما نريد. ولكنّنا ننسى أنَّ كلَّ ما نريد أنْ نحقِّقه أو كلّ ما يمكننا القيام به ليس دائمًا لخيرنا. إذ ليس الإنسان كتلةً من الشَّهوات والغرائز يعيش اللَّحظة الحاضرة بانقطاعٍ عن تاريخه كلّه؛ ولكنَّه كائنٌ مسؤولٌ عن كلّ ما يصدر عنه: لا تسيِّرُهُ غرائزُه وأهواؤه، ولا حتَّى ميولُ المجتمع و”موضاته”، بل يقودُهُ وعيُهُ وضميره. فلا تُبنى حرّية الإنسان، إذًا، على القيام باللامُباح، بل على اختيار ما يبني المرء ويمكِّنه من تحقيق خياراته عن وعيٍ تامّ.

مَنْ ظنّ أنَّ الحرّيّةَ تُترجم بامتلاك الإنسان لجسده، أو بتأجيره، نسيَ أنَّ الجسد هو هبةٌ من عند الله، وهو كتلةُ ترابٍ مجبولةٌ بنفحةِ روحٍ من عند الله؛ ولا قيمة، بالتَّالي، لهذا الجسد بعيدًا عن مُبْدِعِه. فكما أنّ الرُّوحَ، أي نسمة الحياة، قد جَمَعَ التُّراب المجبول فصار نفسًا حيَّة، أي أشخاصًا تنبض بالحياة، كذلك هذا الرُّوح عينه يجمع هذه النّفوس، بعضها مع بعض، ليكوِّنوا سويًّا جسد يسوع المسيح الحيّ. لذلك يقول لنا القدّيس بولس: “أما تَعْلَمُونَ أنَّ أجسادَكُمْ هي أعضاءٌ للمسيح؟ فهل أنزَعُ أعضاءَ المسيحِ وأَجْعَلُها أعضاءً لزانية؟ حاشا!” (1 قور 6: 15).

إنَّ الحرِّيَّة، عِنْدَ البعض، هي “سِتارٌ لارتكاب الشَّرِّ” (1 بط 2: 16). فملايين الأرواح تموت ضحيّة الإجهاض في عالمنا. وكثيرون يؤيِّدون الإجهاض تحت اسم الحرّيّة، فيهتفون اليوم “هذا هو جسدي” أتصرَّف به كما أُريد، ويسرقون الرّوح من الحياة. هذا من دون أنْ ننسى أنَّ هتاف بعضهنَّ بالأمس: “هذا هو جسدي مُلْكًا لَكَ”، قد سَرَقَ مسبقًا الحرّيّة من الأجساد.

بالمقابل، لنتأمَّل المسيحَ الَّذي أعطانا جسدَه بفعلِ حرّيّةٍ صادقةٍ نابعةٍ من حبٍّ أزليٍّ للحياة. أَوَلَيسَ هو القائل: “هذا هو جَسَدي الَّذي يُبْذَلُ من أجلكم” (لو 22: 19). لقد قادته حرّيّته الكاملة إلى اختيار مشيئة أبيه، وإلى تتميمها كما في السّماء كذلك على الأرض (مت 6: 10). وما هذه المشيئة سوى خلاص النّفوس. لذا، يعلن لنا يسوع بوضوح: “ما جئْتُ لأَدِينَ العالم، بل لأُخَلِّصَ العالم” (يو 12: 47).

عندما أعلن يسوع: “هذا هو جسدي”، خلَّصَ -في قولهِ هذا- العالم، وأعاد إليه الحياة. فلا يمكننا أنْ نستهين بإفخارستيّا الحياة الَّتي نحتفل بها، حيث المسيح حاضر ليهبنا جسده. ولا يمكننا أنْ نستهين بـمَلِكٍ أصبح “مُلْكًا لنا” ليعطينا الـمُلْك في الملكوت السّماويّ، عن يمين الآب كأبناءٍ له، هو القائل: “مَن أَرادَ أَن يكونَ الأَوَّلَ فيكُم، فَلْيَكُنْ لَكم عَبداً” (مت 20: 27). لذا، فإنَّ حرّيّة المسيح قد قادته إلى أنْ يبذل ذاته من أجلنا، ليُحرِّرَنا! فلا نعُدْ، إذًا، إلى نير العبوديّة من جديد.

إذًا، إنَّ الهتافات الّتي تحمل الكلمات نفسها لا تحمل المعنى نفسه البتَّة: إذ بين الإفخارستيّا وتسخير الجسد للموت، فرقٌ كبير. فالإفخارستيَّا هي وَهْبٌ حرٌّ للحياةِ من أجل خلاص النفوس وتحريرها. أمّا تسخير الجسد فهو عبوديّةٌ لأهواءٍ تقتل الحياة من أجل لذّةٍ آنيّةٍ تُزعزِعُ سلامَ النفوس وتَأسُرها.

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير

ساعد بدعم زينيت

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير

اشترك في نشرة زينيت اليومية

ستتلقى يوميًا آخر أخبار البابا والكنيسة في بريدك الالكتروني 

نشكرك على اشتراكك! سنؤكد لك الاشتراك من خلال بريد إلكتروني. إذا لم يصل البريد في وقت قريب، راجع البريد غير المرغوب به.