تبرّع الآن

Veillée Pascale @Liturgie.Catholique.Fr

هل إيماننا اليوم هو أخرس (صامت) ثقافيّا … أم إنه حيٌّ وفعّال؟!

القسم الثامن والأخير من سلسلة الموسيقى والليتورجيّا

نأتي إلى القسم الأخير من سلسلة مقالاتنا حول الموسيقى والليتورجيّا، وهي فصلٌ من كتاب ” روح الليتورجيّا ” للبابا بنديكتوس السادس عشر.

إنّ المفهوم الكونيّ للموسيقى بقيَ حيّا، مع بعض التغيير، إلى فجر الأزمنة العَصريّة. أمـــــا القرن التاسع عشر، فإذ حكم أنّ الميتافيزيقا قد أجتيزَت، أبعدَها لصالح مفهوم الموسيقى المحدودة على تعبير الفاعل وعلى الذاتيّة  فحسب. إنّ هذا التأويل (وقد طوّره هيغل بنوع خاصّ)، كان ما يزال ينضمّ إلى الفكرة الأساسيّة للقعل كإنطلاق وهدف لكلّ شيء. أما شوبنهور، فكان في الأصل من عودة ثقيلة النتائج. وفي نظامه للتأويل، لم يكن بعد أساسَ العالم في العقل،  بل في  ” الإرادة والتمثيل ” . إلاّ أنّ الإرادة، حسب شوبنهور، تسبق العقل والموسيقى التي هي التعبير الأكثر أصالة عن الإنسانيّ، هي هكذا تعبير محض عن الإرادة التي تخلقُ العالم، قبل كلّ عقل.

لذا، يقول البابا، لا ينبغي أن تــــــكون الموسيقى مرتبطة وخاضعة للكلمة، إلاّ في حالة إستثنائيّة. وبما أنها ليست الموسيقى سوى إرادة، فإنها، وهي الأكثر أصالة من العقل، تُعيدنا إلى اساس الواقع (الحقيقة).

إنّ هذا العكس (القلب) يذكّر بالنقل الذي أجراه ” غيث ” لمقدّمة إنجيل يوحنّا : فليس من بعد : ” في البدء كان الكلمة “، بل ” في البدء كان الفعل “. إنه نقل  نــــجده في عصرنا في المحاولة التي ترمي إلى تغيير الأرثوذوكسيّة إلى ” الأرثوبراكسيّة “. بما أنّ الحقيقة لا يمكن البلوغ إليها، كما يبدو، فإنّ الممارسة المشتركة تقومُ مقامَ الإيمان المشترك. إلاّ أنّ الإيمان المسيحيّ قد أكّــــد دومًا أوليـــّة اللوغوس على الأيثوس، كما أظهرَ ذلك جيّدا غوارديني في كتابه ” روح الليتورجيّا “. فحينما تُقــــلَب هذه العلاقة، فالمسيحيّة لا توجد من بعد كمسيحيّة.  وضدّ هذا الإنزلاق المزدوج للأزمنة العصريّة – الموسيقى بصفتها التعبير عن الذاتيّة المحضة أو الإرادة المحضة – ينتصبُ الطابع الكونيّ للموسيقى الليتورجيّة التي تجعلنا ننشد مع الملائكة. إلاّ أنّ هذا الطابع الكونيّ لا يستطيعُ أن ينشرَ قوّته كلّها ما لم تكن العبادة المسيحيّة كلّها في علاقة ٍ حيّة مع اللوغوس.

اليوم، والصيغ الجديدة للذاتانيّة (عقيدة المعرفة كلّها ناشئة عن الخبرة الذاتيّة)، قادت إلى إنحلال الفاعل، والنظريّات الفوضويّة للفنّ تنهي عملها التخريبيّ. قد يساعدنا هذا، يقول البابا، لنتجاوَز مزايدة الذاتيّة هذه، وهذا تضخّم للأنا. لكي نعترف من جديد أن العلاقة باللوغوس وحدها يسعها أن تخلّص الإنسان، أي الشخص، من عزلته وتجعله يستعيد مكانه الصحيح في شركة البشر. في علاقة مؤسّسة، في نهاية المطاف، على محبّة الثالوث.

السياقُ الحاليّ هذا يمثّل، دون شكّ، تحدّيا خطرًا للكنيسة وللثقافة الليتورجيّة. ويُطمئننا بنديكتس إلى عدم الإستسلام للإحباط.  فمن جهة يحتوي التقليد الثقافيّ الكبير للإيمان قوّة عظيمة من الحياة. وهذا الماضي الذي نتأمّل آثاره في المتاحف بدهشة ممزوجة بالحنين، تجعله الليتورجيّا حاضرًا لنا في طراوته النقيّة. ثمّ إن الإيمان ليس اليوم صامتا (أخرس) ثقافيّا، معاذ الله ! ، فإن عصرنا أنشأ أعمالا فنيّة عظيمة مستلهَمة  من الإيمان في مجالات الرسم والموسيقى والأدب. واليوم أيضا، فرحُ الإيمان بالله وخبرة حضوره في الليتورجيّا، هما مصدرَ لإلهام ٍ قويّ لا ينضَب. ولا ينبغي أن يعتبر الفنانون المسيحيّون ذواتهم في مؤخّرة الركب الثقافيّ: فالحريّة الفوضويّة والفارغة التي يتركونها وراءهم هي تعبة  من ذاتها. فالخضوع المتواضع للوغوس هو وحده يعفي الحريّة الحقيقيّة ، ويفتحُ لنا الأبعاد الحقيقيّة لدعوتـــــــــــــنا الإنسانــــــــــيّة.

About عدي توما

1

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير