Donate now

Pixabay Public Domain CC0

هل صدق ما قاله راما كرشنا بأنّ: المسيحيّة هي ديانة الشعور بالذنب ؟!

الحلقة السادسة من القسم الثاني

رأينا في في الحلقة الخامسة بعض الجوانب من حريّة يسوع المسيح وماذا كشفت لنا، ولا زلنا في صدد موضوع ” حرية يسوع “. سنرى في هذه الحلقة السادسة بعض الأمور التي تشوّه علاقتنا مع الله ومع ذواتنا ومع العالم، وهي التي يكشفها لنا يسوع المسيح في حياته.

أوّلا: تبرير الذات

لا يكمنُ الخطر في الإعتراف بالخطيئة، الخطأ كامنٌ في الخاطئ الواثق من برّه. نرى ذلك في مثل يعطيه لنا يسوع وهو مثل” الفريسيّ والعشّار “. لا يقولُ لنا يسوع أنّ الفريسيّ خاطئٌ وأنّ العشّار جيّد السلوك، بالعكس. الفريسيّ فخورٌ بفضيلته، وبتفاخره يرفضُ أن يكون لله المكان الأوّل… أمّا العشّار، فبإعترافه ببؤسه يُعطي لله أولويّة الحبّ. من يبرّر نفسه يغلقُ البابَ أمام رحمة الله مدّعيا أنه لا يحتاجها.  يسوع هنا يعطينا درسًا مهمّا لربّما لا ننتبه له لمجرّد قراءة سطحيّة للمثل: في كلّ ديانة ٍ هناكَ أسسٌ مهمّة ألا وهي: الصوم – الصلاة – الصدقة (الإقتسام). كلّ ديانة تقريبًا، تمارس هذه الأمور الأساسيّة. لكن، يسوع في مثله هذا أعطانا نظامــــًا آخرًا: الفريسيّ يقولُ ” أصلّي، أصوم، وأتصدّق على الفقراء … فماذا تُريد مني الآن يا إلهي ..”! . الفريسيّ هنا هو المدّعي – المرائي، المكتفي بذاته فقط، والذي يوجّه نظره على ذاته فقط، وعلى ” الأنا “؛ إنه أغلقَ نفسه في زاوية مظلمة من حياته، ووقع في مرض : الأنانيّة – وتبرير الذات . لكنّ الله لم ينظر له، رغم ممارسته للأمور الأساسيّة في الديانة. بينما العشّار، لم ينظرُ إلى ذاته، وإلى الأنا؛ بل سلّط النظر إلى الخارج، إلى الله. فتحرّر من الأنا، وجعلَ حياته في يد الله.

ثانيا: عمى القلبْ

إن السقوط في الهفوات يجعلُ مسار الإنسان متعثّرا، لكنّه لا يوقفه. فالمؤمن ينـــطلقُ من جديد وإتجاهه صحيح. أمّا خطيئة الجبان فأكثرَ خطورة: فيها لا يعترف المرءُ بالنور، أو يضعُ حواجز أمام النور( وما أكثر هذه الحواجز !)، ويبحثُ عن الأعذار، ويقصّر في إعطاء الحقيقة حقّها. هذا السلوك الجبان يتحوّل إلى ” عمــــى “، كمَن لا يسحب الستارة من حين لآخر ليسمحَ بدخول النور إلى غرفته.

ثالثا: تجاهُل إرادة الله الآب

الخطيئة التي يكشفها لنا يسوع المسيح، مخالفة أو قطيعة. ” ليسَ من يقول يا رب يا رب … ” متى 7 : 21 – 23. المسيح يكشفُ لنا، من خلال حريّته، ثلاث أنواع من الخطايا ( مؤكّد أن هذا الموضوع ينطبقُ أيضا على قضيّة خلاص يسوع المسيح الشامل والنهائيّ، وبأنّ هذه الكشوفات هي خلاصيّة): الشلل والعمى والرفض. وثلاثتها نابعة من رفض الحبّ. الخاطئ يرفض ما يعرضه الله عليه. وليس هذا فقط من شأن سلوك الفرد، بل هو أيضا مساهمة تحرّكها قوّة الكذب والقتل والكراهية التي اصطدم بها يسوع منذ بداية رسالته. فوراء كلّ خصوم يسوع، يقفُ هذا الوجــــــه: وجه  الخصم الذي لا يهرب منه يسوع بل يتقدّم نحوه بدون سلاح ٍ سوى سلاح الحق والحبّ والحريّة. هذا الخصمُ هو الشرّير أو الشيطان عدوّ الحقيقة اليوم، لانه أبو الكذب، كما  وصفه يسوع.

هذه الحقيقة وهذا الحبّ يكشفان حاجتنا إلى ” البراءة “. اليوم كلّـــنا نبحثُ عنها في تهرّبنا من مسؤوليّة الخطيئة، وهذا التهرّب من الذئب يأخذُ أبعادا سياسيّة وايديولوجيّة على الصعيد العالميّ. فالقتل والتعذيب مبرّران في مناطق كثيرة للحفاظ على هذه البراءة. فلو طبّقنا مبدأ العين بالعين، لأصبح كلّ البشر عورٌ. الناس ليسوا بحاجة  إلى تطبيق أعمى للحق، بل أنهم بحاجة إلى خلاص وتحرير. ولا خلاص ولا حريّة دون كشف الخطيئة.  والخطيئة تظهر الرحمة : فلا نقل أبدًا  الإنسان خاطئ دون أن نلفظَ حالا : المسيح مخلّص. لسنا كما يقول ” راما كرشنا ” المصلح الهندوسيّ الكبير، إنّ الديانة المسيحيّة هي ديانة الشعور بالذنب فقط. بالعكس، نحنُ نحمل الحبّ الذي يبرز قبحَ الجُبناء والكسالى  والخونة.  ” إني جئتُ إلى العالم لإصدار حكم ” (يوحنا 9 : 39). القبح والمرض والسيئات، أوضحُ في نور حبّ الله، وأمثالُ الغفران واضحة تشير إلى مكان الدواء: ما جئت لأدعو الأبرار بل الخطأة ليتوبوا ” ( لو 5 : 32).

أعطانا الله الآب، في شخص يسوع المسيح أبنه، الحرية الحقيقية. وعندما يعطي الآب لنا يسوع ابنه، فهو يعطينا  الحقّ والحريّة والحبّ. ولهذا، يؤمن الله الآب بحريّتنا التي إنْ عُجِنَت بشخص يسوع وحريّته، ستكونُ لنا سبيلا ودليلا وبوصلةً للإتّجاه الحقيقيّ. لأنّ حريّة يسوع وحقه هما: بشرى سارة خلاصيّة.

المراجع: محاضرات للأخوة الواعظين – الدومنيكان، المطران يوسف توما مرقس

About عدي توما

1

Share this Entry

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير