"عندما حدث جوع عظيم في الارض كلها، أُرسل إيليا الى ارملة في صرفت صيدا"(لو4: 35-36)

عظة البطريرك في زيارة دير مار الياس الراس – جعيتا، السبت ١٤ يوليو ٢٠١٢

Print Friendly, PDF & Email
Share this Entry

بكركي، الاثنين ١٦ يوليو2012 (ZENIT.org). – الله بعنايته يسهر على مسيرة التاريخ والشعوب، لانه الاله الحق والسيّد المطلق، الذي في سبيله ومن اجل عبادته دون سواه وفي سبيل حقوق شعبه”قام ايليا كالنار وتوقّد كلامه كالمشعل” (ابن سيراخ) . ” وعندما أُغلقت السماء ثلاث سنوات وستة أشهر، وحدث جوع عظيم في الارض كلّها…أُرسل ايليا الى أرملة في صرفت صيدا”.اليوم في الارض جوع عظيم مادي وروحي ومعنوي واخلاقي.والله يرسل كنيسته بكل ابنائها وبناتها ومؤسساتها، ومن بينهم الرهبان والراهبات، من اجل اكمال رسالة ايليا النبي.

      2.يسعدنا ان نحتفل مع الرهبانية اللبنانية المارونية الجليلة، الرجالية والنسائية، ومع جمهور راهبات دير مار الياس الراس اللبنانيات المارونيات بمرور ثلاثماية سنة على تجديد الكنيسة، ومايتين وخمس وسبعين سنة على تأسيس الدير، الذي أُنشأ غداة انعقاد المجمع اللبناني في دير سيدة اللويزة سنة1736.اننا نهنئ حضرة الرئيسة العامة للراهبات اللبنانيات المارونيات، الام لور رزق، والمدبّرات العامات، وحضرة رئيسة الدير وجمهوره وسائر الراهبات، ونهنئ في الوقت عينه قدس الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الجليلة، الاباتي طنّوس نعمه، والآباء المدبّرين، والرهبانية جمعاء في هاتين المناسبتين.هذه التهنئة نقدّمها لسيادة اخينا المطران غي بولس نجيم نائبنا البطريركي في هذه المنطقة، السهران على الدير وتراثه، والزائر الرسولي على الراهبات اللبنانيات المارونيات.ان بين الراهبات اللبنانيات المارونيات والرهبان  اللبنانيين الموارنة رباط قانوني كامل الوجوه استمر منذ التأسيس، واصبح رباطاً روحياً منذ سنة1984حين قرر الكرسي الرسولي انشاء رئاسة عامة ومجلس مدبّرات، على ان تستند حياة الراهبات على الحياة الديرية الجماعية المشتركة، مع مواصلة اعتبار كل دير من اديار الراهبات ديراً مستقلاً ذا جمهور ثابت، وتعود السلطة الرهبانية العليا فيه الى المجمع العام الذي ينتخب رئيسة عامة ومجلس مدبّرات.وفي هذه المناسبة، نؤكد للراهبات اللبنانيات المارونيات بركتنا وصلاتنا، ونواكب بهما الاعداد للمجمع العام في شهر آب المقبل، والتئامه، راجين له النجاح الكامل، لمجد الله وخير الرهبانية وتقديس اعضائها.

       3. ان الاحتفال بالذبيحة الالهية في هاتين المناسبتين، انما هي ذبيحة شكر لله وعنايته التي رافقت هذا الدير وجماهير الراهبات المتعاقبة التي ارتكزت حياتهن على الزهد والصلاة والعمل اليدوي وشهادة الحياة وفقاً للتقليد الرهباني الماروني الانطاكي السرياني؛ وهي ذبيحة استغفار عن كل نقص وخطأ وقلّة امانة نستدّه من رحمة الله الواسعة؛ وهي ايضاً ذبيحة تجدد وانطلاقمن جديد، من المسيح الالف والياء، على هدي انوار الروح القدس، الذي يُبقي شعلة حب الله والكنيسة متّقدة في القلوب.

       4. لقد ذكّرنا المجمع البطريركي الماروني الاخير المنعقد ما بين 2003 و 2006 ان التراث الرهباني الماروني السرياني الانطاكي اتّصف اولاً بالتجذّر الانجيلي المتمحور حول التأمل بكلمة الله في الكتب المقدسة، مقروناً بالصلاة والتعبّد والتقشّف.هذه كلّها شكّلت منبع حياة الرهبان والراهبات، فاستندوا واستندن اليها في تلبية الدعوة الشخصية الى اتباع المسيح المطيع والبتول والفقير، والتتلمذ له والسعي الى الاقتداء به، مشركين آلامهم بآلامه، وضاميّن قرابين حياتهم وحياتهن الى قربان ذبيحته لفداء العالم وخلاصه.وهكذا راحت حياة الرهبان والراهبات تنغرس عميقاً في مثل المسيح الرب وتعليمه، وأضحت حياتهم زينة الكنيسة ومجدها وفيضاً للنعم السماوية على ارضنا.

      هذه هي اختكن، ايتها الراهبات اللبنانيات، القديسة رفقا رسولة الكلمة والألم والصلاة.

       وها هم اخوتكم، ايها الرهبان اللبنانيون، القديس شربل حافظ التقليد النسكي الكامل، ونحن في ليلة عيده والجماهير تتقاطر الى ضريحه ومحبسته في عنايا، والقديس نعمةالله معلّم الكلمة اللاهوتية المعاشة، والطوباوي الاخ اسطفان المتقدّس بالعمل اليدوي في الحقل والدير. هذه وهؤلاء، وسواهم من الذين واللواتي لم يُرفعوا على المذابح، كلهم عاشوا تقليدنا الرهباني السرياني الانطاكي كدعوة خاصة للاقتداء بيسوع المسيح الذي عاش ومات وقام من أجل خلاص الجنس البشري. فاعتبرت روحانيتنا الرهبانية السريانية ان وحيد الآب، يسوع المسيح، هو المتوحّد بامتياز، ويشكّل للمكرّسين والمكرّسات، المتوحّدين في الاساس،”الوحيد”بلا منازع، كنهج حياة، فيتّحدون به ويقتدون بنهجه، ليصبحوا بدورهم متوحّدين ومتوحّدات، اصحاب قلب متوحّد غير منقسم، عاشقين الجمال الالهي، صابرين على صعوبات الحياة، وصامدين بنذورهم وفضائلهم الانجيلية بوجه شهوات العالم الثلاث:شهوة العين بفضيلة الفقر، وشهوة الجسد بفضيلة الطهارة، وكبرياء الحياة بفضيلة الطاعة. (راجع النص المجمعي الثامن:الحياة الرهبانية في الكنيسة المارونية، عدد23-25).       

      5.فكم عالمنا المنغمس في النزعة الاستهلاكية والجشع والطمع والسعي المطلق الى المادّيات، بحاجة الى روحانية التجرّد والقناعة.وانسان اليوم المنطبع بالنزعة الى الانانية والمتعة والانغماس في التراب، والمستعبَد لنزوة الشهوات، كم يحتاج الارتفاع الى قمم الروح وقدسية الحب واستنشاق عبير الطهر!وما القول عن ا
لانسان المتفلّت في مجتمعاتنا من اي قيد، المتناسي مطلقية سيادة الله ووصاياه لحياة البشر، والساعي الى استقلالية قراره الشخصي وفرض ارادته ورأيه ونظرته مهما كان الثمن؟ كم هو بحاجة الى فضيلة حرية أبناء  الله، وليدة الطاعة العميقة، التي هي أكبر فعل ارادة حرّ، لله وللسلطة في الكنيسة والعائلة والمجتمع.

    6. ويذكّرنا المجمع البطريركي الماروني بصفة ثانية اساسية تميّز تراثنا الرهباني السرياني الانطاكي هي التجسّد والتجذّر في الارض وقوامهما اثنان:الصلاة والعمل(المرجع نفسه، عدد 28-29).

       في اديارنا، ولاسيما في ادياركنّ، ايتها الراهبات اللبنانيات المارونيات، ترتفع الصلاة الخورسية، صباحاً وظهراً ومساءً، مع الاحتفال اليومي بالليتورجية الالهية، الذي يعكس ليتورجيا السماء حول الحمل المذبوح، الجارية منه ينابيع اسرار الخلاص السبعة. وتتواصل الصلاة بالعمل اليدوي في الارض، زراعة وبناء وإنماء. فتعلّم رهباننا وراهباتنا من الارض حبّ العطاء والصلابة والصبر والشفافية والقناعة، وزرعوها في النفوس بشهادة حياتهم وارشاداتهم وكرازتهم؛ وتتواصل الصلاة بالعمل الثقافي الذي جعله المجمع اللبناني الزامياً للصبيان والبنات.فأطلق الرهبان والراهبات ثقافة عربية وسريانية، ونسخوا المخطوطات، وأمّنوا التعليم للاولاد ، وربّوا الاجيال ومارسوا المهن، واسسوا المدارس والكليات الجامعية.والشاهد على ذلك اول مطبعة في بلاد الشرق في دير مار انطونيوس قزحيا سنة1585.وها هم اليوم في مسيرة متطورة ومتنوّعة، في حقل التعليم والتربية والثقافة، مع انخراط واسع في رسالة الكنيسة، وفي اساسها مثالية الحياة الجماعية بروح الشركة والمحبة، وحسن الضيافة، والنشاطات الاجتماعية.

       7. ان دير مار الياس الراس ، الساجد والشاهد على هذه التلة المطلّة، كما سائر ادياركن، علامة ناطقة للتراث الرهباني الماروني السرياني الانطاكي، ولروحانية الكنيسة المارونية، الحاملة ميزة التجسّد والتجذّر في الارض من انطاكية حيث”سُمّيَ تلاميذ يسوع لاول مرة مسيحيين”، وحيث ارسى بطرس الرسول ومعه بولس وبرنابا الكنيسة الاولى بعد اورشليم أم الكنائس، ثم وطّد كرسيّه في روما المدينة الوثنية اصلاً، ومن حيث انطلقت الكنيسة نحو جميع الشعوب.فليتذكّر الموارنة خاصة والمسيحيون عامة ان تجذّرهم في لبنان وبلدان الشرق الاوسط منذ الفَي سنة، هو اساس رسالتهم الشاهد لإنجيل المسيح وثقافته، ثقافة الشركة والمحبة بالانفتاح على جميع الاديان والثقافات والتعاون والعيش معاً، وبالاغتناء المتبادل، من اجل اغناء مجتمعاتهم التي تجسّدنا عليها وفيها.اننا نتطلع مع كل المسيحيين في بلداننا، التي تعيش آلام المخاض من أجل ربيع عربي، الى احياء ربيع مسيحي يكون الضامن لقيام ربيع عربي منشود.

      اننا نستشفع القديس شربل، في ليلة عيده، الذي عاش ملء التجسّد حتى تماهى كلياً مع المسيح في ذبيحة الفداء، والتزم التجذّر في الارض التي سقاها من عرق جبينه في عنايا وأخصبها بعمل يديه وقدّسها بصلاته، ان يفيض على مسيحيي لبنان والشرق الاوسط، من جودة الله نِعم السماء، لكي يحققوا تجسّدهم في ارض هذا الشرق، ويفعلوا فيها فعل الخميرة في العجين، والملح في الطعام، والنور في الظلمة (راجع متى5: 13-15).

       8. في ضوء انجيل اليوم، ندرك ان في مجتمعاتنا جوع عظيم على كل من المستوى المادي والاقتصادي، وبخاصة على مستوى معرفة الله بالايمان والثقافة الدينية، ومستوى التربية على الاخلاق والقيم الانسانية والاجتماعية، ومستوى العمل السياسي من أجل الخير العام والعدالة والمساواة والسلم الاهلي وحقوق الانسان الاساسية. في الايام الغابرة ارسل الله ايلياالنبي، فلبّى الدعوة بغيرة مميزة جعلته يقول عن نفسه: “غرت غيرة للرّب”.ولذلك قاده الروح من مكان الى مكان، وقواّه في مواجهة ظلم الملك آحاب وزوجته ايزابيل، وفي الدفاع عن العدالة وحقّ نابوت اليزراعيلي في المحافظة على ارض آبائه واجداده. وكان الرب يقيته في برّية العالم بخبز وماء بواسطة غراب(سفر الملوك الثالث). وفي هذه الايام يرسلنا الله، نحن رعاة الكنيسة ورهبانها وراهباتها وكل ذوي الارادة الصالحة، لمواصلة رسالة ايليا وسدّ انواع الجوع التي يعيشها ابناء وطننا وشرقنا.فعندها نستحق ان نرفع من عمق القلب صلاة التسبيح والشكر للآب والابن والروح القدس، من الآن والى الابد

Print Friendly, PDF & Email
Share this Entry

ZENIT Staff

فريق القسم العربي في وكالة زينيت العالمية يعمل في مناطق مختلفة من العالم لكي يوصل لكم صوت الكنيسة ووقع صدى الإنجيل الحي.

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير