إعلان الإنجيل يدفعنا إلى العمل كصانعي سلامٍ لا يعرفون التعب

كلمة قداسة البابا

بمناسبة لقاء التّأمّل والرّوحانيّة حول “المتوسّط حدود السلام”

Share this Entry

أيّها الإخوة الأعزّاء،

يسعدني أن ألتقيَكم اليوم، وإني أشكر كلّ واحد منكم لقبوله دعوة مجلس الأساقفة الإيطالي للمشاركة في هذا اللقاء الذي يجمع بين كنائس البحر الأبيض المتوسّط. عندما رأيت هذه الكنيسة اليوم [كنيسة القدّيس نقولا]، تذكّرت اللقاء الآخر، الذي عقدناه مع رؤساء الكنائس المسيحية -الأرثوذكسية والكاثوليكية- هنا في بمدينة باري. إنها المرّة الثانية خلال بضعة أشهر، التي نجتمع فيها من أجل الوحدة: كانت المرّة الأولى التي اجتمعنا فيها هنا كلُّنا معًا، بعد الانشقاق الكبير؛ وهذه المرّة هي الأولى لجميع الأساقفة الذين يجاورون البحر الأبيض المتوسّط. أعتقد أننا نستطيع أن نسميّ باري عاصمة الوحدة، وحدة الكنيسة – إذا سمح لنا بذلك المونسنيور كاكوتشي! شكرًا لضيافتكم، صاحب النيافة، شكرًا.

عندما عرض عليَّ الكاردينال باسّيتي هذه المبادرة، قبلتُها على الفور بفرح، ورأيت فيها إمكانية البدء في عمليةِ استماعٍ ومقابلة، يمكن أن تساهم في بناء السلام في هذه المنطقة المهمّة من العالم. ولهذا السبب، أردت أن أكون حاضرًا وأن أشهد لقيمة هذا النموذج الجديد للأخوّة والروح الجماعيّة التي تظهرونها. لقد أعجبتني الكلمة التي أضفتموها إلى الحوار: التعايش.

أجد أن اختيار مدينة باري لعقد هذا الاجتماع له دلالة كبيرة، بسبب العلاقات التي تربطها بالشرق الأوسط وبالقارة الأفريقية أيضًا. إنها علامة بليغة على مدى عمق العلاقات بين الشعوب والتقاليد المختلفة. علاوة على ذلك، إن أبرشية باري حافظت دائمًا حيًّا الحوار المسكوني وحوار الأديان، وما زالت تعمل بلا كلل على إقامة روابط الاحترام المتبادل والأخوّة. ليس من قبيل المصادفة أنّي اخترت قبل عام ونصف –كما قلت، أن ألتقي هنا قادة الجماعات المسيحيّة في الشرق الأوسط، لنقضي معًا فترة من اللقاء والشركة تتيح للكنائس الشقيقة أن تحقق السير معًا وأن تشعر بالقرب في ما بينها.

في إطار هذا السياق نفسه، اجتمعتم للتفكير في رسالة البحر الأبيض المتوسّط ومصيره، وفي المناداة بالإيمان فيه وتعزيز السلام. “بحرُنا” (Mare nostrum) هو المكان المادّي والروحي حيث تكوّنت حضارتنا، كنتيجةٍ للقاءِ شعوبٍ مختلفة. وبحكم هذا التكوُّن المشترك، يفرِضُ هذا البحرُ على الشعوبَ والثقافات التي تحيط به أن يكونوا دائمًا قريبين بعضهم من بعض، ويدعوهم إلى أن يتَذكَّروا ما يجمعهم، وأنه فقط من خلال العيش في وئام يمكنهم استغلال الفرص التي تقدّمها هذه المنطقة من حيث المواردُ، وجمالُ الأرض، والتقاليدُ الإنسانيةُ المختلفة.

لم تقِلّ أهمّية هذه المنطقة في يومنا هذا، نتيجة للقوى المتفاعلة التي ولّدتها العولمة؛ لا بل إن العولمة قد أكّدت على دور البحر الأبيض المتوسّط، باعتباره مفترق طرق للمصالح والأحداث الهامّة على الصعيد الاجتماعي والسياسي والديني والاقتصادي. ويظلّ البحر الأبيض المتوسّط منطقة استراتيجيّة، ينعكسُ توازُنُها على سائر أنحاء العالم.

يمكننا القول إن تأثيره يتناسب عكسيًّا مع حجمه، فهو يحملنا على مقارنته، ليس بالمحيط، بل بالبحيرة، كما سبق وفعل جورجيو لابيرا. فقد سمّاه “بحيرة طبريا الكبرى”، مقترحًا عبر هذا الاسم تشبيهًا بين زمن يسوع المسيح وزمننا، وبين البيئة التي عاش فيها يسوع المسيح والبيئة التي تعيش فيها الشعوب التي تسكنها اليوم. وكما عمل يسوع في سياق متنوّع من الثقافات والمعتقدات، كذلك نحن اليوم نعيش في إطار متعدّدِ الأوجه والأشكال، تمزّقه الانقسامات وعدم المساواة التي تزيد عدم الاستقرار فيه. هنا اليوم محور الانقسامات العميقة، والنزاعات الاقتصادية والدينية والطائفية والسياسية: ونحن مدعوون إلى أن نشهد للوحدة والسلام. ونشهد انطلاقًا من إيماننا ومن انتمائنا إلى الكنيسة، فنسأل أنفسنا، كتلاميذ ليسوع المسيح، ما هي مساهمتنا وماذا يمكن أن نقدّم لجميع الرجال والنساء في منطقة البحر الأبيض المتوسّط.

تسليم الإيمان لا يمكن إلّا أن يستفيد من التراث المتراكم في هذا البحر. وهو تراث نحفظه الجماعات المسيحية، وهو تراث حي بالتعليم المسيحيّ والاحتفال بالأسرار المقدّسة، وتنشئة الضمائر والاصغاء الشخصيّ والجماعيّ إلى كلمة الربّ. وتجد الخبرة المسيحيّة تعبيرًا بليغًا لها في التقوى الشعبية، لا يمكن التخلّي عنه: فالتقوى الشعبية هي في أعمق معناها تعبيرٌ بسيط وأصيل عن الإيمان. وفي هذا الموضوع، أحبّ أن أذكر وأكرر دائمًا تلك “الجوهرة” التي هي الفقرة 48 من الإرشاد الرسولي إعلان الإنجيل (Evangelii nuntiandi) حول التقوى الشعبية، حيث بدّل القدّيس بولس السادس كلمة “التديّن” بكلمة “التقوى”، وحيث بيَّن غناها وما ينقصها. يجب أن تكون هذه الفقرة دليلًا في إعلاننا للإنجيل بين الشعوب.

يشكّل العنصر الفنّي أيضًا، في هذه المنطقة، وديعةً ذات إمكانات هائلة تجمع بين مضمون الإيمان وغنى الثقافات وجمال الأعمال الفنّية. إنه تراث يجذب باستمرار ملايين الزوّار من جميع أنحاء العالم، يجب الحفاظ عليه بعناية، كميراث ثمين وكأنه “مُعارٌ” لنا، ووديعة يجب أن نسلمها للأجيال القادمة.

إن إعلان الإنجيل، على هذه الخلفية، لا يمكن أن ينفصل عن الالتزام بالصالح العام، بل يدفعنا إلى العمل كصانعي سلامٍ لا يعرفون التعب. تهدّدُ اليوم منطقةَ البحر الأبيض المتوسّط العديدُ من حالات عدم الاستقرار والحروب، سواء في الشرق الأوسّط أم في مختلف دول شمال إفريقيا، وكذلك بين الجماعات العرقية المختلفة أو الجماعات الدينية والطائفية؛ ولا يمكننا أن ننسى الصراع الذي ما زال قائمًا بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين، وخطر اقتراح حلول غير عادلة، تحمل في طيّاتها بالتالي أزمات جديدة.

إن الحرب، التي توجّه المواردَ لشراء الأسلحة والمجهود العسكري، وتحوّلها عن الوظائف الحيوية للمجتمع التي هي دعم الأسرة والصحّة والتعليم، “تُناقِض العقل” (را. الرسالة العامة Pacem in Terris ، ص. 62 في النسخة الإيطالية). بعبارة أخرى، إنها جنون، لأنه من الجنون تدمير المنازل والجسور والمصانع والمستشفيات وقتل الناس وتدمير الموارد بدلًا من بناء علاقات إنسانية واقتصادية. إنه جنون لا يمكننا الاستسلام له: لا يمكن أبدًا أن نعتبر الحرب أمرًا طبيعيًّا أو أن نقبلها كوسيلة ضرورية لضبط الاختلافات والمصالح المتعارضة. أبدًا.

الهدف النهائي لكلّ مجتمع بشريّ هو السلام، ويمكن أن نكرر ونؤكد أنه “لا يوجد بديل للسلام، بالنسبة لأيٍّ كان”[1]. لا يوجد بديل معقول للسلام، لأن الحرب تدمر المستقبل ليس فقط للآخر بل للذات. كل مشروع استغلال وسيادة مستبدة يشوّه سواء الظالم أو المظلوم، وهو دليل فهمٍ محدود للواقع، لأن المستبد لا يحرم الآخر فحسب، بل يحرم نفسه أيضًا من المستقبل. فالحرب هي فشلٌ لكلّ مشروع إنسانيّ وإلهيّ: يكفي أن نزور مواقع طبيعيّة أو مدينةً كانت مسرحًا للصراع، كي ندرك كيف تتحوّل الحديقة، بسبب الكراهية، إلى أرضٍ مهجورة وغير مضيافة، وتتحوّل الجنّة الأرضيّة إلى جحيم. وأودّ أن أضيف إلى هذا، خطيئة الرياء الخطيرة، عندما تتحدّث العديدُ من الدول عن السلام في المؤتمرات الدولية، أو في الاجتماعات، ثم تبيع الأسلحة لدول تخوض الحرب. هذا هو النفاق الأكبر.

العدالة هي الشرط الأساسيّ المسبق من أجل بناء السلام الذي يجب على الكنيسة وكلّ مؤسّسة مدنية أن تعتبره دائمًا كأولوية. تداس العدالة حيث يتمّ تجاهل احتياجات الناس وحيث تتغلّب المصالح الاقتصاديّة الجزئية على حقوق الأفراد والجماعات. ويحول دون العدالة أيضًا ثقافةُ الإقصاء، التي تتعامل مع الأشخاص كما لو كانوا أشياء، والتي تولّد عدم المساواة وتزيدها. بحيث أنه، وبشكل فاضح، على شواطئ البحر نفسه، تعيش مجتمعات بعضها في الوفرة وغيرها يناضل من أجل البقاء.

وما يساهم بشكل حاسم في مواجهة هذه الثقافة إنما هي أعمال المحبة التي لا تحصى، والمؤسسات التربوية والتنشئة في الجماعات المسيحية. وفي كلّ مرّة تعمل فيها الأبرشيات أو الرعايا أو الجمعيّات أو المتطوّعون –التطوّع هو من أكبر كنوز الأعمال الراعوية الإيطالية- أو الأفراد لدعم المتروكين أو المحتاجين، يكتسب الإنجيل قوة جاذبة جديدة.

في السعي لتحقيق الصالح العام -وهو اسم آخر للسلام- يجب تبني المعيار الذي حدّده لابيرا نفسه: يجب أن نسترشد “بتطلّعات الفقراء”[2]. هذا المبدأ، الذي لا يمكن تحديده على أساس الحسابات أو منطق ما يناسب وما لا يناسب، إذا أُخِذَ على محمل الجدّ، يسمح بتغييرٍ أنثروبولوجيّ جذري يجعل الجميع أكثر إنسانية.

ماذا يفيد مجتمعًا أن يحقّق دائمًا نتائج تكنولوجيّة جديدة، لكنه يصبح أقلّ تضامنًا مع المحتاجين؟ مع إعلان الإنجيل، إننا ننادي بدلًا من ذلك بالمنطقَ القائل: لا يوجد أخيرون. ونعمل بكدّ كي تكون الكنيسة، بل الكنائس، من خلال مزيد من الالتزام، علامةً على الاهتمام المتميّز للصغار والفقراء، لأن “الأَعضاءَ الَّتي تُحسَبُ أَضعَفَ الأَعضاء في الجَسَد هي أَشدُّها ضَرورة” (1 قور 12، 22)، و “إِذا تَأَلَّمَ عُضوٌ تَأَلَّمَت مَعَه سائِرُ الأَعضاء” (1 قور 12، 26).

من بين الذين يكافحون في منطقة البحر الأبيض المتوسّط، هناك الذين يفرّون من الحرب أو يتركون أرضهم بحثًا عن حياة تليق بالإنسان. وقد ازداد عدد هؤلاء الإخوة -الذين أُجبِروا على التخلّي عن الأهل والوطن ويعرّضون أنفسهم لظروفٍ خطيرة للغاية- بسبب تصاعد النزاعات وسوء الظروف المناخيّة والبيئيّة المأساوية في مناطقٍ تزداد مساحاتها في كل يوم. من السهل أن نتوقّع بأن تبقى هذه الصراعات في ازدياد في منطقة البحر الأبيض المتوسّط، ولذا لا يجوز للدول وللجماعات الدينية نفسها أن تبقى غير مستعدّة لها. تطال هذه الظاهرة البلدان التي تعبرها موجات الهجرة، وتلك التي تنتهي إليها هذه الموجات، ولكنها تهم أيضا الحكومات والكنائس في الدول التي ينطلق منها المهاجرون، إذ ترى مع رحيل العديد من الشباب أنها فقدت مستقبلها.

نعلم أن شعورًا من اللامبالاة وحتى من الرفض قد انتشر في مجتمعات مختلفة، ويذكّرنا بموقفٍ وَرَدَ في العديد من الأمثال الإنجيلية، موقف الذين ينغلقون في غناهم الشخصيّ واستقلالهم الذاتي، دون أن يروا الذي يطلب المساعدة، بكلامه أو بمحض عوزه. ويزداد شعور بالخوف، يؤدّي إلى اتّخاذ موقف الدفاع عن النفس إزاء ما يصُوِّره البعض، لهدفٍ ما، على أنه غزو. وخطاب صراع الحضارات، من جهة أخرى، لا يخدم إلّا تبرير العنف وتغذية الكراهية. عدم الكفاءة وضعف السياسة والعصبية الطائفية تسبب المواقف الراديكالية والإرهاب. والمجتمع الدولي اكتفى بالتدخّلات العسكرية، في حين أنه يجب عليه بناء مؤسّسات تضمن تكافؤ الفرص والأماكن التي تُتاح فيها للمواطنين تحمّل مسؤولية الصالح العام.

بدورنا، أيها الإخوة، نرفع صوتنا لنطلب من الحكومات حماية الأقلّيات والحرّية الدينية. فالاضطهاد الذي تقع ضحيّته المجتمعات المسيحيّة بشكل خاصّ -ولكن ليس فقط المجتمعات المسيحية- هو جرح يمزّق قلبنا ولا يمكننا البقاء غير مبالين.

في الوقت عينه، لا نقبل أبدًا أن يموت الذين يبحثون عن الرجاء عن طريق البحر، دون تلقّي المساعدة، أو أن يصبح الذين يأتون من بعيد ضحايا للاستغلال الجنسيّ، أو أن يتقاضوا أجورًا غير عادلة، أو مقيدين في خدمة العصابات (المافيات).

الضيافة والاندماج الذي يحافظ على كرامة الإنسان، بالطبع، هما مرحلتان في مسيرة صعبة؛ ولكن، من المستحيل التوجه إليهما ببناء الجدران. أشعر بالخوف عندما أستمع لبعض الخطب من بعض قادة الأشكال الجديدة من الشعوبية، تذكّرني بخطب زرعت الخوف ثم الكره في ثلاثينيات القرن الماضي. الضيافة والاندماج الذي يحافظ على كرامة الإنسان، من المستحيل أن يتم، كما قلت، ببناء الجدران. بهذه الطريقة، نمنع أنفسنا من اكتشاف الغنى الذي يحمله الآخر والذي يشكّل دائمًا فرصة للنموّ. عندما نرفض الرغبة في الشركة مع الآخر، وهي مغروسة في قلب الإنسان وفي تاريخ الشعوب، نحن نناقض ونقف في وجه توحيد الأسرة البشرية، التي أخذت تشقّ طريقها وسط ألف صعوبة. أرسل لي فنّان من تورينو في الأسبوع الماضي، صورة مصنوعة بتقنية الخشب المحروق، عن حدث “الهرب إلى مصر”، وفيها القدّيس يوسف، ليس هادئًا كما اعتدنا رؤيته في الصور، لكن موقفه يشبه موقف اللاجئ السوري، مع الطفل على كتفيه: يظهر عليه الألم، ولا يخفي تعب الطفل يسوع عندما اضطر إلى الهرب إلى مصر. هذا الأمر عينه يحدث اليوم.

يتميّز البحر الأبيض المتوسّط ​​برسالة خاصّة بهذا المعنى: إنه البحر الذي يخلط الأعراق، “منفتح ثقافيًا دائمًا على اللقاء والحوار والتبادل الثقافي”[3]. نقاوة الأعراق لا مستقبل لها، وفي مزيج الأعراق رسالة تقول لنا الشيء الكثير. وبالتالي، مجاورة البحر الأبيض المتوسط تمثّل إمكانات فوق العادية: لا نسمحنّ بالتالي بأن تنتشر، بسبب روح مغالية في القومية، القناعةُ المعاكسة، أيّ أن الدول التي يصعب الوصول إليها أو المعزولة جغرافيا هي دول محظوظة. الحوار وحده يتيح لنا أن نلتقي، وأن نتغلّب على الأحكام المسبقة والصور النمطيّة، وأن نروي قصتنا ونعرف أنفسنا بشكل أفضل. الحوار والكلمة التي سمعتها اليوم: التعايش.

هناك فرصة خاصّة، بهذا المعنى، تتمثّل في الأجيال الجديدة، عندما يُضمَن لهم بلوغ الموارد، وتُؤمَّن لهم ظروفٌ تجعلهم صُنَّاع حياتهم: فتظهر الحيوية فيهم وأنهم قادرون على توليد المستقبل والرجاء. ولا يمكن تحقيق هذه النتيجة إلّا في حالة وجود قبول لهم لا سطحيّ، بل جدِّي وبنية طيبة، يقدمه لهم الجميع وعلى جميع الأصعدة، وعلى المستوى اليوميّ في العلاقات بين الأفراد كما وعلى المستوى السياسيّ والمؤسّساتي، ويدعم ذلك القبول صانعو الثقافة وأصحاب المسؤوليّات العليا تجاه الرأي العام.

للذين يؤمنون بالإنجيل، قيمة الحوار ليست فقط أنثروبولوجية (علم الانسان)، بل له قيمة لاهوتية. فالاستماع إلى الأخ ليس مجرّد عمل محبة، ولكنه أيضًا وسيلة للإصغاء إلى روح الله، الذي يعمل بالتأكيد أيضًا في الآخر ويتحدّث أبعد من الحدود التي غالبًا ما نميل إلى حصر الحقيقة فيها. ونعلم أيضًا قيمة الضيافة: “فإِنَّها جَعَلَت بَعضَهم يُضيفونَ المَلائِكَةَ وهُم لا يَدْرون” (عب 13، 1).

لا بدّ من وضع لاهوت للقبول والحوار، يعيد تفسير وتدريس الكتاب المقدّس. لا يمكن وضعه إلّا إذا بذلنا كلّ جهد ممكن لنخطو نحن الخطوة الأولى ولم نستبعد بذور الحقيقة التي ائتُمِن عليها الآخرون أيضًا. وبهذه الطريقة، باستطاعة المقارنة بين محتويات الديانات المختلفة بأن تتطرّق ليس فقط إلى الحقائق التي يرتكز عليها الإيمان، بل إلى موضوعات محدّدة، تصبح هي النقاط التي بها توصف العقيدة بأكملها.

غالبًا ما شهد التاريخ مخاصمات وصراعات، قامت على القناعة الخاطئة بأننا ندافع عن الله إذ نتصدّى للذين لا يشاركوننا إيماننا. وفي الواقع، التطرّف والأصوليات ينفيان كرامة الإنسان وحرّيته الدينية، ويتسبّبان في التدهور الأخلاقي، ويعزّزان مفهومًا عدائيًّا للعلاقات الإنسانية. ولهذا السبب أيضًا، هناك حاجة ماسّة إلى مواجهةٍ أكثر حيويّة بين مختلف الأديان، تقوم على الاحترامٌ الصادق والرغبة في السلام.

ينبثق هذا اللقاء من الإدراك، الذي نصّت عليه وثيقة الأخوّة الإنسانية التي وُقّعَ عليها في أبو ظبي، بأن “التعاليمَ الصحيحةَ للأديانِ تَدعُو إلى التمسُّك بقِيَمِ السلام وإعلاءِ قِيَمِ التعارُّفِ المُتبادَلِ والأُخُوَّةِ الإنسانيَّةِ والعَيْشِ المشترَكِ”. يمكن بالتالي تحقيق تعاونٍ ناشط بين الجماعات الدينيّة ومختلف الجماعات، أيضًا حول مساندة الفقراء واستضافة المهاجرين، على أن تكون الأهداف المشتركة هي روح اللقاء، وعلى أن يرافق اللقاء التزام عملي. فالذين يضعون أياديهم في الوحل لبناء السلام وممارسة الضيافة، لن يستطيعوا محاربة بعضهم البعض بسبب الإيمان، بل سيسيرون ويتقابلون باحترام وتضامن متبادل وسيبحثون عن الوحدة. شعرت بعكس ذلك عندما ذهبت إلى لامبيدوسا، شعرت بجوّ من اللامبالاة: في الجزيرة كان ترحيب، ولكن بعد ذلك في العالم الثقافة هي ثقافة اللامبالاة.

هذه هي أمانيَّ التي أودّ أن أطلعكم عليها، إخوتي الأعزّاء، في ختام هذا اللقاء المثمر والمعزّي في هذه الأيام. أعهد بكم إلى شفاعة بولس الرسول، الذي كان الأوّل في عبور البحر الأبيض المتوسّط، مواجهًا الأخطار والشدائد من جميع الأنواع كي يحمل إنجيل يسوع المسيح إلى الجميع: ليكن مثاله دليلًا لكم على الطرق التي من خلالها ستواصلون التزامكم الذي يغمركم فرحًا ويحرِّركم، حين تنادون بالإيمان في عصرنا.

واترك لكم، بمثابة وصية، كلمات النبيّ أشعيا، لتملأكم بالرجاء وتمنحكم القوّة لكم ولجماعاتكم. إزاء خراب القدس في أعقاب المنفى، لم يتوقّف النبي عن رؤية مستقبلِ سلام وازدهار: “يبْنونَ أَخرِبَةَ الماضي ويُشَيِّدونَ مُدَمَّراتِ قَديمِ الأَيَّام وُيجَدِّدونَ المُدُنَ المـُخَرَّبة ومُدَمَّراتِ جيلٍ فجيل” (أش 61، 4). هذا هو العمل الذي يكلفكم به الربّ في هذه المنطقة العزيزة، منطقة البحر الأبيض المتوسط: إعادة بناء الروابط التي تفكّكت، وإنشاء المدن التي دمّرها العنف، وإقامة حديقة مزهرة حيث توجد أراض قاحلة اليوم، وإعادة الرجاء في مَن فقده، وحثّ المنغلقين على أنفسهم على عدم الخوف من إخوتهم. وأن تروا هذا: ما قد أصبح اليوم مقبرة، اجعلوه مكان قيامة في المستقبل للمنطقة بأسرها. ليرافق الربّ خطواتكم ويبارك عملكم، عمل المصالحة والسلام. شكرًا.

***********

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2020



[1] اختتام الحوار مع رؤساء الكنائس والجماعات المسيحية في الشرق الأوسط، باري، 7 يوليو/تموز 2018.

[2] جورجيو لابيرا، “Le attese della povera gente”، في Cronache sociali، 1 / 1950.

[3] نفس المرجع.

 

 


© Copyright – Libreria Editrice Vaticana

Share this Entry

ندى بطرس

مترجمة في القسم العربي في وكالة زينيت، حائزة على شهادة في اللغات، وماجستير في الترجمة من جامعة الروح القدس، الكسليك. مترجمة محلّفة

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير