Pixabay CC0

الجانب المظلم لتأمّل الوعي الكامل

تسلّل العصر الجديد في الكنيسة – الجزء الثالث والستّون

Share this Entry

“إسمع يا شعبي فأحذّركَ. يا إسرائيل، إنْ سمعتَ لي” (مز81/ 8)

تكلّمنا في المقالة السابقة عن دراسات علمية عديدة ومنها دراسة علمية دولية صدرت سنة 2017 ، بإدارة عالم النفس العيادي والباحث في العلوم النفسية، “نيكولا فان دام”Nicholas Van Dam  من جامعة ملبورن في أستراليا. هذه الدراسة تعيد النظر في مجموعة الدراسات العلمية التي صدرت في العشرين سنة الأخيرة حول “تأمّل الوعي الكامل” وتنتقد عدم جديّتها باعتراف “جون -كابات زين” نفسه، مؤسّس هذه التقنية. من أهمّ الإنتقادات: غياب البراهين الأكيدة على فعالية التقنية، غياب النقد الموضوعي، طغيان المنحى التجاري الإستغلالي، …

وقد استندنا إلى مقالةٍ على موقع CCMM- Centre Roger Ikor ( centre contre les Manipulations Mentales)”مركز التصدّي للتلاعب الفكري”، وهي جمعية غير حكومية لمحاربة الإنتهاكات البدعوية ومساعدة عائلات الضحايا،  بعنوان: ” الدلائل على فوائد تأمّل الوعي الكامل غير كافية”[1]

Les Preuves des Bienfaits de la Pleine Conscience jugees Insuffisantes

نقرأ في هذه المقالة إنّ هدف “تأمّل الوعي الكامل” الوحيد، على المدى الطويل، هو تنمية اليقظة للحظة الحاضرة، مثلما ينمّي الرياضي عضلاته بالرياضة البدنية. إلا أنّ التقاليد البوذية تهدف إلى ما هو أبعد، أيّ إلى الوعي الروحي وتعرض من أجل ذلك مستويات أخرى من الممارسات المتقدّمة. نذكّر أنّ بوذا، عندما كان يتأمّل تحت الشجرة، توّصل إلى الوعي الكوني، وهو مرحلة أساسية من التنوّر والهدف الأسمى لكلّ عمل روحي. هذه الحالة من الحضور الآني التي يمدحها تسويق “تأمّل الوعي الكامل”، ليس لها مميّزات بيولوجية معيّنة بل لها علاقة بمستوى الوعي لدى كلّ شخص. إنه مستوى اليقظة العادي بعيدًا عن تشتّت الفكر. كلّ تقنيات التأمّل على تنوّعها وبواسطة طرقٍ مختلفة، تلفت إلى أهمية الإنتباه للحظة الحاضرة بعيدًا عن التشتّت الفكري. في هذا الإطار،لا يقدّم “تأمل الوعي الكامل” شيئا محدّداً جديدا”. هنا نطرح تساؤلاً كم من الوقت تبقى اليقظة مركزّة على اللحظة الحاضرة؟ الأمر بكل تأكيد له علاقة بالشخص نفسه، بالجهد وبالتقنية التي يمارسها. لدى المحاربين القدامى أو لدى ضحايا عمليات الإغتيال أو الإرهاب، الذين يعانون من إجهاد ما بعد الصدمة، يكون الإنتباه مركّزًا في أغلب الأحيان على الذكريات الأليمة ( تكون لوزات الدماغ قد سيطرت على قشرة الفصّ الجبهي)، لذلك يعاني هؤلاء الأشخاص من أجل عيش حياةٍ طبيعية في محيطهم العائلي والمهني. وقد تبيّن في دراسة مقارنة أنّ التأمّل التجاوزي هو أكثر فعالية بعشر مرات من “تأمل الوعي الكامل” من أجل تخفيض عوارض إجهاد ما بعد الصدمة. (ربما لأنّ في التأمّل التجاوزي يردّدون “المانترا”Mantra  التي يتمّ فيها استدعاء أرواح تساهم في العلاج وهذا يتنافى مع تعليم الكنيسة المقدّسة- بند 2117 من التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية).

خبرياتٌ طريفة!

وتشير المقالة المذكورة إلى السيدة ويلوغباي بريتون   Willoughby Brittonالبروفسور المساعد في العلاج النفسي والسلوكي في مركز فارن ألبرت الطبي في جامعة براون Warren Alpert Medical School of Brown University، التي ساهمت في دراسةٍ منشورة مؤخّرًا حول “تأمّل الوعي الكامل” خيّبت آمال الكثيرين لأنّها تؤكّد على الفوائد المبالغ فيها لهذا التأمّل. إنّ مروّجي هذه التقنية ليس لديهم الفطنة والحذر في معرض كلامهم. إكتملت هذه الدراسة بإشراف نيكولا فان دامNicholas Van Dam  وقد استنتجت أنّ البراهين العلمية هي تقريبًا غير موجودة في الدراسات التي نُشرت بين أعوام 2007 و2014. تقول الدراسة: “إنّ نتائج بعض الدراسات التي نُشرت حتى الآن على نطاقٍ واسع، تبدو في أفضل الأحوال خبريات طريفة!”

من جهته،”دافيد ماير” David E.Meyer بروفسور علم النفس في جامعة ميشيغين، الذي شارك أيضًا في الدراسة نفسها، يشرح أنّه أحيانًا تستغل الجهود المبذولة الحدْس الواعد بأيّ ثمن ومن دون أيّ دليل. وأشار إلى أنه بهدف تحسين نوعية الأبحاث المستقبلية حول “تأمّل الوعي الكامل”، سيقوم مركزٌ جديد للأبحاث في جامعة براون، بدراساتٍ جديّة حول تداعيات هذه التقنية في المستشفيات، المدارس والشركات التي تسعى إلى تبنيّها. وستكون بإشراف إريك لوكسEric Loucks البروفسور المساعد في مركز الصحّة العامة في جامعة براون.

في مقالةٍ أخرى نشرها موقع المعهد الملكي للمعالجين النفسيينBJPsych Bulletin [2] بعنوان : ” هل علم “تأمّل الوعي الكامل” فقد عقله؟” Has The Science of mindfulness lost its mind? نقرأ التالي: “لقد راجعنا مؤخّرًا بعض الدلائل على ما يسمّونه ” الجانب المظلم للتأمّل“، التي تتضمّن براهين عن مشاكل جسدية نفسية وعصبية لها علاقة بممارسة التأمّل[3]… وقد أفادت دراسة مقطعية حول آثار التأمّل المكثّف والطويل الأمد، أنّ أكثر من 60% من الأفراد يعانون من تأثير سلبي واحد على الأقل، من ازدياد القلق إلى الإكتئاب والذُهان الكامل. وقد أظهرت 12 دراسة نوعية حول “تأمّل الوعي الكامل” أنّه قد يزيد من وعي المشاعر الصعبة ويؤدّي إلى تفاقم المشاكل النفسية.[4] وتذكر الدراسة شهادة أحد الأشخاص بهذا الخصوص فتقول: “أفاد أحد الأفراد بأنّه واجه فجأةً بذكريات متعلّقة بصدمة منسية تعود إلى طفولته أثناء ممارسته لتأمّل الوعي الكامل فقال: “رأيتُ عمق الألم الذي وراء الأشياء التي حدثت لي والتي لم يتمّ التعامل معها بشكلٍ صحيح. قد يكون الأمر مخيفًا جدًا أن تعرف أنّ هناك شيئًا قويًا هناك”[5]

نشير في الختام إلى أنّ البروفسور ويلوغباي بريتون تتكلّم عن محاذير وأخطار عديدة لتقنية “تأمّل الوعي الكامل”[6] في مقالةٍ لها بعنوان: “هل يمكن أن يكون “تأمّل الوعي الكامل” أمرًا جيدًا جدًا”؟ نشر على موقع جامعة براون وBrown Universityكذلك على موقع Science direct[7]،  تقول أنّ الدراسات أكّدت أنّ ممارسي “تأمّل الوعي الكامل” هم أسوأ حالاً جسديًا ونفسيًا من حال غير الممارسين، بالإضافة إلى معاناتهم من مستويات عالية من الألم، أوجاع الرأس، الإجهاد، الإنهيار العصبي، القلق، الأرق، وأمراضٍ حادة أخرى.”

خلاصة

يتمّ الترويج بقوّة لتأمّل الوعي الكامل بما أنّه يدرّ على أصحابه أموالاً طائلة وله سوق تجارية  بمليارات الدولارات في كلّ اقطار العالم.  إنّ لتأمّل الوعي الكامل محاذير وأعراض سلبية على كلّ المستويات ولكنّ وسائل الإعلام تُخفي هذا الجانب المظلم فيه كما في تقنيات التأمّل المشابهة. وما يُنشر من دراسات علمية حول إيجابيات هذه التقنية يفتقد إلى جديّة ودقّة المنهجية العلمية.

يتبع

لمجد المسيح

[1] https://www.ccmm.asso.fr/preuves-bienfaits-de-pleine-conscience-jugees-insuffisantes/#

[2]https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5353526/#:~:text=Potentially%20adverse%20effects%20of%20mindfulness,-We%20have%20recently&text=A%20cross%2Dsectional%20study%20on,depression%20and%20full%2Dblown%20psychosis.

[3] Farias M, Wikholm C. The Buddha Pill: Can Meditation Change you? Watkins, 2015

[4] Shapiro D.Adverse Effects of meditation” a preliminary investigation of long-term meditators. Int J Psychosom 1992, 39: 62-7

[5] Lomas T, Cartwright T, Edginton T, Ridge D. A qualitative analysis of experiential challenges associated with meditation practice. Mindfulness 2015,6: 848-60

[6] https://brunonia.brown.edu/giving/article/britton-lindahl-meditation-research

[7] https://www.brown.edu/research/labs/britton/sites/britton-lab/files/images/Britton_2019_Can%20mindfulness%20be%20too%20much%20of%20a%20good%20thing.pdf

Share this Entry

جيزل فرح طربيه

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير