” نزلنا اربعين الى الماء ، سنذهب اربعين إلى السماء “
كان هؤلاء الابطال من الكبدوك قواداً في فرقة رومانية، تحت قيادة ليسياس الوثني . ولما اجتمع الجيش في سيبسطية بارمينيا لتقدمة الذبائح للاوثان ، امتنع هؤلاء الاربعون عن الاشتراك في تلك الذبائح. فاستدعاهم الوالي اغركولا وأخذ يحقق معهم فاعترفوا بانهم يؤمنون بالسيد المسيح . فأمرهم بان يقدموا السجود والذبائح للآلهة. فرفضوا معلينين ثانيةً وعلانيةً بأنهم يؤمنون بالمسيح . فقال لهم: ” ضحوا للآلهة فيُعظَّم شأنكم ، وإلاّ تجردون من مناطق جنديتكم “. فأجابوا : ” خير لنا ان نخسر مناطق جنديتنا ولا نخسر يسوع المسيح ربنا والهنا “.
فارسلهم إلى السجن ، فقضوا الليل بالصلاة ” أقيموا كل وقت أنواع الصلاة والدعاء في الروح … ليوهب لنا أن نتكلّم ونبلّغ بجرأة سر البشارة ” ( الرسالة إلى العبرانيين ٦ : ١٨ – ١٩ ) . فظهر لهم الرب بغتة يُشجعهم ويقويهم على الثبات حتى النهاية لنيل اكليل الشهادة ” والذي يثبت إلى النهاية فذاك الذي يَخلص ” ( متى ٢٤ : ١٣ )
وفي اليوم الثاني، اخذ الوالي يُهددّهم فلم ينل منهم مأرباً . فأمر بإعادتهم إلى السجن حيث كانوا .
وجاء قائدهم ليسياس يكلمهم ويسعى في إقناعهم بعيادة الألهة والسجود لها ، فلم ينجح . فهدّدهم بنزع ثيابهم وتعريتهم .
فأجابه احدهم ويدعى كتديوس : ” انتزع مناطقنا ، ولكنك لا تستطيع ان تزحزحنا عن محبة المسيح “. فتعصب وإغتاظ من كلامه ، وأمر على الفور بتعذيبهم ، فضربوهم بالحجارة على وجوههم ، فكانت الحجارة تعود إلى وجوه الراجمين .
فأمر الوالي بان يطرحوهم في بحيرة قد تجلد ماؤها . فبدأ الأربعون بطلاً يشجعون بعضهم بعضاً قائلين : ” نزلنا اربعين الى الماء ، سنذهب اربعين إلى السماء “. وكان لسان حالهم يقول : ” وستسلمون عندئذٍ إلى الضيق وتقتلون ، ويبغضكم جميع الوثنيين من أجل إسمي ” ( متى ٢٤ : ٩ ) ، متذكرين كلام يسوع القاتل : ” وما غلب هذا العالم هذه الغلبة هو إيماننا “
(رسالة يوحنا الاولى ٥ : ٤ )
غير انه، لشدة البرد فرغ صبر أحدهم ، فخرج من الماء ودخل حماماً ، فخارت قواه ومات . فحزن الشهداء لكنهم تشددوا بالصلاة والعون الإلهي. وبغتةً رأى أحد الحراس نوراً ساطعاً وإذا بملائكة يحملون اكاليل المجد ليضعوها على رؤوس التسعة والثلاثين شهيداً ، فدهش من هذا المشهد العجيب وحركت النعمة قلبه ، فصرخ برفاقه وأعلن إيمانه قاتلاً : انا مسيحي ! أنا مسيحي ” بالإيمان قوام الأمور التي تُرجى وبرهان الحقائق التي لا تُرى ” ( الرسالة إلى العبرانيين ١١ : ١ ) .
ورمى ذاته في الماء . فنال الإكليل الذي خسره ذاك الجبان المسكين . فاصبح الشهداء ، كما تمنَّوا ، اربعين شهيداً .
وكان ذلك في التاسع من شهر مارس / آذار سنة ٣٢٠ –
الكنيسة الأرمنية بشقيها الكاثوليكية والارثوذكسية ، تحتفل بذكرى إستشهادهم في يوم السبت من الاسبوع الرابع للصيام الأربعيني الكبير .
كنائسنا الشرقية والغربية ، تفاخر بهؤلاء الشهداء الأبطال ، أبطال الإيمان ، ” لأنهم تلقوا شهادة حسنة بفضل إيمانهم ” ( الرسالة إلى العبرانيين ١١ : ٣٩ ) وتقدّمهم خير مثال لأبنائها الروحيين ، ولا سيما للشبان اقتداءً لآثارهم في بطولة الايمان والمحبة والتضحية في سبيل المحافظة على التعاليم المسيحية ، والمبادئ القويمة ، والآداب السليمة.
طوبى لكم، أيّها الأختام المجيدة الأربعون، لقد رُصّعتم مثل الحجارة الكريمة في تاج الملك السماويّ .
السلام لكم ، أيها الشهداء القديسين ، الذين تشرفوا وتكلٌلوا بالمجد .
السلام لكم ، يا محبيّ المسيح الذين قدمتم حياتكم لنيل الخلاص .
السلام لكم ، يا أجواق الشهداء ، المضطهدين من أجل المسيح سيدكم وٱلهنا وإلهكم .
السلام لكم ، لأنكم أصبحتم قرابين حب وذبيحة رضى للمسيح ربنا .
إليكم نلجأ متوسلين أن ترفعوا صلواتنا إلى الرب يسوع ، المنتصر على الشر والموت ، والقائم من بين الأموات ، ليثبتنا على الإيمان والرجاء والمحبة ، ويجعلنا شهوداً حقيقيين لبشارته ، فنؤهل بأعمال البٌر والتقوى لدخول الملكوت الموعود به لجميع الذين عملوا مشيئته ، آمين .
+ المطران كريكور اوغسطينوس كوسا
اسقف الإسكندرية للأرمن الكاثوليك