القدِّيس شربل: موتٌ وولادة

الموت ولادة، وحقيقةُ الولادة موتٌ عن كلّ شيء

Share this Entry

يوم الجمعة 16 كانون الأوَّل، نحو الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، والكنيسة تحتفل بتساعيَّة الإستعداد لعيد الميلاد، احتفل الأب شربل بقاعكفرا الحبيس بقداسه الأخير، في كنيسة محبسة الرسولَين بطرس وبولس- عنَّايا. وكان صقيع كانون وبرده يلفَّان قِمَّة جبل المحبسة، والرياح تعصف، والهواء يقذف الزمهرير فترتجف منه أعضاء الحبيس حتَّى العظام.

إنَّه يوم الجمعة (اليوم السادس تك 1: 32) الَّذي يُذكِّرنا بخلق الانسان والصلب (مر 15: 42)، وبالفداء والظفر (الليتورجيا المارونيَّة). الحبيس خاشعٌ يحتفل بقدَّاسه كما اعتاد، مأخوذًا بجمال عمل الله في الكون والانسان، غائصًا في تأمُّلٍ عميق، وتتدفَّق على محيَّاهُ إشراقةٌ نورانيَّة متَّشحةٌ بالطمأنينة والسكينة والسلام. وكأنَّ الخليقة بأسرها بين يديه يقدِّمها مع الخبز والخمر قربانًا “شهيًّا” للآب السماويّ، بابنه يسوع ربّ الفداء والخلاص، الَّذي أتمّه لنا على قِمَّة الجلجلة في منتصف الأرض. كأنّ الحبيس يرفع معه في قربانه الخليقة بأسرها كنشيدٍ كونيّ لتُولد بعد تمخُّضها وتمحُّصها في الله، بقوة الروح القدس- ذاك “العصف الإلهيّ”، سرّ التجديد، و”مبدأ وكمال وغاية كلّ ما كان ويكون، في السماء وعلى الأرض” (من ليتورجيَّة القدَّاس الماروني)، فيتتابع بذلك عمل سرّ الفداء، الَّذي يحتفل به الحبيس في سرِّ الذبيحة الإلهيَّة، وقد غمره شعورٌ واحدٌ، شعور الفداء بالصليب.

هذه المرَّة سيموت الحبيس الأب شربل فعليًّا، وسريًّا في المسيح، ويشترك بعمله الخلاصيّ مدى الأبد… إنَّه الحضور الإلهيّ، وكثافة اللحظات المليئة من ثقل مجد الله، قد لَفَّ الحبيس بكامل كيانه وذاتيَّته، وبلغ ذُروة المشاهدة الإلهيَّة بعد أن تطهَّر واستنار، وأرسى في ميناء الله، من بعد صيرورةٍ شاقَّة من الجهاد الروحيّ، مصبوغةٍ بالصليب على غرار كبار النسّاك الأقدمين كالقدِّيسَين مارون وسمعان العموديّ وغيرهم… إنَّها حتميَّة الموت، وحقيقة الولادة النابعة من قوة عمل الروح القدس، الَّتي تأبى الرجوع إلى كثافة الجسد والمادّة وقوانين الطبيعة… إنَّهُ موتٌ وولادة في الله، مطمحُ حبيس عنَّايا.

         يومَ الجمعة ذاك، من سنة 1898، لم يُكمل الأب شربل الحبيس احتفاله بقداسه، فسقط كما الربّ تحت صليبه عند “رفعة الكأس” وهو يتلو مصلّيًا: “آبو دقوشتو هو برُخْ دِبحو…”، وحُمِلَ على أثرها إلى غرفة مطبخ المحبسة مصابًا بداء الفالج، بعد أن أخذ منه الأب مكاريوس المشمشاني الحبيس الكأس والصينيَّة، ونزع عنه بدلة القدَّاس… ومُدِّدَ الحبيس على الحضيض فوق بساط (بلاس من شعر الماعز) قرب الموقد، عَلَّ الدماء تعود تجري في شرايينه. بقيَ الحبيس في نزاع مع المرض يطرق بابه “رسول الموت”، حاملًا منجله مُعلنًا مجيء ساعة الحصاد (رؤ 14: 15). كان جسد الحبيس على الأرض إنما قلبه وعقله وذهنه وروحه في السماء بحالةٍ من الإندهاش والإنخطاف الروحيَّيَن، وبعد اكتمال وإتمام شوطه، رقد بسلام رقاد الأبرار والصديقين، نحو الساعة الخامسة من مساء يوم السبت في 24 كانون الأوَّل، بيرمون عيد الميلاد. وهنا، يستحضرني قول الأب بولس ضاهر حول موت الحبيس الأب شربل بقاعكفرا: “ميتةٌ رائعة على تواضعها، سماويَّةٌ على جلجلتها، يغار منها الملائكة لو كانوا يموتون” (شربل إنسان سكران بالله، ط 3، 2014، ص 175). وفي التالي منه، يوم الأحد المصادف عيد الميلاد المجيد، وبعد صلاة “جناز الراهب” في كنيسة الدير، حُمِلَ جثمان الأب شربل الحبيس ممدَّدًا على لوحٍ خشبيّ، ووُضع على بساط، وكُفِّنَ بثوبه الرهباني، ووُضعَت بين أنامله مسبحة العذراء مريم، ودُفن في مقبرة الدير من الجهة الشرقيَّة لكنيسة مار مارون كما هي عادة الرهبان اللبنانيّين الموارنة، وأُوصِدَ القبرُ بالحجر، عائدًا التراب إلى التراب، والروح حلَّقت في فسيح أزليَّة الله… ظنَّ رهبان الدير يومها بأنَّ دفنه سيكون بسيطًا، يحضره قِلَّة من الناس لكثرة تراكم الثلوج في ذاك اليوم العاصف، على ما جاء في شهادات بعض معاصريه… وكأنَّ الملائكة جند العلاء بشَّروا أهل جوار الدير والمحبسة بأنَّ الأب شربل الحبيس “ولد في السماء”، فحضر الناس من كلِّ حدبٍ وصوب ليتباركوا من الحبيس “الكنز المرغوب فيه جدًّا” (ثيودوريطُس القورشي، تاريخ أصفياء الله، الفصل 16/ 4)، وألقوا النظرة الأخيرة عليه، غير مُدركين أنَّ القبر سيتفجَّرُ نورًا، وسيُدَحرَج الحَجَر عن بابه، ولم يعلموا أن “سيأتي يومٌ يتحوَّلُ فيه حرم الدير إلى ساحة عامة، تجتمع فيها الحشود البشريَّة، وقد جذبها خارقُ القداسة” (الخوري ميشال حايك، طريق الصحراء الأب شربل، مطابع الكريم جونية 2013، ص 164).

موت الحبيس هذا، شكَّل “الحدث المؤسِّس” لمزار دير مار مارون- عنَّايا ومحبسته، تلك البقعة النائية من العالم، أصبحت واحةً روحيَّة، ومحطّ أنظار الكثيرين الَّذين يتوقون إلى الراحة والسلام والطمأنينة…

         في ذاك “السبت”، دخل الحبيس في راحة الأبرار واستراح. كان الله فيه فأضحى في أبديَّة الله، مع المسيح الَّذي أحبَّهُ إلى الغاية (يو 13: 1)، وها هو ينظر إليه وجهًا لوجه (خر 33: 11)، ونفسه “تتشبّع تمامًا بالجمال الَّذي لا يوصف، جمال مجد نور وجه المسيح ” (من عظات القدِّيس مقاريوس الكبير، ج 1، عصر نيقية وما بعد نيقية- القمص تادرس يعقوب ملطى، العظة الأولى 2).

مات الحبيس الأب شربل ليلة عيد الميلاد، الَّذي تحتفل فيه الكنيسة بتذكار تجسّد الكلمة الإلهيّ، الله الَّذي صار إنسانًا في الزمان والمكان، كما يخبرنا لوقا الإنجيليّ (2: 1- 20)، وفي هذا اليوم، عَبَرَ حبيس عنَّايا الأب شربل إلى بيت ملكوت الآب السماوي (يو 14: 2)، الَّذي وعد به الَّذين يحبُّونه (يع 2: 5)، فحبيب الله وخليله (صفيّ الله) الأب شربل انعتق وتحرَّر من جسده الترابيّ، وأضحى في السماء بولادةٍ أبديَّة. فإن كان “للولادة وقتٌ وللموتِ وقت” (جا 3: 2)، فموت الأب شربل كان في آنٍ ولادة لحياة لا موت فيها، بل سلام وفرح “إلى دهر الداهرين”، كما كان يردِّدُ الأب شربل مع ختام كلّ صلاة بحسب النصوص الليتورجيَّة المارونيَّة. وبذلك وَلَجَ الحبيس وانضم إلى جوق الليتورجيَّة السماويَّة المنشدة تسبحة الظفر والخلاص لإلهنا، الَّذي له الكرامة والعزة إلى دهر الداهرين، كما يخبرنا سفر الرؤيا… يقف الأب شربل الحبيس منذهلاً أمام تجلِّي سرّ الله الكامل، رافعًا البرقع عن عينيه متأمِّلًا في بهاء مجده، هذا السرّ الَّذي أدركه “في مرآة في لغز” (1 كو 13: 12) في هنيهات الزمن العابرة طوال مسيرته على الأرض، اكتشفه “الآن” بولادة من الموت إلى الحياة (يو 5: 24). هذا “الآن”- الحاضر- اكتمل بالنسبة للأب شربل في “الدهر الآتي”، نهائيًّا- ومدى الأبد في حضرة الله، عابرًا بلا خوف من ظلمة الموت إلى نور قيامة المسيح يسوع مردِّدًا “إني ولو سلكتُ في وادي ظلال الموت لا أخاف سوءًا لأنَّك معي” (مز 23: 4)، ورغبة قلبي أن “أنطلق وأكون مع المسيح” (فل 1: 23) في المجد الأبديّ.

         في الميلاد أخلى الله ذاته آخذًا صورة إنسان (فل 2: 7)، وموت الأب شربل فعلُ إخلاءِ الذات بالكامل، حتَّى من جسده، كي يكون في أنوار الله ومجده في السماء حيث الأبرار والصديقون “يسطعون كالشمس في ملكوت أبيهم” (متى 13: 43)، “فرفعه الله بالمجد” (فل 2: 8-9)…

شربل الحبيس “نجمة ميلاديَّة” ساطعة من أرضنا وشرقنا ووطننا لبنان يُبشرنا برحمة الله وغفرانه ومحبَّته، إنَّه علامة “الرجاء الَّذي لا يخيِّب” (روم 5: 5)، لا بل إنَّه “الساهر” (يُشَبَّه الراهب بالملاك، ويدعى الساهر واليقظ في التقليد السرياني) يُذكِّرنا بما أنشده الملائكة يوم ميلاد المخلِّص في حقل الرعاة الساهرين على قطعانهم: “المجدُ لله في العلى وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر” (لو 2: 14)، وبموته وولادته في السماء اكتمل في ذاته سرّ “ملكوت الله”، وبعد أن كان ملكوت الله في داخله (لو 17: 21)، أصبح في ملكوت الله… هذا الملكوت تفجَّر ينبوع شفاء، وطاقة روحيَّة لكلِّ مريض وسقيم بشفاعة الأب شربل.

         في ذاك العيد المجيد بينما كان رهبان دير مار مارون- عنَّايا يحتفلون بصلاة مساء عيد الميلاد والطلبة مع أناشيد “شوبحو لهو قُلو”، و”أرسل الله ابنه الوحيد…” مع رنيم ضرب الصنوج ودقّ النواقيس، كان ملائكة العلاء يطوفون مهلّلين مرنمين بولادة قدِّيسٍ قدير، وشفيعٍ للكنيسة يُدعى الأب شربل الحبيس، فخر الرهبانيَّة اللبنانيَّة المارونيَّة وإكليل مجدها… ولادةٌ استحقَّها “بطلُ القداسة” على حدِّ تعبير قداسة البابا الراحل فرنسيس، بجهاده الروحيّ وتعبه وسهره، في حياةٍ من نسكٍ وزهدٍ وصومٍ وصلاة… ولادة عرفت الموتَ مرَّات، وكأنَّ حياته بجملتها كانت تتَّجه إلى ميناء الموت، عابرًا من رحم نور ذاك القبر إلى ظلال الأبد في مدى أبديَّة الله، وها هو الآن “يشترك في سعادة القدِّيسين” (من خطاب قداسة البابا بولس السادس، يوم إعلان مار شربل قدِّيسًا في 9/10/1977).

 ميلاد يسوع بالجسد على الأرض وميلادُ شربل في السماء! ما هي إلاَّ قصة حبٍّ سُلَّمِيَّة تنازل بها الله نحو الانسان، وارتقى بها شربلُ إلى “قِمَم الروح شبرًا فشبرا” (الأب روفايل مطر، زياح مار شربل)… حبٌّ تنازليٌّ- تصاعديّ يُختصَر بإخلاء الذات المتبادل حتَّى الإمّحاء، إنَّه سرُّ الحبِّ الكامل ما بين الله والحبيس، هذا الحبّ تدفَّق بشفاعته على لبنان والكنيسة والعالم شفاءات ونعمٍ وبركات سماويَّة، ولا تزال تتدفّق (من وحي محضر فتح القبر 22 نيسان 1950).

لهذا الراهب الناسك تواريخ ميلاد ووفاة متعدّدة، فحياته الَّتي أغنى بها لبنان والعالم مليئة بالولادة والموت، وهل من فرق بينهما؟

ألم يمت يوسف أنطون (الأب شربل) زعرور (مخلوف) عن العالم عندما اختار الحياة الرهبانيَّة؟ ألم يولد الأخ شربل في كنف الدير؟ ألم يكن الأب شربل يعيش في قدَّاسه اليوميّ موت وقيامة المسيح؟ أليس دخوله المحبسة موتٌ عن الذات والعالم رغبةً بولادةٍ جديدة في قلب الله؟ الأب الحبيس شربل “المغبوط” و”السكران بالله” و”المأخوذ بجماله الإلهيّ”، أدرك أنَّ ولادته الحقَّة هي في عودته عاريًا إلى حشا الأرض (راجع أي 1: 21)، بعد أن أخلى ذاته واتَّحد بالمسيح.

ولادة القدِّيس شربل كانت فعلًا بمماته. إنَّه الظاهرة، والقدِّيس الرمز، والرمز المقدَّس الَّذي صار ضريحه في عنَّايا مَحَجًّا للصلاة والصمت، يدخل إليه الانسان فيعرف أنَّه برغم إنسانيَّته الضاربة في جذور هذا العالم، هناك بُعدٌ آخر، لا ندخله إلَّا بولادةٍ أخرى، وهل لحَبَّة الحنطة أن تعطي حَبَّاتٍ إِنْ لم تقع في الأرض وتَمُتْ؟ (يو 12: 24).

يبقى القول؛ الموتُ رهيبٌ يَقُضُّ مضجع الانسان ويُقلقه، فيأتي مَن اختمر واكتمل في الإيمان بقيامة الربّ يسوع، نظير القدِّيس شربل، ليبشّرنا أن الموت ولادة، وحقيقةُ الولادة موتٌ عن كلّ شيء، ما خلا الله.

Share this Entry

الأب شربل رعد

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير