ترجمة ندى بطرس
يجمع مشروع فيلم جديد قيد التنفيذ في روما مزيجاً غير متوقّع من هوليوود وباحثي الفاتيكان وأسراراً أثريّة تعود لقرون مضت. ويقف في قلب هذا المشروع الممثّل كريس برات، الذي تولّى مهمّة إرشاد المشاهدين عبر أحد أهمّ المواقع وأقلّها سهولة في الوصول إليها في التاريخ المسيحي: مقبرة الفاتيكان وقبر الرسول بطرس، كما أورد الخبر القسم الإنكليزي من زينيت ضمن مقال بقلم خورخي إنريكي موهيكا.
في التفاصيل، إنّ الفيلم ثمرة تعاون بين وسائل الإعلام الفاتيكانيّة، مؤسّسة Fabbrica di San Pietro المسؤولة عن الحفاظ على بازيليك القدّيس بطرس وصيانتها، وشركة AF Films، مع التركيز على عامٍ تاريخي. ومن المقرّر عرضه سنة 2026، عندما تحتفل الكنيسة بمرور أربعة قرون على إنهاء وتكريس كاتدرائيّة القدّيس بطرس الحاليّة: تُشكّل هذه الذكرى إطاراً طبيعيّاً لمشروع لا يسعى فقط إلى سرد التاريخ، بل إلى شرح موقعٍ شكّل المخيّلة المسيحيّة لحوالى ألفي عام.
أمّا مشاركة برات فتُضفي بُعداً سينمائيّاً عالميّاً على قصّة عادةً ما تبقى حبيسة التقارير الأثريّة والجولات السياحيّة المحدودة. في هذا السياق، وضمن حديثه مع موقع “أخبار الفاتيكان”، وصف برات مشاركته بأنّها امتياز عظيم، مُعرِباً عن امتنانه للثّقة الكبيرة التي مُنحت له وللوصول الذي حظيَ به. بالنسبة إلى الممثّل، لا يركّز المشروع على الاستعراض بقدر ما يركّز على تسليط الضوء على تقليد دينيّ تعود جذوره إلى صيّاد أُعدِم في عهد نيرون. وتُضفي مخرجة الفيلم، الإسبانيّة باولا أورتيز، على هذا العمل أسلوباً معروفاً بمزجه بين الشِّعر البصريّ والحدس التاريخيّ، فيما تعمل على سيناريو من تأليف أندريا تورنييلي، بدعم من بييترو زاندر، خبير ترميم الفاتيكان المخضرم. أمّا هدفهم جميعاً فهو السّماح للمشاهدين بالنزول – مجازيّاً وحرفيّاً – إلى ما وراء عَظَمة رخام بازيليك القدّيس بطرس، والغَوص في التاريخ العريق لتلّة الفاتيكان، حيث كانت المقابر الرومانيّة، قبل أن يُعيد قسطنطين تشكيل المشهد لبناء أوّل كاتدرائيّة. وقد أصبح هذا التحوّل الذي طرأ على التلّ، والذي استلزم تسوية الأرض والبناء فوق مدفن بطرس، أحد أقدم الشهادات المعماريّة على الأهمية الدائمة للرّسول. فمنذ القرن الرابع، توافد المسيحيّون إلى الموقع، مُقتنعين بأنّ قبر الصيّاد المتواضع قد أصبح محور ذاكرة الكنيسة. ورغِبَ الكثيرون في أن يُدفَنوا بالقرب منه، ممّا أدّى إلى إنشاء شبكة معقّدة من المقابر والأضرحة التي ظلّت مخفيّة تحت قرون من البناء.
يتتبّع الفيلم الوثائقي مسار إعادة اكتشاف هذا العالم المدفون، بدءاً مِن الحفريّات السريّة التي سمح بها البابا بيوس الثاني عشر سنة 1940. وبعد عشر سنوات، أعلن الفاتيكان رسميّاً عن موقع ما اعتبره قبر بطرس. وفي نهاية المطاف، أدّت الدراسات والنتائج اللاحقة إلى إعلان البابا بولس السادس، عام 1968، أنّ الرّفات التي تمّ الكشف عنها يمكن اعتبارها رفات الرّسول نفسه – أجزاء قليلة العدد ولكنّها ذات دلالة رمزيّة عظيمة.
مِن خلال مزج الأدلّة التاريخيّة والشهادات الأثريّة والسرد السينمائي، يهدف الفيلم الوثائقي إلى إحياء رحلة لم تكن مُتاحة حتّى الآن إلّا للمتخصّصين أو لمجموعات صغيرة من الحجّاج. ويَعِدُ الفيلم بصُور حصريّة من داخل المقبرة، كاشفاً عن الممرّات الضيّقة والنقوش القديمة والآثار المسيحيّة المُبكرة التي شكّلت نقاشات علميّة لعقود. ومع استمرار التصوير تحت قبّة الكنيسة الشاهقة، يبدو المشروع على وشك تقديم شيء نادر: سرد بصريّ قادر على الرّبط بين الإيمان والتاريخ دون التّقليل من شأن أيّ منهما. وبقيادة برات، قد تصل قصّة بطرس – التلميذ والشهيد والشخصيّة المؤسِّسة – إلى جماهير لم تتخيّل يوماً النزول إلى أعماق الفاتيكان الخفيّة.
