المعمودية في الإيمان المسيحي هي طقس ديني يُعبَّر فيه، بواسطة الماء، عن تطهير الإنسان من الخطيئة وبدء حياة جديدة في المسيح والدخول في جماعة الكنيسة. وترتبط المعمودية بالموت والقيامة مع المسيح، إذ يُنظر إليها كعلامة على مشاركة المؤمن في موت المسيح عن الخطيئة وقيامته إلى حياة جديدة. كما هي المدخل إلى الحياة المسيحية يتم بمجموع الأسرار الثلاثة: المعمودية وهي بدء الحياة الجديدة، والتثبيت وهو دعامتها، والافخارستيا التي تغذى التلميذ من جسد المسيح ودمه لكي يتحول إليه.
بناءًا على وصيّة المعلّم: “فَدَنا يسوعُ وكَلَّمَهم قال: إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض. فٱذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِٱسْمِ الآبِ والٱبْنِ والرُّوحِ القُدُس، وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به، وهاءَنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم”. وذلك في متى 28: 18 – 20. أما معنى كلمة المعمودية في الأصل تعني الغَمر أو الغَسل، أي استخدام الماء رمزاً للتطهير والتقديس. أما تُفهم في اللاهوت المسيحي كـ«غسل روحي» يعبِّر عن التوبة والإيمان وتجدد الحياة في المسيح. في هذه المقالة سنأخذ من العظة السادسة للطوباوي البطريرك اسطفان الدويهي المعنونة عيد الغطاس. سأستند إلى كتاب العظات 1665 للأب رمزي جريج اللعازري كمترجم لها، الصادر سنة 2024.
يُعنون الأب رمزي أول فقرة ب “عَجَب التَّجسُّد”، أشعياء المعظم في الأنبياء، لما تأمل بعين الروح ميلاد السيد المخلص. وأراد أن يضع له اسماً، سماه عجيبًا قائلا: «صبيا ولد لنا، وابنا أعطيناه الذي صارت رئاسته على منكبيه، ويدعى اسمه معجبا»، اشعيا 9: 6. هذا العجب، يا إخوتي، إني رأيته صبيا في القامة، ابنا من امرأة، رئاسة بشريَّتنا حاملها كالغيمة، وأما اسمه عجيب. كيف يمكن أن يكون صبيا؟ أن يكون ولدًا؟ وأن يكون إنسانا مثلنا، ويكون معجباً؟ فإن الاسم يجب أن يكون موافقا للشَّيء الذي هو دليله. فإذا كان صغيراً وصبياً وولداً، ما يمكن أن اسمه يكون عجيباً بل حقيرًا.
يقول أشعيا المعظَّم: «إن اسمه معجب». فإن هذا الصبي هو صبي، وهو قديم الأزمنة والأيام. هذا الولد مولود في آخرة الأزمنة من مريم، لكن وقبل أن تولد الجبال، وقبل أن يشرق الفجر، كان هو مولودًا من الآب. هذا الحامل رئاسة البشر على منكبيه هو المرتفع على الرؤساء والمسلطين، وباختصار، هذا الإنسان هو إله. فأي عجب له الأولوية، يكون أعظم من هذا: أن الله يصير لحمًا، واللحم يكون متحدًا مع الله بأقنوم واحد؟ لكن لأن ولادته الأزلية تفوق كل وصف، وكل عجب، لكي ننصت إليها، فتأملوا ولادته الزمانية، وترونها كلها عجب جمعيكم تعرفون أن كلّ ولد له وله أم، وهذا الولد له أم وليس له أب. وهذا أليس هو عجبا عظيمًا؟
ثانيا: كل طفل يثبت في بطن أمه أربعين يوما ليتصور. وهذا، في لحظة عين، تصور جسده بقوة روح القدس، وللوقت حل فيه الروح. ثالثا: إن جميع الأطفال ينمون في القامة وفي الحكمة. وهذا، حين تصور جسده، اكتمل في جميع الخيرات والمواهب. رابعا: إن جميع الأطفال لم يكملوا السنّ لبعد سبع سنين. وهذا، حين تصورت روحه، امتلأ كل معرفة وعلم. خامسا: إن جميع الناس لا يصلون لمجد الطوباويين حتى يبلغوا سعي هذه الحياة. وهذا في ساعته تمجد في الروح. سادسا: إن الولد لا يخرج حتى يفك عذرية أمه. وهذا خرج وخواتيم أمه محفوظة، حتى إنها كانت أما، وكانت عذراء. كانت ترضع، وكانت بنتا.
يتابع الطوباوي سلسلة العَجَب، فالعَجَب الحقيقي في كثرة محبّة الرَّب. لكن، لا أريد أن تتأملوا في هذا العجب، بل في كثرة محبته لخلاص العالم؛ لأنه شهد أنه ما نزل (أي تجسّد) إلا ليرد الخراف الضالة، وأنه يريد أن جميع الناس يخلصوا. تأملوا أي درب سَلَكَ ليخلصنا ذلك الذي هو جالس على الكاروبيم، اختار له مزودًا لميلاده. ذلك الذي شهد أنه غير محتاج لحسناتنا، طالب الحليب من امرأة. ذلك الذي حرَّك الأفلاك في السماء، طالب أن الناس تهز سريره. ذلك الذي هيبته وأمره على الكل، يهرب من هيرودس. ذلك الذي بحكمته يدبر الكل، هو خاضع ليوسف ولمريم ليدبروه. ذلك الذي يبسط يده فيمتلئ كل حيّ مسرَّة (مزمور 144: 16)، طالب من المجوس. ذلك الذي هو وحده صورة الله الأب الذي لا يعرف لا غش ولا دنس، طالب من يوحنا العماد.
والمعموديَّة هي ظاهرة أي علامة محبّته لنا؛ لماذا هذه العجائب أما جميعُها إلا ليردنا إلى طاعة أبيه؟ قال له يوحنا حاشاي أن أعمدك، لأني أنا ابن الخطيئة، وأنت ابن البار. أنا العبد، وأنت السيد؛ أنا المحتاج أن اعتمد منك، وأنت تأتي إلي». فيجيبه: «يا يوحنا، دع الآن، أنت لم تُفكر إلا للحاضر، أما أنا أحتاج أن أكمل كل البر. أجعل نفسي محتاجا وضعيفًا وخاطنا لأربح الجميع إلى أبي. دع الآن فإنه هكذا يجب أن نكمل كل البر» (متى 3: 13 – 15) فنبيِّن لمحبتكم أن الله ليربحنا، جعل نفسه كواحد منا وأدنى، حتَّى إنَّه يُريد أن يشحذ من كل واحد منا، والذي يعطيه، يبقى يجازيه هو من عنده. أشعيا الجليل بين الأنبياء، الذي سماه الآباء خامس الإنجيليين، إذ كان متفرِّسًا في عجائب الله ينادينا قائلاً: «سبحوا الرب، أصرخوا باسمه، أخبروا في الأمم تمجيداته (اشعبا12: 4). يا شعب إسرائيل، تأمل صنائع الرب كيف أخرجكم بيده من مصر! كيف أجازكم في البحر برجل ناشفة! كيف بدَّد الشُعوب من قدّام وُجوهِكُم كيف أمطر لكم منًا وطائرًا من السماء! كيف من صخر اصمّ كان يُخرج لكم الماء والحليب والعسل! (…).
بعد عرض البطريرك لسلسلة حيل بمعنى طرق، وهذه الحيل تتكلّم عن طرق الرب في الخلاص وكيفيّة التجسّد إلى لقائه بالسامريّة والظهور للمجوس. أما حيلة الربّ تجلّت في عماده. وأمّا في العيد الثاني، الَّذي هو الغطاس، وعماد الربّ، الَّذي هو صار في الثلاثيين سنة بعد ميلاد الربّ، يذكر متَّى البشير أن أتى المخلّص من الجليل إلى نهر الأردن، إلى يوحنا، ليعتمد منه. فامتنع يوحنا منه قائلاً: «كيف يا رب أنت تعتمد مني؟ أنت السيد وأنا العبد. أنا المحتاج أن اعتمد منك، وانت تأتي إلي. كيف يمكن أن الخاطئ يغسل البار؟ الضعيف يعطي القوة للقوي، والذي ما أستحق أنا أن أحمل حذاءه، أن أضع يدي عليه؟» (منى 3: 13 – 14).
تأملوا كيف الرب يتواضع، ليقوي إيمان يوحنا! كيف يؤخر ذاته، لتتقوى محبة يوحنا! فقال له الرب: دع الآن، فهكذا يجب لنا أن نكمل كل البر (متى 3: 15). يا يوحنا، أنت رجل مستقيم، أنت الذي ما في قلبك على رأس لسانك، وأما أنا أحتاج أرد الناس في اللطف. إني أصطادهم في الحيلة، أن أسرقهم كالرجل الماكر. دع الآن، فهكذا يجب لنا أن نكمل كل البر. ولو كنت أنا بارًا صالحًا، يجب علي أن أجعل نفسي خاطنا، لأستر الخطأة؛ ولو كنت إلها، جعلت نفسي إنسانًا لأربح الناس؛ ولو كنت حرا، وجب أن أجعل نفسي عبدا لأخلص العبيد. دع الآن فهكذا يجب لنا أن نكمل كل البر». كان القديس مرتينوس رجلاً جنديًا يكرم في الكون ولم يكن بعد قد اعتمد. وإذ هو راكب فرسه ومسافر إلا وهوذا رجل مسكين فقير عريان في يوم برد ما عليه ثوب فتقدم إلى الجندي طالبا شيئًا يكتسي فيه. فمد الرجل يده على السيف، وقطع نصف غفارته، وأعطاها للمسكين. فمضى هذا الجندي ذات يوم إلى الكنيسة، وكان ينظر المسيح لابسا جزء تلك الغفارة ويريها للملائكة، ويقول بفرح: «مرتينوس المتتلمذ هو البسني هذه الغفارة»، لتتحققوا أن الله ليل ونهار، يقرع إلى أبواب قلوبنا، ليجد له موضعا، لينزل به حتى يخلصنا (…)[1].
من خلال المعمودية يصير المعمَّد ابناً بالتبنّي لله وعضواً في الجماعة المسيحية، ويتشارك في كهنوت المسيح وشركة الكنيسة. فالمعمودية ترمز إلى التطهير، الولادة الجديدة، والدخول في حياة النعمة الإلهية. ذهب الدويهي فيها عبر عرض تأملّي عن مدى تواضع المسيح الذي هو الكائن بأزليته ليتجسّد بيننا وليكمل عرض الخلاص وكيف أنّه تواضع وطلب الإتكّال على مريم ويوسف؛ لينتقل لاحقًا للكلام عن عظمة محبّة الآب لنا وكانت المعموديّة إحدى هذه الطرق. لقد دخل المسيح في المفهوم البشري من أجل خلاص البشريّة. ويستشهد الدويهي بيوحنّا ذهبي فم الذهب: “إنَّه هو أولاً يريد أن يقبل الهبة والحسنة، لئلاّ يُبان أنَّه يعطينا مجّانًا”. لولا دخول المسيح في هذا المفهوم لما عرفنا لخلاص، هل نحن مستعدين للدخول في المفهوم المسيحي، على غرار تواضع الأصيل للمعلّم وقبول هبة معموديتنا كما يجب؟ هل نحن مستعدين أن نسمح له بأن ينير درب مسيرتنا؟ هل نحن مستعدون أن نموت عن الإنسان القديم الذي في داخلنا والإنتقال إلى الجديد؟
[1] اسطفانوس الدويهي، مار اسطفان الدويهي – العظات 1665، منشورات مؤسسة البطريرك اسطفان الدويهي، زغرتا، 2024، ص 49 – 60.