ترجمة ندى بطرس
في عامٍ اتّسم بالتوتّرات الجيوسياسيّة والتقلّبات الاقتصاديّة والاضطرابات الاجتماعيّة، اختار معهد موسوعة تريكاني الإيطاليّة البابا لاون الرّابع عشر شخصيّة العام 2025، كما أورد الخبر القسم الإنكليزي من زينيت، ضمن مقال بقلم خورخي إنريكي موهيكا. ويُشير هذا الاختيار إلى أثر حبريّةٍ، وإن كانت متواضعة في ظهورها العلني، إلّا أنّها تُجسّد قيَماً مسيحيّة جوهريّة كالرّزانة والتمييز والإنصات الفعّال، وهي صفاتٌ يشيد بها المعهد باعتبارها رمزاً لـ”كنيسة الفقراء”.
يسلّط كتاب تريكاني السنوي لعام 2025 الضوء على اختيار البابا المتعمّد للحدّ من ظهوره وخطاباته. فعَبر “الاقتصاد في الحضور والكلمات”، استطاع لاون الرّابع عشر التعامل مع ضغوطات الاهتمام العالمي بتجنّب التصنيفات الاستقطابيّة، سياسيّاً ولاهوتيّاً. ويتناقض هذا النّهج المتّزن مع الخطابات الناريّة لقادة العالم المعاصرين، ممّا يرسّخ مكانة البابا كحضورٍ مُستقرّ في عصر الروايات المُجتَزَأة والطموحات التنافسيّة.
يُعدّ البابا لاون الرّابع عشر شخصيّة تاريخيّة من نواحٍ عديدة، فهو أوّل بابا أميركي، وأوّل من تبنّى نهج التبشير الحديث القائم على الرّسالة، وأوّل بابا من الرّهبنة الأغسطينيّة منذ بدايتها التاريخيّة. وقد أسهمت خبرته السابقة كمبشّر وكاهن رعيّة في البيرو في صياغة أسلوب حُكم يوازن بين البراغماتيّة والرقّة الرعويّة. واليوم، في ظلّ مواجهة العالم لطموحات قوى صاعدة وأزمات عالميّة مترابطة، يواجه البابا تحدّي تحديد الأولويّات ضمن جدول أعمال بالغ التعقيد، وهو تحدّ يتطلّب تدخّلات انتقائيّة، أجوبة مدروسة، وتأجيلات حكيمة.
كما ويروي كتاب تريكاني السنوي، في طبعته السادسة والعشرين، 365 يوماً من التاريخ من خلال جمع 1169 تقريراً معمّقاً، و108 مقالات و95 افتتاحيّة تحريريّة، 81 رسماً بيانيّاً، و446 صورة. يضع هذا المجلّد البابا لاون الرّابع عشر في قلب المشهد الدوليّ، مصوِّراً حبريّةً عازمةً على إرساء سلامٍ “بِلا سلاح ونازع للسّلاح” في آنٍ واحد.
في سياق متّصل، وكما أشار مارتشيلو سورجي مدير دار تريكاني، فقد برز البابا كشخصيّة محوَريّة في عامٍ طغت عليه الصّراعات والغموض، جامعاً بين السُّلطة الروحيّة والبصيرة الاستراتيجيّة. ولا يعكس تقدير تريكاني لنفوذ البابا داخل الأوساط الكنسيّة فحسب، بل أيضاً قدرته على إبراز حضور أخلاقيّ ودبلوماسيّ في الشؤون العالميّة. فمِن خلال ممارسة قيادة هادئة، وإعطاء الأولويّة للرعاية الرعويّة ومقاومة الضغوط التي تدفع إلى تبنّي مواقف متطرّفة، رسّخ البابا مكانة الكنيسة الكاثوليكيّة كعامِل في النقاشات العالميّة حول العدالة والسلام والكرامة الإنسانيّة.
يُبرز اختيار تريكاني قوّة ضبط النفس والأثر الدائم للقيادة القائمة على المبادىء، فيما تُجسّد حبريّة لاون الرّابع عشر الطرق الدقيقة والعميقة التي يمكن من خلالها للإيمان والحكمة والصبر الاستراتيجي أن تشكّل الخطاب الكنسيّ والدنيويّ، ممّا يؤكّد على الأهمية الدائمة للكنيسة في سياق عالميّ سريع التغيّر.
