10. وبعد 22 نيسان، أضحى الدير كأنّه مستشفى، يؤمّه المرضى والسقماء والعرج والعميان، جميعهم يطلبون شفاعة عبد الله الأب شربل. أمواج بشريّة كأنّها تتّجه نحو ميناء الخلاص، وصراخ من كلّ صوب: “أعجوبة، أعجوبة!”، ثمّ قرع الأجراس وزياح القربان الأقدس. أصبح ضريح الأب شربل “قبر تدفّق العجائب”، وغدت الأحاديث كلّها عن عبد الله الأب شربل كأنّها ريح تلفّ العالم. وأصبحت عنّايا محطّ أنظار العالم؛ هذه البقعة النائية من الأرض غدت إحدى خزّانات الطاقة الروحيّة في العالم. تفجّر ينبوع الأب شربل، وتدفّقت ينابيع النِّعَم والبركات والتوبة. كتبت الصحف المحليّة والعالميّة عن حدث عنّايا، وتدفّقت الرسائل من بلدان عدّة، إذ راحت 133 دولة تراسل الدير طالبةً البركات، وراويةً العجائب، ولا يزال هذا الأمر متواصلًا إلى يومنا هذا. وهكذا، كانت عنّايا في سنة الخمسين مشهدًا فريدًا رائعًا: “راهبٌ عاش القداسة، فحوّل ديره إلى سماءٍ تسكنها الملائكة”، على حد قول الأب بولس ضاهر.
- وُضع جثمان القدّيس شربل في التابوت المعتمد حاليًّا يوم الخميس الواقع في 7 آب سنة 1952، وذلك بعد إجراء فحص رسميّ على الجثمان بتاريخ 4 آب 1952. وتولّى الأخ سمعان متّى الميفوقي، كما في المرّات السابقة، إلباس الجثمان العباءة والإسكيم وثياب التقديس كاملة. وأُودِع مع الجثمان، عند قدميه، مرطبانٌ زجاجيّ تضمّن نسخة عن محضر الدفن. كما عُرِض الجثمان مسجّى في تابوته المقفل من 10 آب ولغاية 24 منه سنة 1952، ليتسنّى للزوّار من لبنان والعالم مشاهدته، وقد فُصل عن الشعب بحاجزٍ من الحديد المشبّك، وذلك بإذنٍ خاص صادر عن مجمع الطقوس بتاريخ 6 تمُّوز سنة 1951 (بروتوكول رقم 45/51). كان يزن الجثمان وحده آنذاك اثني عشر كيلوغرامًا. أمّا التابوت فمصنوع من خشب الأرز؛ طوله من الخارج 207 سنتمترًا، ومن الداخل 186 سنتمترًا، وعرضه من الخارج 71 سنتمترًا، ومن الداخل 52 سنتمترًا. أمّا فتحة الحنية فبلغت 34 سنتمترًا، وعلوّه من دون القواعد 56 سنتمترًا، ومعها 65 سنتمترًا. التابوت مُبطَّن بحريرٍ أخضر اللون، ومُصفَّح بالرصاص من جوانبه الأربع. أمّا طبقته العليا فهي من البلّور (الزجاج)، وفي وسطها صليبٌ من صبّ الرمل. وقد صُنِع التابوت خصيصًا للقدّيس شربل لوضعه في القبر الجديد الواقع في الحجرة (الغرفة) الشرقيّة الجنوبيّة من الدير القديم، حيث كان المعبد الخاص المعروف حينها بمعبد الصليب، ولا يزال “صليب” المعبد محفوظًا في دير مار مارون- عنّايا.
- إضافةً إلى ذلك، نجدُ معلوماتٌ موثَّقة في حسابات الخوري منصور عوّاد، بصفته محامي الإيمان في دعوى خُدّام الله نعمة الله وشربل ورفقا، عن الفترة الممتدّة من 5 أيلول 1950 ولغاية 28 نيسان 1952، وقد قدّمها إلى سيادة المطران عبد الله نجيم، المفوَّض البطريركي المطلق الصلاحيّة في دعوى خُدّام الله الثلاثة المذكورين. وهذه الوثائق محفوظة في أرشيف المطران نجيم في الأبرشيّة البطريركيّة المارونيّة، نيابة جونية-أدما، وتضمّ ما يلي:
- تابوت الأب شربل مصنوع من خشب الأرز، مقدَّم من الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة. أمّا أعمال النجارة، والرصاص، وسائر ما يتعلّق بالتابوت، فقد أُنجزت مجّانًا بمتابعةٍ وسعيٍ من السيّد يوسف زخيا والخوري منصور عوّاد.
- أمّا المحسنون في تصنيع التابوت فهم: السادة جوزف إسكندر خديج، وإلياس نخلة صهيون، والسادة مبيّض وشركاه؛ في ما يختصّ بأعمال التابوت، إضافةً إلى أصحاب محلّ حاوي وعقّاد، والسيدتين أرملة فيليب راجي وإنجال قرينة السيّد ألفرد كركور. وقد بلغت الكلفة الإجماليّة المصروفة على التابوت 400,000 ليرة لبنانيّة.
- بدلة قدّاس ممتازة أُعدّت لإنزالها على جثمان خادم الله الأب شربل في تابوته الجديد، مقدَّمة من حرم المغفور له الرئيس إميل إدّه، وقد بلغت كلفتها 65,000 ليرة لبنانيَّة.
- عباءة جديدة قُدِّمت لجثمان الأب شربل عند نقله إلى تابوته الجديد، وهي تقدمة من بهيّة الزهّار، وقد بلغت كلفتها 11,500 ليرة لبنانيَّة.
- منذ ظاهرة سنة 1950، والناس يأتون يوميًا بكثرة لزيارة القدّيس شربل في عنّايا، وقد حصلت بشفاعته عجائب لا تُعدّ ولا تُحصى. وقد أقرّت الكنيسة في روما بعضها للتطويب، منها شفاء الأخت ماري أبيل قمري (من راهبات القلبين الأقدسين) والسيّد اسكندر عبيد، وكانت أعجوبة التقديس شفاء السيّدة مريم عبود.
أُعلن مار شربل طوباويًّا في 5 كانون الأوّل سنة 1965، وقدّيسًا في 9 تشرين الأوّل 1977، في عهد حبرية القدّيس البابا بولس السادس. - من الأهمية إدراك موقع مزار القدّيس شربل في دير مار مارون – عنّايا كمكان للراحة، إذ يأتي إليه المنهكون والمتعبون والمثقلون بالأحمال، وأصحاب الأمراض والأوجاع. لذلك، فإنّ أعجوبة القدّيس شربل الكبرى، إضافة إلى بطولة حياته النسكيّة، هي هداية النفوس إلى الله ورجوعها إليه بالتوبة. ومن هنا، يحمل مزار القدّيس شربل في عنّايا آلام وصراخ المتألمين والمقهورين والمظلومين. ومن حجارته يتردد أنين وصراخ الكثيرين. إنّه بحقّ ملاذ كل متعب ومرهق، وفي القدّيس شربل يجد الجميع الراحة والتعزية والسلوان. إنّه القدّيس الحامل الرجاء لعالمنا.
ومن هنا، يُعتبر مزار القدّيس شربل في عنّايا، ومحبسة الرسولين بطرس وبولس مساحة قداسة جاهد القدِّيس فيها، وهما واحة راحة للإنسان المتعب. يقصد الزائرون عنّايا باحثين عن السلام الداخلي، والطمأنينة والراحة، ولطلب شفاعة القدّيس شربل، ونيل بركته، وهداية نفوسهم، وتثبيت إيمانهم وتجديد حياتهم الروحيّة. - القدّيس شربل في مزار دير عنّايا يُجسّد الشمولية؛ فالكل يجد فيه المثال والشفيع. إنّه من “القدّيسين الكبار” في عصرنا، ومن أرض وطننا لبنان. عرف القدّيس شربل كيف يُحطّم الحواجز، ويفتح الحدود، ويُبدّل المقاييس. في مزار القدّيس شربل – عنّايا، نشاهد الزوّار من كلّ الطوائف والأديان والبلدان والأعراق والألوان. لقد تخطّى القدّيس شربل التاريخ والانقسامات، وهو يُشكّل اليوم في شرقنا وعالمنا “حالة مسكونية كبيرة”. لذلك، عندما نتعرّف إلى القدّيس شربل ونزوره في عنّايا، نكتشف كم هي هزيلة خلافاتنا العقائدية أمام وحدتنا في الروحانيات والقداسة.
- حضور جثمان القدّيس شربل في مزار عنّايا يُشكّل كثافة روحيّة كبيرة؛ بسيطة في مظهرها، لكنها عميقة في مدلولها وفاعليتها. لقد عبَر القدّيس شربل من جبل عنّايا إلى الدول والقارات، وهو اليوم قدّيس عالميّ، ساهمت أديرة ومراكز رسالات الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة في تعريف الناس في بلدانهم على مار شربل.
فالقدّيس شربل اليوم ليس محصورًا في عنّايا، بل هو عابر للقارات والدول؛ إنّه سفير وطن الأرز، بلد الرسالة. بعد تطويبه في لبنان، يوجد حوالى أكثر من خمسين كنيسة على اسمه، منها الكنيسة الرائعة القريبة من الدير والتي شُيّدت بعد تطويبه مباشرة (1965). أما خارج لبنان، فبلغ عدد الكنائس على اسمه أكثر من ستين كنيسة حتى اليوم. - يتميّز مزار مار شربل في دير مار مارون – عنّايا بأنّ غالبية زوّاره من العائلات: الأب، الأمّ، والأولاد، ولا ننسى حضور الشبيبة. من هنا، تجسّد روحانيّة مار شربل روحانيّة الشعب بأكمله، إذ تتجلّى الحياة الروحيّة بكثافة في الدير والمزار. يقوم رهبان الدير بخدمة الزوّار من خلال القداديس والاعترافات، والإصغاء والإرشاد، وتبريك الأطفال وارتداء ثوب القدّيس شربل، وتبريك خواتم الخطبة. كما تُقام صلوات الخورس (الساعات) في مواعيدها، إضافةً إلى صلاة المسبحة والزياحات.
- مع بداية الثمانينيات من القرن العشرين، انضمّ مزار القدّيس شربل في عنّايا إلى عضوية الجمعية العالميّة للمزارات الكاثوليكية، ومنذ ذلك الوقت يشارك كل سنة رئيس الدير والمزار، أو من ينتدبه، في أعمال الجمعية المذكورة. ومن أهداف هذه الجمعية: التلاقي، والتعارف، وتبادل الخبرات، واستعراض العقبات من أجل تحسينها.
- تطوّر وكبر مزار القدّيس شربل في عنّايا بفضل الأعمال العمرانية والتحسينات التي قام بها الآباء الرؤساء والرهبان الذين تعاقبوا على الدير وخدمة المزار، وقد شهدنا مؤخرًا سنة 2025، ترميم الضريح وإلباسه حلةً جديدة، تزامنت مع زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى ضريح القدّيس شربل. وبفضل هذه الجهود، أصبح مزار القدّيس شربل في عنّايا مزارًا عالميًّا، بما يوفّره من تجهيزات وخدمات للزوّار. إنه مكان للصمت والهدوء والصلاة، وتمجيد الله من خلال قداسة مار شربل.
- حضور القدّيس شربل في جبل عنّايا حوّل المنطقة من نائية إلى روضة غناء. لذلك، نجد في عنّايا والجوار فنادق ومطاعم ومحالًا تجارية. لقد تجرد القدّيس شربل عن دنياه، لكنه أغنى المنطقة التي وُجد فيها، ليس روحيًّا فحسب، بل ماديًّا أيضًا. يعود الفضل في تقدم المنطقة، من جرد بلاد جبيل، إلى القدّيس شربل، إذ ساهم وجود جثمانه المبارك بشكل مباشر في تطويرها اقتصاديًّا وعمرانيًّا وإنمائيًّا. كما خفّف من النزوح إلى الساحل، وثبّت أبناء الجبل في أراضيهم وأرزاقهم، بل أمّن لهم فرص العمل في الدير والمزار، إضافةً إلى خدمات متنوعة تشمل الاستشفاء والطبابة والتعليم. إنّه “الدير الرسالة”، وإنّه “القدّيس شربل الرسالة”؛ رسالة الرحمة والعطاء والحبّ.
- في مزار القدّيس شربل – عنّايا، هناك ظاهرة فريدة تتكرّر كلّ 22 من كلّ شهر. وكانت السيّدة نهاد الشامي، التي نالت شفاءً عجائبيًّا بشفاعة القدِّيس شربل، وشهادتها كانت من أبرز المعجزات بعد تقديسه، تُعَدّ علامة على حنوّ الله ومحبّته بين شعبه بشفاعة القدّيس شربل. كلّ 22 من كلّ شهر يُعتبر مناسبة شعبيّة في مزار عنّايا؛ إنها أعجوبة تتكرّر وتستمر، ودعوة إلى الصلاة والتوبة والرجوع إلى الله من خلال القدّيس شربل. وتبرز أهمية المسيرة بالقربان الأقدس من المحبسة إلى الدير، ومعنى الاحتفال بالقدّاس الإلهيّ. وما أجمل ما قاله البابا لاون الرابع عشر في هذا الصَّدَد: “لهذا، يأتي آلاف الحجّاج في الثاني والعشرين من كلِّ شهر، من بلدان مختلفة لقضاء يوم صلاة وتجديد للرُّوح والجسد”.
- المتأمّل في زوّار القدّيس شربل يراهم في كل وقت، ليلًا ونهارًا، أمام تمثاله البرونزي وقبره الأوَّل (1898)، رافعين الدعاء. وإذا تتبّعهم، يجدهم في كنيسة الدير يزورون القربان الأقدس ويستشفعون القدّيس مارون، أو يشاركون رهبان الدير صلاة المسبحة والصلاة الخورسية حسب مواعيدها، ويحتفلون بالقدّاس الإلهيّ، الذي كان قاعدة حياة القدّيس شربل ومحورها. وبعد ذلك، يتّجهون نحو الضريح، قاصدين “القدّيس” صفيّ الله، ملقين أمامه أتعابهم وأحزانهم وأمراضهم وهمومهم وأثقال حياتهم وشجونهم، مستشفعينه بإيمان ورجاء ومحبة. إنّه محبوبهم وشفيعهم، لا يردّ منهم سائلاً ولا يخيب طالِبًا، ماسحًا كلّ دمع من عيونهم.
- بعد زيارة الضريح، يجول الزوّار في متحف القدّيس، حيث تُعرض مجموعة فريدة استعملها القدّيس شربل في حياته، وأدوات لامست جثمانه بعد مماته. ومن ثمّ، يأخذون شموعًا ليضيئوها لأهلهم وأحبابهم، حاملين بركة البخور والزيت وصورته الخاشعة، ويقدّمون النذور، فيحرّقون البخور في بيوتهم تمجيدًا لله وإكرامًا للقدّيس شربل، ويمسحون أجسادهم بالزيت طالبين الشفاء الجسدي والروحي. عند انتهاء زيارتهم، يعُرِجون على مكتبة التذكارات، ويأخذون معهم تذكارًا وهدايا لإشراك الأهل والأصدقاء بنعمة زيارة القدّيس.
- كما بإمكان الزوّار زيارة الكنيسة المبنيّة على اسمه بالقرب من الدير، حيث وُضِع ذخيرة القدّيس تحت المذبح، كما يمكنهم مشاهدة لوحات زجاجية فنية رائعة (شغل الأب عبدو بَدْوي) تمثّل مشاهد من حياة القدّيس شربل، والصعود إلى المحبسة والخلوة فيها للتأمّل والصلاة في جوّ من الخشوع. هذه البقعة المقدّسة تبقى قمة روحيَّة ارتقى إليها القدّيس شربل نحو قمم الروح، حيث اتّحد بالمسيح وعاش حضوره، واغتنى منه وأفاض على الجميع بركات وعطايا.
خاتمة:
بعد أن تحدّثنا عن المزار، يعلّمنا القدّيس شربل الصمت، فهو لم يترك أي أثر مكتوب أو كتابات، ولكنّه بعد مماته أصبح صوتًا صارخًا يدوي في قلوبنا وضمائرنا، هاديًا ومرشدًا إلى الله. يُعلّمنا القدّيس شربل أهميّة إنجاح مشروع الله في حياتنا، وذلك بتوافق دعوتنا مع حالتنا. عرف مار شربل أن يكون قدّيسًا كراهب وكاهن وحبيس، وأن يكون بكليّته لله في محبّة فائقة. أُخذ بالجمال الإلهيّ، فدُعي “سكران بالله”. نحن مدعوّون إلى التشبّه بروحانيّته، وليس بنسكه، وذلك من خلال التفتيش عن الله والتخلّي عن كلّ شيء عابر وزائل. وأهميّة القدّيس شربل تكمن في أنّه أفرغ ذاته من كلّ ما ليس الله؛ فهو مثال الحبّ الكامل لله، والعيش معه وفيه وله.
لقراءة الجزء الأوّل من المقالة، الرجاء النقر على هذا الرابط: