pixabay.com

ما بعد الأنسنة مقابل المسيحية

أولغا نيكولايڤنا شتڤيريكوڤا

Share this Entry

جزء أول
مقدّمة:
أولغا نيكولايڤنا شتڤيريكوڤا ـ كاتبة وباحثة روسية، دكتورا في التاريخ، خريجة معهد موسكو الحكومي الدولي (1983)، أستاذة مشاركة في قسم تاريخ وسياسة الدول الأوروبية والأمريكية. من كتبها: “دكتاتورية المستنيرين، روح الإنسانوية العابرة وأهدافها”. تتركّز أعمالها على التداخل بين الفلسفة والدين والاتجاهات الاجتماعية السياسية العالمية وهي معروفة بإسهاماتها الأكاديمية والعامة في روسيا . لا سيما في نقد الإيديولوجيات العالمية والأسس الفلسفية للحركات التكنوقراطية الحديثة.
في مقابلة لها على قناة Day TV الروسية في برنامج “الجواب الأرثوذكسي” مع الأرشمندريت مكسيم كوليسنيك جرى الحوار التالي:

مكسيم: لطالما سعى الإنسان نحو الكمال. لكن إن كان الكمال في الماضي يعني أولاً الكمال الأخلاقي والكمال الروحي والقداسة، فاليوم يتحرّك مفهوم الكمال في الإتجاه المعاكس. فالمنحى المعاصر هو “تكميل” الجسد البشري (الانسان المزاد H+) والعقل البشري. واليوم يتمّ الترويج لفكرة “ما بعد الأنسنة”POST HUMANISM لتحلّ محلّ الانسنةHUMANISM .
أولاً دعونا نوضح المصطلحات. في القرن العشرين كانت “الانسنة” هي الايديولوجية السائدة. اما اليوم فيروّج ل “ما بعد الانسنة” ولكن ما الذي سيأتي بعد ذلك؟
أولغا: نعلم أنّ الأنسنة نشأت في مواجهة المسيحية. تقول المسيحية أنّ الإنسان خُلق على صورة الله ومثاله. وهدف التعليم الانساني هو الوصول إلى صورة الله، وهدف الحياة الإنسانية هو الخلاص والتألّه. إن عشت مع الله ستنال الخلاص. وهذا يضع الإنسان في مرتبة أخلاقية عالية جدًا. أمّا الانسنة فقد أعلنت أنّ الإنسان هو مركز الكون. وفي الواقع أنكرت وجود الله، واستبدلت الله بالإنسان.
أود أن أشير إلى أنّ الإنسان الطبيعي كان يٌعتبر مخلوقًا كاملاً. عقله الطبيعي وأخلاقه الفطرية، حالته الطبيعية وحقوقه، كانت توضع فوق كلّ شيء. الإنسان قادر على خلق إنسان آخر لأنّه كامل. لذلك أصبحت “حقوق الإنسان” هي المبدأ الأساسي للأخلاق. وكانت كلمة “إنسان” تٌكتب دائماً بحرف كبير في الوثائق.
ولم يشكّك أحد في الإنسان ذاته لا من حيث وجوده ولا من حيث قيمته. لكنّ المرحلة التالية من “الأنسنة” بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين. وفي أواخر التسعينيات أعلنت عن نفسها بقوّة، عندما تأسّست الجمعية العالمية لما بعد الأنسنة Transhumanism
وفي عام 2002 نُشر “إعلان ما بعد الأنسنة”. جاء في الإعلان أنّ الإنسان ليس كاملاً. وأنّ الإنسان ليس إلا مرحلة إنتقالية بين القرد والمخلوق المستقبلي الذي يسمى “ما بعد الإنسان”(يسمّيه فيلسوف ما بعد الأنسنة يوفال هراري “الإنسان الإله” “Homo Deus)
كيف سيكون شكل هذا “ما بعد الإنسان”؟ لا يمكنني حتّى وصفه ك “صورة” بل كمشروع تخيّلي يتمّ تطويره في أيامنا هذه. فالإنسان برأيهم، غير كامل، لأنّ جسده يمرض ويموت. وهوغير كامل لأنّ عقله لا يستطيع أن يستوعب الكون، ولا أن يكتشف الحقيقة المطلقة. إذَا يجب شطب الإنسان. وأقول دائمًا: ما بعد الأنسنة ليس مجرّد مرحلة متقدّمة من الإنسانية بل هو الوجه الإنتحاري لها! إنّه الانتحار الانساني لأنه رغم أنه لا يزال يضع “حقوق الانسان” في الصدارة، فهو في ذات الوقت يعلن أن الطبيعة البشرية يمكن تغييرها كليَا بأيّ شكل. وبذلك يعلن ما بعد الانسنة نهاية عصر الانسانية. ولهذا السبب، لن تجد كلمة “الانسانية” في أي وثيقة حديثة. بل نرى شيئاَ مختلفاَ تماماَ يحلّ محلّها.
يلحظ في الوثائق والكتب المدرسية وسائر الادبيات المعاصرة، لم يعد يشار إلى الانسان ك “كائن بشري”، بل يوصف ب “المورد البشري” أو “الرأس المال البشري”. أصبح الانسان شيئاَ يمكن التأثير عليه وتشكيله. في الواقع، يُنظر الى الانسان على أنّه مجرّد كائن بيولوجي، ابل للتجريب في أيّ مجال. فمن الممكن إجراء تجارب على الجسد البشري. ودراسة الحمض النووي DNA والغوص بشكل أعمق فأعمق بحثَا عن جذور هذا اللغز الجيني. وليس فقط لتغيير الجسد البشري بالكامل. بل لخلق نوع جديد من الكائنات. وأيضًا التعمّق في دراسة الدماغ البشري. ولهذا أصبحت علوم الاعصاب اليوم من أهم مجالات البحث العلمي

Share this Entry

جيزل فرح طربيه

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير