أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،
في إحدى المقطوعات من الكتاب المقدّس التي أصغينا إليها قبل قليل، وصفَ الرّسول بولس نفسه بأنّه “أَصغَرُ الرُّسُل” (1 قورنتس 15، 9). واعتبر نفسه غير مستحقّ لهذا اللقب، لأنّه كان في الماضي مضطهِدًا لكنيسة الله. مع ذلك، لم يكن أسير ذلك الماضي، بل هو الآن “السَّجينَ في الرَّبّ” (أفسس 4، 1). في الواقع، بنعمة الله، عرف الرّبّ يسوع القائم من بين الأموات، الذي تراءى لبطرس، ثمّ للرّسل، ثمّ لمئاتٍ من الذين تبعوا طريقه، وأخيرًا تراءى له هو أيضًا، المُضطهِد (راجع 1 قورنتس 15، 3–8). لقاؤه مع الرّبّ القائم من بين الأموات هو الذي حدّد اهتداءه الذي نحيِي ذكراه اليوم.
أهمّيّة هذا الاهتداء يظهر في تغيير اسمه من شاول إلى بولس. بنعمة الله، الذي كان يومًا من الأيّام يضطهِد يسوع، تحوّل تحوّلًا كاملًا، وصار شاهدًا له. والذي كان يحارب اسم المسيح بضراوة، صار يَعظ الآن بمحبّته بغَيرة متّقدة، كما يعبّر عن ذلك ببلاغة النّشيد الذي ترنّمنا به في بداية هذا الاحتفال (راجع Excelsam Pauli gloriam، 2). وبينما نجتمع اليوم عند رُفات رسول الأمم، نتذكّر أنّ رسالته هي أيضًا رسالة جميع المسيحيّين اليوم: أن يعلنوا المسيح ويدعوا الجميع إلى أن يثقوا به. في الواقع، كلّ لقاء حقيقيّ مع الرّبّ يسوع هو لحظة تحوّل، تمنحنا رؤية جديدة واتّجاهًا جديدًا لنقوم بواجبنا في بناء جسد المسيح (راجع أفسس 4، 12).
أعلن المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، في بداية الدّستور العقائديّ في الكنيسة، الرّغبة الحارّة في إعلان الإنجيل لكلّ الخليقة (راجع مرقس 16، 15)، لكي “يستنير جميع النّاس بنور المسيح المتألّق على وجه الكنيسة” (دستور عقائدي في الكنيسة، نور الأمم، 1). إنّه واجبٌ مشترك على جميع المسيحيّين أن يقولوا للعالم، بتواضع وفرح: “انظروا إلى المسيح! اقتربوا منه! اقبلوا كلمته التي تُنير وتُعزّي!” (عظة قداسة البابا لاوُن الرَّابع عشر في القدّاس الإلهيّ في بداية حبريّته، 18 أيّار/مايو 2025). أيّها الأعزّاء، أسبوع الصّلاة من أجل وَحدة المسيحيّين يدعونا كلّ سنة إلى أن نجدّد التزامنا المشترك بهذه الرّسالة الكبيرة، ونحن نُدرك أنّ الانقسامات في ما بيننا، وإن كانت لا تمنع نور المسيح من أن يَسطَع، فإنّها مع ذلك تجعل الوجه الذي يجب أن يسطع نوره في العالم أقلّ صفاءً.
احتفلنا في السّنة الماضية بذكرى ألف وسبع مائة سنة على انعقاد مجمع نيقية. وقد دعانا قداسة البطريرك المسكونيّ برثلماوس إلى أن نحتفل في هذه الذّكرى في إزنيق، وأشكر الله لأنّه كان تمثيل تقاليد مسيحيّة عديدة في هذا الاحتفال، قبل شهرين. كانت تلاوتنا معًا لقانون الإيمان النّيقاويّ، في المكان نفسه الذي أُعدَّ فيه، شهادة ثمينة ولا تُنسى لوَحدتنا في المسيح. سَمَحَ لنا هذا اللقاء الأخويّ أيضًا بأن نمجّد الرّبّ يسوع على ما صنعه في آباء نيقية، فساعدهم على أن يعبّروا بوضوح عن حقيقة إلهٍ اقترب إلينا والتقى بنا في يسوع المسيح. ليجد الرّوح القدس فينا، اليوم أيضًا، عقلًا مطيعًا لكي نُعلن الإيمان بصوتٍ واحد لرجال ونساء عصرنا!
في المقطع من الرّسالة إلى أهل أفسس الذي تمّ اختياره موضوعًا لأسبوع الصّلاة لهذه السّنة، نسمع تكرارًا لفظة ”واحد“: جسد واحد، وروح واحد، ورجاء واحد، وربّ واحد، وإيمان واحد، ومعموديّة واحدة، وإله واحد (راجع أفسس 4، 4–6). أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، كيف يمكن ألّا تمسّنا هذه الكلمات المُلهِمة في أعماقنا؟ وكيف يمكن ألّا يتّقد قلبنا عند سماعها؟ نعم، نحن “نتشارك في الإيمان بالإله الواحد، أبي جميع البشر، ونعترف معًا بالرّبّ الواحد، ابن الله الحقّ يسوع المسيح، وبالرّوح القدس الواحد، الذي يُلهمنا ويدفعنا إلى الوَحدة والشّركة الكاملة وإلى شهادة الإنجيل المشتركة” (رسالة بابويّة، في وَحدة الإيمان، 12). نحن واحد! ونحن كذلك! لنعترف بذلك، ولنختبر ذلك، ولنُظهِر ذلك!
لاحظ سلفي المحبوب، البابا فرنسيس، أنّ مسيرة الكنيسة الكاثوليكيّة السّينوديّة “هي ويجب أن تكون مسكونيّة، كما أنّ المسيرة المسكونيّة هي سينوديّة” (كلمة إلى قداسة البطريرك مار آوا الثاّلث، 19 تشرين الثّاني/نوفمبر 2022). ظهر ذلك في الجَمعيَّتَين السّابقتَين لسينودس الأساقفة سنة 2023 و2024، اللتَين تميّزتا بغَيرة وحماسة مسكونيّة عميقة، وأثرتهما مشاركة الإخوة المندوبين الكثيرين. أعتقد أنّ هذا طريق للنموّ معًا في فهمنا المتبادل لهيكليّاتنا وتقاليدنا السّينوديّة. بينما ننظر إلى ذكرى الألفيّة الثّانية لآلام الرّبّ يسوع وموته وقيامته من بين الأموات في سنة 2033، لنلتزم في أن نطوّر ممارساتنا السّينوديّة والمسكونيّة، ونتواصل في ما بيننا: ما نحن، وما نقوم به، وما نعلّمه (راجع من أجل كنيسة سينوديّة، 137–138).
أيّها الأعزّاء، ومع اقتراب ختام أسبوع الصّلاة من أجل وَحدة المسيحيّين، أوجّه تحيّتي الحارّة إلى الكاردينال كوُرت كوخ (Kurt Koch)، وإلى الأعضاء والمستشارين والموظّفين في الدّائرة لتعزيز وَحدة المسيحيّين، وإلى أعضاء الحوارات اللاهوتيّة وسائر المبادرات التي ترعاها الدّائرة. أنا شاكرٌ لحضور القادة والممثّلين العديدين عن الكنائس والجماعات المسيحيّة في العالم في هذه الليتورجيّا، ولا سيّما المتروبوليت بوليكاربوس (Polykarpos) من البطريركيّة المسكونيّة، ورئيس الأساقفة المطران خاجاغ بارسميان (Khajag Barsamian) من الكنيسة الرّسوليّة الأرمنيّة، والأسقف أنطوني بول (Anthony Ball) من الشّركة الأنجليكانيّة. كما أحيّي الطّلاب الحاصلين من الدّائرة لتعزيز وَحدة المسيحيّين، على منح دراسيّة من لجنة التّعاون الثّقافيّ مع الكنائس الأرثوذكسيّة والكنائس الأرثوذكسيّة الشّرقيّة، وطلّاب المعهد المسكونيّ في بوسيه (Bossey) التّابع لمجلس الكنائس المسكونيّ، والمجموعات المسكونيّة والحجّاج المشاركين في هذا الاحتفال.
أعدّت الكنائس في أرمينيا كلّ ما يلزم لأسبوع الصّلاة من أجل وَحدة المسيحيّين لهذه السّنة. وبشكر عميق، نتذكّر الشّهادة المسيحيّة الشّجاعة التي قدّمها الشّعب الأرمنيّ عبر التّاريخ، وكان الاستشهاد في تاريخه ميزة وسمةً ثابتة. وفي ختام أسبوع الصّلاة هذا، نذكر القدّيس الكاثوليكوس نرسيس شنورهالي (Nersès Šnorhali) ”الرّؤوف“، الذي عمل في القرن الثّاني عشر من أجل وَحدة الكنيسة. وقد سبق عصره وأدرك أنّ السّعي إلى الوَحدة هو مهمّة جميع المؤمنين، ويتطلّب شفاء الذّاكرة. ويمكن للقدّيس نرسيس أن يعلِّمنا أيضًا الموقف الذي يجب أن نعتمده في مسيرتنا المسكونيّة، كما ذكّر سلفي الموقّر القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني: “يجب أن يكون لدى المسيحيّين اقتناع داخليّ عميق بأنّ الوَحدة ضروريّة لا لمنفعة استراتيجيّة أو مكسب سياسيّ، بل من أجل البشارة بالإنجيل” (عظة في الاحتفال المسكونيّ، يريفان، 26 أيلول/سبتمبر 2001).
التّقاليد تنقل إلينا شهادة أرمينيا باعتبارها أوّل أمّة مسيحيّة، مع معموديّة الملك تيريداتس (Tiridate) سنة 301 على يد القدّيس غريغوريوس المنوِّر. لنشكر الله على أنّ شعوب أوروبا الشّرقيّة والغربيّة قبلت الإيمان بيسوع المسيح بفضل مبشّرين بكلمة الخلاص جسورين. ولنصلِّ لكي تواصل بذور الإنجيل، في هذه القارّة، في إعطاء ثمرًا من الوَحدة والعدالة والقداسة، لما فيه خير السّلام بين الشّعوب والأمم في العالم أجمع.
***********
© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026
Copyright © دائرة الاتصالات – Libreria Editrice Vaticana
