ترجمة ألين كنعان إيليا
مارِيليس ديلغادو هي شابة وُلدت في كوبا في ظلّ النظام الشيوعي الصارم، في كنف عائلة لا تنتمي إلى أيّ ديانة ولا تمارس أيّ شعائر دينية. وفي مقابلة أجراها معها ميغيل أنخل إيدروغو، وهو يوتيوبر كاثوليكي يشارك قصص اهتداء، تقول مارِيليس بإنّها لم تتعلّم في بيتها شيئًا عن الله أو يسوع أو الإيمان، ولا حتى في المدرسة. لكنها تتذكّر أنّها حين كانت تشعر بالوحدة أو الحزن، وتجهل سبب ذلك، كانت ترفع نظرها إلى السماء وتقول بإنّه يوجد شيء ما يتجاوز العالم المنظور ويراقبها ويحميها.
ترعرعت على هذا الفكر بدون أيّ قناعات دينية، إنما برغبة صادقة في أن تكون إنسانة صالحة مما دفعها إلى دراسة الطب لمساعدة الآخرين وبناء حياة أفضل. غير أنّه بعد تخرّجها في العام 2019 وبدء عملها، اجتاحت جائحة كوفيد العالم، فدخلت في مرحلة صعبة جدًا. وسرعان ما ثقُلت حالتها النفسيّة بسبب ازدياد المشاكل في البلاد فقرّرت مغادرة كوبا سرًّا والبحث عن فرص أفضل في الولايات المتحدة الأمريكيّة. وتقول مارِيليس في هذا السياق: “كان عبور الحدود أشبه بالخروج من سجن والتنعّم بالحرية أخيرًا”.
مرّت بدول عديدة مثل نيكاراغوا، غواتيمالا، والمكسيك قبل أن تصل إلى الولايات المتحدة. وفي نيكاراغوا واجهت الصعوبات… ومع ذلك، تقول بإنها شعرت بالحماية ولم تعرف الخوف. وخلال الرحلة سمعت للمرة الأولى عن “الربّ” فقد اقترب منها رجل وروى لها كيف غيّر الرب حياته، فأبعده عن طرق الخطيئة وأعاده إلى الطريق الصحيح. عندها فكّرت مارِيليس أنّ هذا هو ربما الربّ الذي كان يراقبها دائمًا، وبدأت تشكره على حمايته مذ ذاك الحين.
عند وصولها إلى الولايات المتحدة، استقبلتها صديقة لشقيقتها، ثم احتضنتها لاحقًا عائلات مسيحية وكاثوليكية عديدة، ومعها تعرّفت أكثر إلى الكتاب المقدّس والمسيحية، وهو عالم جديد كليًا بالنسبة إليها. أُعجبت بذلك وبدأت تدرس الكتاب المقدّس بجدّ وكدّ. وبفضل دعم تلك العائلات، عادت إلى متابعة دراستها الطبية لمعادلة شهادتها والتمكّن من ممارسة مهنتها.
وأثناء ذلك الوقت، طرح عليها صديق مسيحي، كان يدرس تاريخ القرون الأولى للمسيحية، سؤالًا مفصليًا: “إن كان روح الله واحدًا كما يقول الكتاب المقدس، فكيف يوجد طوائف مسيحية كثيرة؟” فقرّرا معًا البحث عن الحقيقة من خلال الرجوع إلى كتابات المسيحيين الأوائل لمعرفة كيف عاشوا الإيمان وكيف فهموه.
وخلال البحث، اكتشفا أمورًا صادمة: أنّ بطرس نفسه قال إنّ كتابات بولس صعبة الفهم؛ وأنّ الاحتفال بالقداس في الجماعات المسيحية الأولى كان أشبه بالليتورجيا الكاثوليكية اليوم؛ وأنّ الإيمان بالحضور الحقيقي ليسوع في الإفخارستيا لم يكن موضع خلاف لأكثر من خمسة قرون.
وفي مكان عملها، تعرّفت مارِيليس إلى امرأة أثّرت فيها بعمق، فكانت تشعر بأنها تمتلك أمرًا لا تستطيع تحديده، لكنها تتوق إليه: تواضعها وبساطتها ولطفها… كلّ هذه الصفات كانت آسرة بالنسبة إليها. وعندما اكتشفت أنها كاثوليكية، بعد أن كانت قد شكّكت بها في البداية، أدركت أنّ ليس كل الكاثوليك كما كانت تعرفهم أو كما صُوِّروا لها في الجماعة التي كانت ترتادها.
بدأت عندئذٍ البحث في تعليم الكنيسة حول مواضيع غالبًا ما تثير خلافًا مع الجماعات البروتستانتية: القديسون، الأسرار، الصور، دور مريم، وغيرها. وأخيرًا، قرّرت أن تخبر العائلة البروتستانتية التي كانت تعيش معها، بأنها تكتشف أمورًا تقنعها بأنّ الكنيسة الكاثوليكية هي الكنيسة التي أسّسها يسوع. فأجابوها بأنهم سيصلّون لكي يرشدها الله من جديد ويحفظها من الهلاك.
في تلك الأثناء، قال لها خطيبها، الذي كان رفيقها في البحث عن الحقيقة: “يا ماري، لنزُر الكنيسة الكاثوليكية ولنكتشف ماذا نجد هناك”… وما أن وصلت حتى انبهرت بخشوع الناس أمام المسيح، ولاحظت كيف كان الجميع يركعون، أدركت خلال القداس أنّ العبادة موجّهة إلى الله، وهو ما ناقض فكرة الوثنية التي كانت تحملها.
وفي خلال الاحتفال، سمعت الكاهن يقول: “طوبى للذين يشتركون في هذه الذبيحة”، ففكّرت: “أريد أن أكون أنا جزءًا من هذه الذبيحة”. وتوضح: “في ذلك اليوم انفطر قلبي. أنا متكبّرة، الربّ قريب من منكسري القلوب”.
بعد ذلك، شاركت خبرتها مع العائلة التي احتضنتها، والتي هي بدورها تكنّ لها كلّ التقدير بسبب المحبة والعناية التي قدّماها لها. لكن عندما عبّرت عن اقتناعها بأنّ الكنيسة الكاثوليكيّة تحمل الحقيقة وأنّ الله يدعوها، طلبوا منها مغادرة المنزل على الفور.
ومنذ ذلك الحين، تواصل تعميق إيمانها. بدأت ترتاد الكنيسة أيام الخميس والأحد. وتزوّجت خطيبها، وتؤكّد قائلة: “الكنيسة الكاثوليكية غيّرت حياتي. أدركت أنّ هويّتي ليست في شهادتي الطبية، ولا في كوني جميلة أو قبيحة، ولا في كوني كوبية أو أمريكية؛ هويتي هي في المسيح. تزوّجت وأنا منفتحة على الحياة. أعلم أنّ القداسة ممكنة. أريد أن أعيش تحت نعمة الرب الذي يرحمني ويساعدني على الدوام”.
