Patriarches Moyen-Orient © Vatican Media

كيف يكون المسيحيّ رسولاً في الشرق الأوسط؟

إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم

Share this Entry

ترجمة ألين كنعان إيليّا

“إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (متى 28: 19) إنها رسالة كلّ مسيحي أينما ذهب في العالم، وهو مدعوّ إلى عيشها بطرق مختلفة وبحسب ظروف متنوّعة بحسب كلمات المسيح: “أنتم ملح الأرض… أنتم نور العالم” (متى 5: 13 – 14)

الأرض والعالم — ولكن دائمًا من خلال التجذّر في أرضٍ محدّدة (راجع يوحنا 12: 24)، حتى بذل الذات من أجل الذين يسكنون تلك الأرض، سواء كانوا غرباء أم مواطنين. فالتلميذ يحمل في داخله اللقبين معًا، كما يقول صاحب الرسالة إلى ديوغنيتوس: على المسيحي أن يُتمّم كلّ واجبات المجتمع الذي يعيش فيه كمواطن، ومع ذلك يبقى غريبًا عنه.

عمّال في حقل الوحدة في التنوّع

نعيش في الشرق بين مواطنين وغرباء من ثقافات وأديان مختلفة، في بلدان رُسمت حدودها على يد قوى غربية، وحيث تستخدم بعض الإيديولوجيات الدين ذريعةً لإساءة معاملة الآخرين — مستندةً إلى القرآن أو التوراة — متغاضيةً عن ميثاق حقوق الإنسان. نحن جميعنا في القارب نفسه، لكن لا يرغب بعضنا في متابعة المسير مع الآخرين، بل يفضّل معاملتهم كأشياء بلا كرامة أو حقوق.

كيف يمكن أن يكون الإنسان شاهدًا للسلام في عالم منقسم، حيث يُنظَر إلى البعض على أنهم أدنى منزلة وغير مستحقين؟ كيف يمكن التنديد بالظلم من دون الوقوع في الصراع؟ وكيف يمكن الانخراط في النزاعات وأن نبقى مع ذلك صانعي سلام؟ هذا لا يعني البقاء على الحياد أو السلبية، بل رفض الانجرار وراء منطق الهيمنة، والعمل في سبيل العدالة من خلال التسلّح بالحق، والتضامن، واللاعنف.

اتخاذ المكان الأخير، مكان الخادم، هو دعوة ملحّة للمساهمة في ولادة ذهنية جديدة، أكثر إنسانية وعدلًا، على مثال الأخ شارل دي فوكو، الذي رفض العبودية، وعمل على جمع تقاليد الطوارق، وقدّم المشورة لزعمائهم، فلا ينبغي للمسيحيين أن يلتزموا الصمت أمام الظلم.

لقد ندّد يسوع بالرياء والاضطهاد والعنف، لكنه قام بذلك من دون كراهية، ومن دون السعي إلى السلطة، بل دفاعًا عن الأصغر والأضعف على الدوام. إنّ المسيحيين هم مدعوون ليكونوا شهودًا أحياء للإنجيل ضمن سياقات غالبًا ما تتّسم بالتنوّع الديني والثقافي، وأحيانًا بالتوتر. يدلّ حضورهم على أنّ المسيحية لا تزال متجذّرة حيث نشأت.

صانعو سلام وحوار
لدى المسيحيين رسالة حيوية في الحوار بين الأديان وبناء السلام، فالتاريخ شاهد على حساسيّتهم الفريدة في بناء الجسور عوض الجدران. والروح القدس هو مصدر الوحدة في التنوّع — إذ يوقظ فينا الدعوة إلى الوحدة والتوبة والرجاء وسط الأزمات العديدة التي تعيشها المنطقة. يدفع الروح بالكنيسة إلى استقبال كلمة الله، وإعلانها، والعيش في رجاء لا يُخيّب، أساسه محبة الله المنسكبة في قلوبنا (راجع رو 5: 5؛ يوحنا بولس الثاني، الإرشاد الرسولي “رجاء جديد للبنان”، أيار 1997).

حمل رسالة نبوية

تذكّر شهادة المسيحيين في الشرق الأوسط الكنيسة الجامعة بأهمية التجسّد في كل ثقافة، والأمانة وسط الاضطهاد، والشجاعة في الرجاء. إنها رسالة متواضعة لكنها أساسية: الخدمة، الصمود، الرجاء والمحبّة.

تُعاش هذه الرسالة وسط التنوّع وفي منطقة نزاعات:

  • لا يبتعدون عن الصراع — بل يزرعون السلام في داخله. وهذه رسالة بحد ذاتها.
  • يعيش مسيحيو الشرق الأوسط في قلب تنوّع ديني وثقافي ولغوي، غالبًا ضمن سياقات عنف وتوتر وانقسام. حضورهم بحد ذاته دعوة إلى الأخوّة.
  • رفض الكراهية والانتقام: هم مدعوون إلى كسر دوامة العنف، والغفران، وبناء السلام عكس تيار القوة والانتقام.
  • أن يكونوا خميرة وحدة في عالم متشظٍ: من واجبهم تذكير الجميع بأنّ الإيمان المسيحي لا يسعى إلى الهيمنة بل إلى الخدمة، خصوصًا في الأماكن المجروحة.
  • التزام متجذّر في الصلاة: وهذا ما يميّز النضال المسيحي عن غيره، فهو لا ينطلق من الغضب، بل من الإصغاء — إلى الله وإلى المتألّمين — للتنديد بالظلم من دون الوقوع في صراع داخلي أو روح انتقام. لهذا الإصغاء نبرة صحيحة: حازمة ولكن متواضعة.

الأب يوسف عسّاف
أبرشية بيروت المارونية
كاهن من رهبنة البرادو ومرافق سابق لأخوّة شارل دي فوكو العلمانيّة في لبنان

Share this Entry

فريق زينيت

ألين كنعان إيليا، مُترجمة ومديرة تحرير القسم العربي في وكالة زينيت. حائزة على شهادة تعليمية في الترجمة وعلى دبلوم دراسات عليا متخصّصة في الترجمة من الجامعة اللّبنانية. حائزة على شهادة الثقافة الدينية العُليا من معهد التثقيف الديني العالي. مُترجمة محلَّفة لدى المحاكم. تتقن اللّغة الإيطاليّة

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير