لقَد دَرَجَت العادَة، كُلَّمَا تَأمَّلنَا بِسيرَة القِدّيس مارون، أن نُورِدَ وَنَدرُسَ أقوال وَشَهادات آباء الكَنيسَة (مثل القدّيس يوحنّا الذّهَبي الفَم، أو القِدّيس تيوضوريطوس القورشي) التي أعطَتنا مَعلومات مَحدودَة وَقَليلَة عَن هذا القِدّيس العَظيم، الذي جَعَلَ مِن روحَانِيَّتِهِ –رُبَّما دونَ قَصد- طَريقَ قَداسَةٍ وَنَهجَ رِسَالَةٍ وَإسْمًا مَسيحيًّا نَيِّرًا في رِحابِ شَرقِنَا الذي تَألَّمَ كَثيرًا وَلا يَزَال. وَلَكِنَّنَا اليَوم، سَنَتَكَلَّم عَن مَار مارون الحاضِر في كِتابات مُفَكِّرينَ أقرَب إلى أيَّامِنَا، عاصَرُوا الصُعوبات الحاضِرَة لِكَنيسَتِنَا، وَتَمَسَّكوا بِنَهْجِ أبينَا القِدّيسِ مَارونَ، مُتَخَطِّينَ –على مثالِهِ- كُلّ شَيءٍ، لِمَجدِ الله، وللحِفاظ على هُوِيّتنا المَسيحيَّة في شَرقٍ صَارت فيهِ الشَّهادَةُ للمَسيح اسْتِشهادٌ يَوْمِيّ.
أوّلاً: مار مارون عند الطوباوي البطريرك اسطفان الدويهي: إيمَانٌ وَسِيرَة.
يَرَى الطوباوي البَطرِيَرْك اسطفان الدّوَيهي (إنطِلاقًا من كِتَابِهِ “تاريخ الأزمِنَة”) في مار مارون الأبَ الذي أسَّسَ المَوَارِنَةَ روحِيًّا، وَالمَرجِعَ الذي مِنهُ استَمَدَّتِ الجَمَاعَةُ المارونِيَّة هُوِيَّتَها الإيمانِيَّةِ وَثَبَاتِهَا العَقَائِدِيّ؛ فيقولُ فيه: «مار مارون هُوَ أبُونَا وَمُعَلِّمُنَا، وَمِن نُسكِهِ وتَعليمِهِ انبَثَقَت جماعتُنَا المارونية، فَحَمَلْنَا اسمَهُ إيمانًا وَسِيرَةً، لا مُجَرَّدَ انْتِسَاب». فَمَار مارون عند الطُّوبَاوي الدّوَيهي ليسَ مُجَرَّد نَاسِك، بل أصلُ تَقْلِيدٍ حَيّ انتَقَلَ مِنَ المُعَلِّم إلى تَلامِيْذِهِ، ثُمَّ إلى جَمَاعَةٍ كَنَسِيَّةٍ مُتَمَاسِكَة. وَيُؤَكِّد الدّوَيهي قائلاً: «حَفِظَ أبنَاءُ مار مارون الإيمَانَ المُستَقِيم كَمَا تَسَلَّمُوهُ مِن آبائِهِم، غَيْرَ مَائِلِينَ إلى بِدْعَةٍ، ولا خَاضِعِينَ لِتَهْدِيدٍ أو إغْرَاء»… في ذلِكَ يَربُط الدوَيهي بَيْنَ مار مارون والأمانَة للإيمانِ القَوِيم، مُعتَبرًا أن الموارِنَة حافَظُوا على هذا الإيمَانِ وَسَط الإضطِهَادَاتِ بِفَضْلِ الرُّوح التي ورثوها عنه. لذلك، يقدّم الدويهي مار مارون كَحَلَقَة وَصل بينَ القَدَاسَةِ الفَردِيَّةِ والتارِيخِ الجَمَاعِي للكَنِيسَةِ المَارُونِيَّة، «وَلَم يَنْقَطِعْ ذِكْر مار مارون مِن أفْوَاهِ المَوَارِنَة، لأنَّ سِيْرَتَهُ بَقِيَت نَامُوسًا لَهُم، وَنُسْكَهُ دُسْتُورًا لِحَيَاتِهِمْ». فَمَا هُوَ هذا الدُّستُور الذي أشارَ إلَيْهِ الطوباويّ الدوَيهي؟ لِنَقرَأهُ في فِكرِ المُونسينيور ميشال حايك…
ثانِيًا: مار مارون في فكر المونسينيور ميشال حايك: دُستُورُ الحُريَّة.
إنَّ المونسينيور ميشال حايك، يَتَجَاوَزُ القِرَاءَةَ التَّارِيخِيَّة ليُقَدِّمَ مار مارون كَرَمْزٍ وُجُوْدِيٍّ وَلاهُوْتِيٍّ للحُرِّيَّة: «مَار مَارُون لَمْ يَكُن هَارِبًا مِنَ العَالَم، بَل شَاهِدًا عَلَى حُرِّيَّةِ الإنْسَانِ أمَامَ الله. اعْتَزَلَ لِيَكُوْنَ أكْثَرَ حُضُورًا، وَصَمَتَ لِيَصِيْرَ صوته أقوى من الضجيج». فمار مارُون عِنْدَهُ لَيْسَ مُؤَسِّس لِمُؤَسَّسَة، بل مُؤَسِّسٌ لـِ«مُنَاخٍ رُوحِيٍّ» يَقُوْمُ على التَّجَرُّدِ، والوُقُوْفِ الحُرِّ أمَامَ اللهِ، والشَّهَادَة في قَلْبِ العَالَمِ: «مار مارون ليسَ مُؤَسِّسَ حِزبٍ وَلا نِظَامٍ، بل مُؤَسِّسَ مُناخٍ رُوحِيٍّ، فيهِ يُرَبّى الإنسان على الوُقوفِ عَاريًا -إلا مِنْ إيْمَانِهِ- أمَامَ الله»! يُفَسّرُ حايك النُّسْكَ الماروني كَفِعْلِ مُقَاوَمَةٍ رُوحِيَّةٍ، لا كَهُرُوْبٍ مِنَ الواقِعِ، وَيَرَى في مار مارون صورَةَ الكَنِيْسَةِ التي لا تَمْلِكُ إلا الإنجيل: «الكَنِيسَة المَارُوْنِيَّة، على مِثَالِ مار مارون، لا تَسْكُنُ الأرضَ كَمَالِكَةٍ، بَل تَعبُرهَا كَشَاهِدَة، جُذُورُهَا في السَّمَاءِ، وأقدامُهَا على صُخُورِ هذا الشَّرق»؛ لِذلِكَ، فَإنَّ «مار مارون هُوَ جَوَابُ الشَّرقِ على القَهْرِ: إنسانٌ لا يَمْلِكُ شَيئًا، فَلا يستطيعُ أحَدٌ أنْ يَسِلُبَهُ ذاتَهُ»! من هنا، يُصبِحُ دُستُور المَارونِيّ دَعوَةً مَفتوحَةً إلى الحُرِّيَّةِ والصِّدقِ، لا هُوِيّة مُنْغَلِقَة أو امتيازًا تاريخيًا: «قداسة مار مارون لم تُحجَب بِسُورِ دَيْرٍ، ولا حُبِسَت في طَقسٍ، بل تُرِكَتْ مَفْتُوْحَةً لِيَعْبُرَها كل من تَجَرَّأَ على الحُرِّيَّة».
ثالِثًا: مُقاربة الأب يواكيم مبارك النقدية في مار مارون: قَدَاسَةٌ سَبَّاقَة.
يَتَناوَل الأب يُوَاكيم مبارك مار مارون بِمَنْهَجٍ تاريخي–لاهوتي نَقدِيّ، مُمَيّزًا بينَ المُعْطَى التَّارِيْخِي المَحدُود والتَطَوُّر التَّقلِيدِي اللاَّحِق. يُؤَكِّد أنَّ مَعْرِفَتَنَا بمار مارون تَستَنِدُ أساسًا إلى شَهادَة تيوضوريتوس القورشي، وأن ما عَدَا ذلِكَ هُوَ بنَاءٌ كَنَسِيٌّ وروحِيٌّ مَشروعٌ، شَرطَ عَدَمِ تَحويلِهِ إلى أُسطُوْرَةٍ أو أَدَاةٍ أيديولوجِيَّةٍ. يَرَى مبارك أن مار مارون هو المَرجَع الرُّوحِي الأوَّل للمارونِيَّةِ وَمُؤَسِّسِها الرُّوحِي، وَلَيسَ مؤسسها الهَيكَلي البُنيَوي، وأن قداسة مار مارون تكمُنُ في الأَثَرِ الذي أطلَقَهُ أكثر مِمَّا تَكمُن في التَّفاصِيلِ التاريخِيَّةِ عَنْهُ. لِذلِكَ يُؤَكِّد الأب مبارك بِأنَّهُ لا يَجوزُ تَحويل مار مارون إلى شِعارٍ سِياسِيّ أو أداة لِهُوِيَّة مُغلَقَة، لأنَّ قَدَاسَةَ النُّسَّاكِ تَسْبِق الأُمَم وَلا تُختَزَل بِهَا.
رابِعًا: رِسالَة القِدّيس مَارون في كِتَابات الدّكتور ميشال البرَيدي: رِسالَةٌ مُتَجَذِّرَة.
يُورِد البرَيدي في مَقالَتِهِ “المَوارِنَة طَارِئون، فَمَن تَبَقَّى أصيلا؟” تَعليقًا عَن رِسالَة الرُّهبان وَالنُّسَّاك في فينيقيا التّاريخيَّة -التي كَانَت تَمتَدّ مِن نَوَاحي حلب وأنطاكيا وَاللاذقِيَّة إلى سَواحِل صَيدَا وَصور مَعَ الجِبال التي تُقابِلُهَا- كَتَبَهُ القِدّيس يوحَنَّا الذَّهَبِيّ الفَم إلى رُهبانٍ وَنُسَّاكٍ كَثيرين، بِعَدَم التَّخَلّي عَن الرِّسالَة التي يَقومونَ فيها في هذه المنطَقَة لَو مَهمَ بَلَغَتِ الصُّعوبات وَالتَّضحِيَات. وَفي أهَمّ هذه الرَّسائل، تِلكَ التي وَجّهَهَا إلى القِدّيس مَارون “مُتَوَسِّلاً رِضاه، طَالِبًا دُعَاه، كَمَن يَطلُبُ مِن أبٍ وَقورٍ على ابنٍ وَدود”. كُلّ ذلِكَ يُثبِت بِأنَّ رِسالَة حَمل كَلِمَة الله وَالبِشارَةِ بِها في تلكَ النَّواحي قامَت على أكتَاف النُّسّاك الذينَ تَرَبُّوا على نَهجِ مَارون النَّاسِك. لِذلِكَ، أطلَقَ أعدَاء الشَّعب (الذي صَارَ مَسيحيًّا) عَلَيهِ أسم “المَوارِنَة” بِهَدَف التَّحقِير على الأرجَح، إلاَّ أنَّ هذا الشَّعب حَمَلَ هذه التَّسمِيَةَ افْتِخارًا بِنَهْجِ قَدَاسَةٍ وَبِقُوَّةِ رِسالَةٍ لَم تَنطَفِئ يَومًا. لِذلِكَ، يَبقَى القِدِّيس مَارون بالنِّسبَةِ للبرَيدي حَدَثًا روحِيًّا مُنَشِّئًا لِمَسَارٍ إنْسَانِيٍّ وَجَمَاعي. صَحيحٌ أنَّنَا لا نَملِك وَقَائِع تَاريخيَّة وَاضِحَةُ المَعالِم، وَلَكِنَّنَا نَلمُسُ إلى يَوْمِنَا هذا أثَرًا لا يُمحَى، وَهذا الأثَر يَسبِق الهُوِيَّات السِّياسِيَّة وَالثَّقافِيَّة.
لِذلِكَ:
يُشَدِّد الطُّوباوي البَطريرك اسطفان الدوَيهي على أنَّ نُسكَ القِدّيس مارون هُوَ دُسْتُور حَيَاتِنَا.
وَالمُنسينيور ميشال حَايِك على أنَّ دُستُور المَارونِيّ هُوَ نُسكُ القِدّيس مارون القائم على: الحُريَّة حيثُ لا يَجرُؤ الآخَرون، التَّجَذُّر في السَّماء، وَالنُّموّ في الشَّرق، ومُوَاجَهَة آلام الشَّرق بِالتَّجَرُّدِ مِن كُلّ شَيء وَالتَّعَرِّي من كُلِّ مَا يُسلَب. دُستُورُنَا هُوَ أن نَتَخَلَّى عَن كُلِّ شَيء، لِنَربَحَ كُلَّ شَيء.
أمَّا الأب يواكيم مبارَك فَيُؤَكِّد أنَّ تَسييس مار مارون، وَجَعل نَهجه شِعارًا سِياسِيًّا وَهُوِيَّةً مُغلَقَة هُوَ مَا يُشبِهُ الخِيانَة؛ لأنَّ ما تَقولُهُ القَدَاسَة هُوَ غَير مَا يَرَاهُ العالَم.
وَمَعَ الدّكتور ميشال البرَيدي فَهِمنَا أنَّ قَداسَةَ مارون تَكمُنُ في انفِتَاحِهَا على الآخَر، وَفي قُدرَتِهَا على إنْتَاجِ مَعْنًى إنسَاني وَكَنَسِي مُتَجَدِّد. هكَذا تُصبِحُ المَارونِيَّةُ عِندَ البرَيدي إسْتِمرارًا تاريخيًّا وَخَيارًا روحِيًّا أخَذَهُ مَارونُ أوَّلاً وَكُلّ مَن حَمَلَ رِسالَتَهُ ثانِيًا: خَيار الحُرِّيَّة، وَالشَّهادَة، وَالعَيش الدَّائِم بَيْنَ السَّماءِ وَالأرض (ولَيسَ بَينَ الأرضِ وَالسَّماء).
فَأينَ نحنُ مِن قَدَاسَةِ وَمِن نُسكِ وَمِن حُرِّيَّةِ وَمِن نَهجِ مَارون؟ أينَ نحنُ مِن صَرخَة وَشَهادَة وَمَوقِف مارون في هذا الشَّرقِ الجَريح؟
المقال منشور أيضًا على موقع القبيات: https://www.kobayat.org/data/documents/nashrat-el-ahad/2025-2026/19.mar%20maroun_9feb2026.html?fbclid=IwY2xjawP2uwlleHRuA2FlbQIxMABicmlkETFsbkhzaHB1Vkd3OVFJeUtCc3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHhWC9mDb5-OFrLHpx55sBjT7hmxTLBeQk8Oq0hSQlpJrGdaeEyAV6nCGr3aw_aem_ihbSpEOe8IoAYF6jF8IBUg
