Vatican media

الإصغاء والصّوم… الزمن الأربعينيّ زمن التوبة

رسالة البابا لاون الرابع عشر في زمن الصوم

Share this Entry

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء!

الزّمن الأربعينيّ هو الزّمن الذي فيه تدعونا الكنيسة، بعنايتها الوالديّة، إلى أن نَضع من جديد سرّ الله في مركز حياتنا، لكي يستعيد إيمانُنا اندفاعه، ولا يَضيع قلبنا بين هموم حياتنا اليوميّة وملهياتها.

كلّ مسيرة توبة تبدأ عندما نسمح لكلمة الله بأن تبلغ إلينا ونقبلها بروحٍ وديعة. يوجد رباط بين عطيّة كلمة الله، ومقدار قبولها من قبلنا، والتّغيُّر الذي تُحدثه فينا. بهذا تصير مسيرة الزّمن الأربعينيّ مناسبةً ملائمة للإصغاء إلى صوت الرّبّ يسوع، فنجدّد قرارنا باتّباعه، ونسير معه في الطّريق الصّاعد إلى أورشليم، حيث تمّ سرّ آلامه وموته وقيامته من بين الأموات.

 

الإصغاء

أودّ هذه السّنة أن أُلفت الانتباه، أوّلًا، إلى أهمّيّة إفساح المجال لكلمة الله بالإصغاء، لأنّ الاستعداد للإصغاء هي العلامة الأولى التي بها نُبَيِّن رغبتنا في الدّخول في علاقة مع الآخر.

الله نفسه، الذي ظهر لموسى في العلّيقة المشتعلة، بَيَّنَ أنّ الإصغاء هو سمة مميّزة فيه تعالى: “إِنّي قد رَأَيتُ مذَلَّةَ شَعْبي الَّذي بِمِصْر، وسَمِعتُ صُراخَه” (خروج 3، 7). الإصغاء إلى صراخ المظلومين هو بداية تاريخ تحرّر، وقد أشرك الله فيه موسى أيضًا، فأرسله ليفتح طريق الخلاص لأبنائه الخاضعين للعبوديّة.

إنّه إلهٌ يُشرك الآخرين، وهو يبلغ إلينا اليوم أيضًا بالأفكار التي تملأ قلبه. لهذا، إنّ إصغاءنا إلى كلمة الله في الليتورجيّا تربِّينا على إصغاءٍ أصدق إلى الواقع: بين الأصوات الكثيرة التي تعبُر في حياتنا الشّخصيّة والاجتماعيّة، الكتب المقدّسة تجعلنا قادرين على أن نعرف الصّوت الذي يصعد من الألم والظّلم، حتّى لا يبقى بلا جواب. أن ندخل في هذا الاستعداد الدّاخليّ للقبول يعني أن نسمح لله اليوم بأن يعلِّمنا أن نصغي مثله، إلى حدّ أن نُدرك أنّ “حالة الفقراء هي صرخة تمتدّ على تاريخ البشريّة، ولا تكفّ عن مخاطبة حياتنا ومجتمعاتنا والأنظمة السّياسيّة والاقتصاديّة، والكنيسة أيضًا وليس آخرًا” [1].

 

الصّوم

الزّمن الأربعينيّ هو زمن إصغاء، والصّوم هو ممارسة عمليّة تهيِّئنا لاستقبال كلمة الله. في الواقع، امتناعنا عن الطّعام هو تدريب للقيام بأعمال زهديّة وهو قديمٌ جدًّا ولا غنى عنه في مسيرة التّوبة. ولأنّه يشمل الجسد، فإنّه يُظهر بوضوح ما نحن ”جائعون“ إليه وما نعتبره أساسيًّا لبقائنا. فهو يُساعدنا إذًا على أن نميّز ”بين الأمور التي نشتهيها“ لننظّمها، ونحافظ على جوعنا وعطشنا إلى البرّ، فنبتعد عن الاستسلام، ونجعل رغباتنا تصير صلاةً ومسؤوليّةً نحو القريب.

القدّيس أغسطينس، بعمقٍ روحيّ، يُبَيِّنُ لنا النّزاع بين الزّمن الحاضر وبين كمال المستقبل الذي يهيمن على هذا السّهر على قلبنا، عندما يقول: “في مسيرة الحياة الأرضيّة، يتوجّب على البشر أن يجوعوا ويعطشوا إلى البرّ، أمّا الاكتفاء والشّبع فهو يتمّ في الحياة الأخرى. الملائكة يشبعون من هذا الخبز، ومن هذا الطّعام. أمّا البشر فيجوعون إليه، ويتوقون جميعهم إليه. هذا التّوق في الرّغبة يوسّع النّفس ويزيد قدرتها” [2]. إنّ فهمنا للصّوم بهذا المعنى، لا يسمح لنا فقط بأن نهذّب رغبتنا ونطهّرها ونزيدها حرّيّة، بل يسمح لنا بأن نوسّعها أيضًا فتنظر إلى الله وتتوجّه إلى عمل الخير.

مع ذلك، لكي يحفظ الصّوم حقيقته الإنجيليّة ويتجنّب تجربة امتلاء القلب بالكبرياء، يجب أن نمارسه دائمًا في الإيمان والتّواضع. فهو يطلب أن يبقى متجذّرًا في الوَحدة والشّركة مع الرّبّ يسوع، لأنّ “من لا يعرف أن يتغذّى من كلمة الله لا يصوم حقًّا” [3]. كعلامة ظاهرة على التزامنا الدّاخليّ بالابتعاد عن الخطيئة والشّرّ، بعَون نعمة الله، يجب أن يشمل الصّوم أيضًا أشكالًا أخرى من الحرمان تهدف إلى أن تجعلنا نكتسب نمط حياة فيها مزيد من القناعة، لأنّ “التّقشّف فقط يجعل الحياة المسيحيّة قويّة وأصيلة” [4].

لذلك، أودّ أن أدعوكم إلى طريقة انقطاع عمليّة جدًّا، وقد لا ننتبه إليها مرارًا، وهي الامتناع عن الكلام الذي يسيء ويجرح قريبَنا. لنبدأ بنزع السّلاح من كلامنا، فنتخلّى عن الكلام الحادّ، وعن الحكم السّريع والمُباشر، وعن الكلام السّيّئ عن الغائب ولا يمكنه أن يدافع عن نفسه، وعن الافتراء. بدل ذلك، لنجتهد ونتعلَّم أن ننظِّم كلامنا وننمّي اللطف فينا: في العائلة، وبين الأصدقاء، وفي أماكن العمل، وفي وسائل الإعلام، وفي النّقاشات السّياسيّة، وفي وسائل التّواصل، وفي الجماعات المسيحيّة. إذّاك سيترك كلام الكراهية الكثير المجال لكلام رجاء وسلام.

 

معًا

أخيرًا، الزّمن الأربعينيّ يُبَيِّنُ البُعد الجماعيّ للإصغاء إلى كلمة الله وممارسة الصّوم. الكتاب المقدّس يؤكّد أيضًا هذا البعد بطرقٍ شتّى. مثلًا، عندما يُروى، في سفر نحميا، أنّ الشّعب اجتمع ليصغي إلى قراءة سفر الشّريعة العلنيّة، فمارس الصّوم، وتهيّأ ليعترف بخطاياه بإيمان وسجود، من أجل تجديد العهد مع الله (راجع نحميا 9، 1–3).

وكذلك، رعايانا، وعائلاتنا، والمجموعات الكنسيّة، والجماعات الرّهبانيّة مدعوّة إلى أن تسير في الزّمن الأربعينيّ مسيرةً مشتركة، يصير فيها الإصغاء إلى كلمة الله، وكذلك إلى صرخة الفقراء والأرض، شكلًا من أشكال الحياة المشتركة، ويكون الصّوم فيها سندًا لتوبة حقيقيّة. في هذا الأفق، التّوبة لا تخصّ ضمير الإنسان فحسب، بل أيضًا أسلوب العلاقات، وجودة الحوار، والقدرة على أن نسمح للواقع بأن يسائلنا، وعلى أن نعرف ما الذي يوجّه رغباتنا حقًّا، سواء في جماعاتنا الكنسيّة أو في البشريّة العطشى إلى العدل والمصالحة.

أيّها الأعزّاء، لنطلب نعمة زمن أربعينيّ يجعل آذانَنا أكثر انتباهًا وإصغاءً إلى الله وإلى الأخيرين. ولنطلب قوّة في صَومٍ تشمل اللسان أيضًا، فيقلّ الكلام الذي يجرح ويتّسع المجال لسماع صوت الآخر. ولنجتهد لكي تصير جماعاتنا الكنسيّة أماكن يجد فيها صراخ المتألّمين ترحيبًا، ويلِد فيها الإصغاء مسارات تحرير، فيجعلنا أكثر استعدادًا ومتنبِّهين للمساهمة في بناء حضارة المحبّة.

أبارككم من كلّ قلبي، وأبارك مسيرتكم في الزّمن الأربعينيّ.

 

من حاضرة الفاتيكان، يوم 5 شباط/فبراير من عام 2026، تذكار القدّيسة أغَتا، البتول الشّهيدة.

لاوُن الرّابع عشر

 

***********

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026

____________________________________________________

[1] الإرشاد الرّسوليّ، لقد أَحبَبتُكَ (4 تشرين الأوّل/أكتوبر 2025)، 9.

[2] القدّيس أغسطينس، فائدة الصّوم، 1، 1.

[3] بندكتس السّادس عشر، التّعليم المسيحيّ أثناء المقابلة العامّة (9 آذار/مارس 2011).

[4] بولس السّادس، التّعليم المسيحيّ أثناء المقابلة العامّة (8 شباط/فبراير 1978).

Share this Entry

ZENIT Staff

فريق القسم العربي في وكالة زينيت العالمية يعمل في مناطق مختلفة من العالم لكي يوصل لكم صوت الكنيسة ووقع صدى الإنجيل الحي.

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير