” الصّوم الحقيقيّ هو نقاوة القلب، وتوجيه الفكر نحو الله، ونحو أبنائه إخوتنا البشر المحتاجين منهم إلى المساعدة. “
أبونا يعقوب الكبّوشيّ
الصَّومُ مسيرةٌ روحيّة تهدف إلى التّقرّب من الله، وتعميق العلاقة به، من حيث الإصغاء إلى كلمته، والابتعداد عن ضوضاء الأيّام، وما تحمله من تعلّق برغباتٍ، وأهداف، ومساعٍ دنيويّة…
لا يكفي الامتناع عن الطّعام، وعن الملذّات، بل ينبغي السّعي من خلال الإماتة، وعمل المحبّة، والصّلاة، إلى النّموّ الرّوحيّ، والشّبع بمحبّة الرّبّ…
يعتبر أبونا يعقوب أنّ من صام دون أن ينقطعَ عن إهانةِ الله، وأذيّةِ القريب، فصومه لا يُرضي الله. أمّا الّذي يعجز عن الصّوم، وينقطع عن المعاصي فيُعدّ صائمًا، ومقبولًا لدى الله.
الصّوم انحناءة القلب أمام الله، وتطهير النّفس من أثقالها، فتغدو خفيفة متّجهة نحو رؤية الفرح الحقيقيّ، ومُصغية إلى نداء خالقها. فالجوع يصبح صلاةً، والعطش رجاءً، والسّكوت بخور ترانيم تتصاعد نحوَ السّماء.
الصّوم ليس حرمانًا، بل امتلاء بالحبّ… إنّه الابتعاد عن كلّ ما يبعدُ عن الرّبّ…إنّه الاقتراب من الآخر، والإصغاء إلى مناجاته، التّحدثّ معه بلسان الحبّ، والخير، والسّلام…
” لنطلب نعمة صومٍ يجعل آذاننا أكثر انتباهًا للّه، وللآخرين. لنطلب قوّة صومٍ يمرُّ أيضًا عبر اللّسان، لكي تقلّ الكلمات الّتي تجرح، وتزداد المِساحة لصوت الآخر.” البابا لاون الرّابع عشر ” (عظة الصّوم 2026)
ويُكمل الكبّوشيّ معتبرًا أنّ للصّوم نتائجَ جسديّة، ونتائجَ روحيّة.
فهو يُعطي الجسد صحّة جيّدة، فالشّراهة تضرّ بحياة الكثيرين.
بالصّوم نقمع الجسد، وننجو من الضّلال، ونكون على الطّريق المستقيم. أنّه يفتح لنا بابَ السّماء.
” الصّوم طعام النّفس، يقوّيها، ويمنحها أجنحةً للارتقاء نحو الله” يوحنّا الذّهبيّ الفمّ”
الصّوم رحلة صامتة نحو الأعماق، حيث يترك المؤمن وراءه ضجيجَ الجسد ليصغيَ إلى صوتِ الرّبّ في داخله. فيكتشف أن الخبزَ وحدَه ليس أساس الحياة، واستمراريّتها، وأنَ الكلمةَ الإلهيّة هي غذاء الرّوح الّذي لا ينفد.
الصّومُ مسيرة رجاء، وفرحٍ تقودنا نحو أنوارِ الحبّ الحقيقيّ… إنّه عبورٌ من جلجلة الألم نحو خلاصِ القيامة…
