pixabay.com

كيف تكون الصداقة الحقيقية مع الذات؟

سلسلة مقالات عن سُبُل الحبّ

Share this Entry

نقلته من الإيطاليّة إلى العربيّة ألين كنعان إيليّا

الفيلاوتيا Philautia كانت أكثر ما يهابه آباء الصحراء. لم تكن وحشًا أسطوريًا ولا مرضًا جسديًا، بل واقعًا أكثر خفاءً وحميمية، ومن الصعب تجنّبها. إنما ما المقصود بهذه العبارة؟

في الواقع، الفيلاوتيا هي مفهوم يوناني قديم يعني محبّة الذات. وهي ما نسمّيه اليوم بتعبير أكثر حداثة: التمركز حول الذات أو الأنانية. وبهذا المعنى، فهي صورة زائفة عن العالم. فنحن لسنا مركز العالم، ولسنا المطلق. محبّة الذات لا تقول الحقيقة، بل تشوّه لنا الرؤية. عمليًا، تجعلنا نُغمِض أعيننا عن عيوبنا وأخطائنا كلّها، وفي الوقت نفسه نصبح شديدي النقد وقساة تجاه الآخرين. وقد كان آباء الصحراء والمعلّمون الروحيون يخشون هذا “الوحش” الداخلي لأنه يلد كلّ الرذائل الكبرى.

لكن لنعد خطوة صغيرة إلى الوراء. لغويًّا، تعني كلمة “Phil-autia” الصداقة مع الذات. وإذا كانت قد استُخدمت في التقليد الروحي للتنبيه من مخاطر التمركز حول الذات، فإنّ أولئك الآباء الكبار الممحّصين لقلوب البشر كانوا يعلمون أنّه يجب التمييز بين محبّة سيئة ومفرطة للذات وبين صداقة سليمة مع النفس. ويؤكّد أحد كبار المتخصّصين في هذا الموضوع، إيرينيه هاوشير، أنّ الإنسان الفاضل يعيش “صداقة حقيقية مع نفسه بسبب عدم أنانيته”. أمّا الإنسان الرذيل فيحبّ نفسه بطريقة فظة تشوّهه.

إن مسيرة النموّ الروحي، بحسب القديس مكسيموس المعترف، هي انتقال من “الفيلاوتيا السيئة” إلى “الفيلاوتيا الروحية ثمّ إلى “الفيلاوتيا الجميلة” التي تقودنا إلى عبادة الله على الدوام، “باحثين إنطلاقًا من الله عن حياة النفس”.

في الختام، إنّ الصداقة مع الذات هي محبّة صحيّة لا تُغلِق النفس في سجنها الخاص، بل تقودها إلى حرية اللقاء مع الآخرين ومع الله.

-يتبع-

لقراءة المقالة السابقة، أنقر على الرابط الآتي:

أن نحبّ ذواتنا أوّلاً لكي نحبّ الآخرين: هل من محاذير؟

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

د. روبير شعيب

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير