pixabay.com

عودوا إليّ بكلّ قُلوبكم: مسيرةُ الإصلاح في زمنٍ صَعب

مسيرة تجدُّد في عالم مُتعِب

Share this Entry
في زمَن الحُروب على أنواعِها، وانتهاكات حُقوق الإنسان، والتشرذُم الحاصِل في كلّ بلد، يحتاجُ العالمُ اليوم، إلى المُصالحة: المُصالحة مع الذات، ومع الله، ومع الآخر، وطلب الغُفران من الله ومن الإنسان.
نتساءلُ: هل يملِكُ أفرادُ المُجتمع الجُرأة والشَّجاعةَ للوصول إلى التجدُّدِ والإصلاحِ، للدُّخول مُجدّدًا في مفهوم الخالِق ومحبّتِه للبشريَّة؟
١- مسيرة تجدُّد في عالم مُتعِب
نعم، الصَّوم هو مسيرةٌ ومدخلٌ إلى تجديدِ الحياة وتغييرها وعيشها بالملء، لكي يُحقِّقَ الإنسانُ السَّلامَ مع ذاتِه أولًا، وينخَرطَ في الحياةِ التي وهبها الله لنا بقوّة وإيجابيّة، بالرغم ممّا يحدُث في هذا الكوكب. هكذا يكونُ الإنسانُ المؤمنُ بقُدرة الله ومواهبِه أداةً حيّةً وفاعلةً لإضفاء معنى جديد على الحياة.
الصَّوم هو أن يُبادرَ الإنسانُ إلى خلعِ إنسانه القديم، أي العتيق، ولِبس الإنسانِ الجديد على صورة السيّد المسيح. يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل أفسس: «أمّا أنتُم، فما هكذا تعلّمتُم المسيح[ … ] أن تُقلعوا عن سيرتِكم الأولى، فتخلعوا الإنسانَ القديمَ الذي تُفسده الشهوات الخادعة، وتتجدّدوا روحًا وعقلًا، فتلبسوا الإنسانَ الجديدَ الذي خُلِق على صورة الله في البرّ وقداسة الحقّ[ … ] فانظروا إذًا كيف تسيرون بتدقيق، لا كجُهلاء بل كحُكماء، مُنتهزين الفُرصةَ لأنّ الأيامَ شريرةٌ» (أفسس 4: 20-24؛ 5: 15-16).
أوليست هذه الأيامُ صعبةً؟ أوليست شريرةً بما تحملُ من آلامٍ واضطراباتٍ؟ ما يحدُث في العالم، اليوم، يؤكّدُ لنا أنّنا نمرُّ بمراحلَ شديدةِ الصُّعوبةِ، وعلينا التحلّي بالإيمانِ والرَّجاءِ والمحبَّةِ والصَّبرِ لكي نعيشَ، ونعرفَ ما يتوجَّبُ علينا عملُه في المُواجهة: كيف نتصرَّفُ؟ وكيف نتحضّرُ لاستقبالِ الرَبّ وتسليمِه الوزنات؟
نسألُ أنفسَنا: هل نسيرُ فِعلًا على الطَّريق الصحيح؟ أم ابتعدنا عن الحقِّ والحقيقةِ؟ ألم يأتِ يسوع ليبشِّرَ بالحقِّ والحقيقةِ؟ ألم يقُل: «ماذا ينفعُ الإنسان لو ربِحَ العالمُ كلّه وخسِرَ نفسَه؟ وماذا يُعطي الإنسانُ فداءً عن نفسه؟» (متّى 16: 26).
نعم، إنّه زمنُ الأسئلةِ الوجدانيّةِ والكيانيّةِ، نطرحُها على أنفُسنا أولًا، ونطلُبُ أن تتجدَّدَ مسيرتُنا من خِلال الإصلاح والتغيير والتوبة. لا بدّ أن نجدَ أجوبةً شافيةً لأمراضِنا الداخليّةِ، وجهلِنا، وشتى أنواع ضُعفنا، انطلاقًا من إيماننا بقُدرة السيّد المسيح، وذلك بتصالُحِنا مع الله، ومع ذواتِنا، ومع الآخر.
إنّها مسيرةٌ حتميَّةٌ كي ننطلقَ نحو الله، تتنقّى، من خلالها، ذواتُنا وتتجدّد. نعم، نحن بحاجة إلى السَّير في طريق الملكوت. ولكي نسلكَ هذه الطريق، علينا أن نكون أبناءَ مسيرةٍ إصلاحيّةٍ تجديديّةٍ، تغذّينا بالقوّة الإلهيّة، وتدلّنا على نور الحقّ والحقيقة، وتهبُنا السَّلامَ الداخلي والفرحَ، ومن ثمّ السَّلام الخارجي الذي نريد أن نبنيه يومًا بعد يوم، تشارُكيًّا مع أخينا الإنسان.
٢- حين تصبحُ الأيامُ شريرةً…
يولدُ الرَّجاءُ من التوبة
نحنُ بحاجةٍ إلى العودةِ إلى الآب السماوي بكلّ إيمانٍ وعزم: «اِرجعوا إليَّ بكلّ قلوبكم… اِرجعوا إلى الربّ إلهِكم» (يوئيل 2: 12-13).
لا مفرَّ من توبة تساعدُنا على الانتصار، فنَدخلُ في علاقةٍ روحيَّةٍ متجدّدةٍ مع الله، ومصالحةٍ فعليّة مع ذواتنا ومع واقع الحياة البشريَّة. إنّها مسيرةُ انتقالٍ من الضُّعف إلى القوّة، ومن الخطيئة إلى النِّعمة، ومن العُبوديّة إلى الحرّية، تفرِضُ طلبَ الصَّفح والتكفير والتعويض عن أعمالنا السيّئة، والدُّخولَ في تجدُّدٍ روحي وأخلاقي، أي في عيشِ الأخوّة الإنسانيّة.
زمنُ الصَّومِ، هذا، هو زمنُ التوبةِ والارتداد، أي الابتعاد عن الخطيئة وخلع الإنسان العتيق ولبس الإنسان الجديد. فهل نحن على استعداد للدُّخول في عمليّة التحوّل والتجدُّد؟ أم سنكرّرُ صومَنا بطريقةٍ روتينيّة، بلا وعيٍ حقيقيّ، ومن دون توبةٍ صادقة، ومقاصدَ حقّةٍ، ونوايا سليمةٍ، وإرادةٍ قويّةٍ، وعزمٍ ثابت، لنكون شهودًا لقيامة السيّد المسيح؟
اليوم، الدعوةُ واضحةٌ: لا نكرِّرُ فحسب، بل نتجدَّدُ.
ليكُن صومُنا مدعومًا بالصَّلاة وأعمالِ الرَّحمةِ، وبالرَّجاء خصوصًا في هذه الأيّام الصَّعبة، الرَّجاء الذي يُساعدُنا في القضاء على الشكّ، والعُزلة، والتشاؤم، والإحباط، والانغِلاق على الذات.
الصَّومُ هو رجوعٌ إلى أعماقِ الذات، لنتغلَّبَ على رتابة الحياة الدنيويّة والتعلّق المفرط بها، تلك التي تقتلُ فينا روحَ الأخوّة، أحيانًا، فنصبح أسرى لأهوائنا وملذّاتنا وأنانيّتنا واستعلائنا.
نعم، لا بدّ أن نتحوّل ليكون صومُنا طريقًا نحو الرَّجاء. ألسنا نحنُ أبناءُ الرَّجاء؟
فلنعمل معًا، نحن المؤمنين بقوّة الله، على طلب المُساعدة من المخلّص، واهِب الرَّجاء لكلّ مَن يؤمنُ به.

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

الأب د. نجيب بعقليني

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير