نتأمل القسم الأول من هذا المثل ، من خلال قصيدة كتبها القدّيس يعقوب السروجيّ (راهب واسقف سرياني حوالي ٤٩٩-٥٢١ )،
“أَقومُ وأَمضي إِلى أَبي فأَقولُ لَه: يا أَبتِ إِنِّي خَطِئتُ إِلى السَّماءِ وإِلَيكَ”
سأعود إلى منزل أبي مثل الإبن الشاطر، وسَأُستَقبَل. كما فعل، كذلك سأفعل: ألن
يلبّي طلبي؟
ها أنا أقرع على بابك، أيّها الآب الرحوم؛ افتحْ لي كي أدخل خشية
من أن أتوه وأبتعد وأهلك! أنت جعلتني وريثاً لك، وأنا تركت ميراثي وبدّدت
ثرواتي؛ عاملني منذ الآن كأجير وكخادم.
كما فعلت مع العشّار، أشفقْ عليّ فأعيش بنعمتك! كما فعلت مع الزانية، اغفرْ لي
خطاياي، يا ابن الله. كما فعلت مع بطرس، انتشلْني أيضاً من وسط الأمواج. كما
فعلت مع اللص، أشفقْ على قذارتي واذكرني! كما فعلت مع الخروف الضائع، ابحثْ
عنّي يا ربّي، وستجدني ، وعلى كتفيك، احملْني إلى منزل أبيك، يا ربّي.
كما فعلت مع الأعمى، افتحْ لي عينيّ كي أرى نورك ! كما فعلت مع الأصمّ، افتحْ
لي أذنَيّ كي أسمع صوتك. كما فعلت مع المخلّع، اشفِ إعاقتي كي أسبّح اسمك. كما
فعلت مع الأبرص، بالزوفى طهّرني من خطيئتي (مزمور ٥١ (٥٠) : ٩). كما فعلت مع الطفلة
ابنة يائيرس، أحيِني يا ربّنا. كما فعلت مع حماة بطرس، اشفِني لأنّني مريض.
كما فعلت مع الطفل ابن الأرملة، اجعلْني أقف على قدميّ. كما فعلت مع ليعازر،
نادِني بصوتك وفكّ أكفاني. لأنّني متّ من الخطيئة، كما من المرض ، أقِمني من
خرابي كي أمجّد اسمك ! أرجوك يا سيّد الأرض والسماء، تعالَ لمساعدتي ودلّني على
طريقك كي أذهب إليك. خذني إليك، يا ابن الكلّي الرحمة، وأفِض برحمتك. سأذهب
إليك حيث سأرتوي من السعادة.
“يا بنيّ أنت معي دائماً أبداً، وجميع ما هو لي فهو لك”
ونحن نتأمّل في هذا المثل، علينا ألاّ ننسى شخصيّة الابن البكر. إلى حدٍّ ما، ليست هذه الشخصيّة أقلّ أهميّة من شخصيّة الابن الأصغر، لدرجة أنّه ربّما كان بإمكاننا تسمية هذا المثل ” مثل الأخوَين “. مع صورة الأخوَين، يندرج هذا النصّ في قلب سلسلة كتابيّة طويلة، تبدأ مع قصّة قايين وهابيل، والتي تتكرّر مع الأخوَين إسحَق وإسماعيل مرّةً، ومع يعقوب وعيسو مرّةً أخرى، والتي أعادت أمثال يسوع تفسيرها. في أقوال يسوع، عكست صورة الأخوَين خاصّةً مشكلة علاقة إسرائيل بالوثنيّين… عندما اكتشف إسرائيل أنّ الوثنيّين مدعوّون بدون أن يخضعوا لإلزاميّة الشريعة، عبّر عن مرارته قائلاً : ” ها إنّي أخدمكَ منذ سنين طوال، وما عصيتُ لكَ أمرًا قطّ “. في هذا الكلام : ” يا بنيّ أنت معي دائمًاً أبداً ، وجميع ما هو لي فهو لك “، تدعو مغفرةُ الله إسرائيلَ للدخول في فرح عودة الضالّين.
لكنّ رمزيّة شخصيّة الابن البكر هي أوسع من ذلك. بمعنى من المعاني، هو يمثّل الناس المتديّنين، أي كلّ الذين بقوا مع الآب بدون أن يعصوا وصاياه. أثناء عودة الخاطئ، تستيقظ الغيرة، ذاك السمّ الذي كان حتّى الآن كامنًاً في أعماق ذواتهم. لِمَ تلك الغيرة؟ فهي تُظهر أنّ الكثير من ” المتديّنين ” يخفون هم أيضاً في قلوبهم الرغبة في تلك البلاد البعيدة وإغراءاتها. تكشف الغيرة أنّ هؤلاء الأشخاص لم يفهموا حقيقةً جمال مسكنهم الوالديّ، ولم يفهموا السعادة الكامنة في قول : ” ما هو لي هو لك “، ولا الحريّة في أن يكونوا أبناء ومالكين. هكذا أيضاً يظهر أنّهم يرغبون في سعادة العيش في البلاد البعيدة… وفي النهاية، لم يدخلوا الحفلة ، وبقوا خارجاً .
تدفعنا شخصيّة الابن البكر إلى إجراء فحص للضمير ، كما تسمح لنا أن نفهم إعادة تفسير الوصايا العشر في عظة الجبل (متى ٥ : ٢٨). ليس فقط الزنى الخارجيّة، إنّما أيضاً الزنى الداخليّة تبعدنا عن الله ، بإمكاننا البقاء في البيت وفي الوقت نفسه الخروج منه. هكذا، علينا أيضاً أن نفهم فكرة ” الغنى ” ، وبُنية العدالة المسيحيّة؛ إنّها تتلخّص بـ” لا ” للغيرة و ” نعم ” للرحمة الإلهيّة. (من عظة الكردينال جوزف راتزنغر( البابا بِندِكتُس السادس عشر)
إذا اعترفنا بخطايانا، فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم ( يوحنا الاولى ١ : ٩ ).
هذه الآية تجلب لنا وعداً عميقاً ودعوة للعمل. في حياتنا، غالباً ما نجد أنفسنا مثقلين بأخطائنا وخطايانا، نشعر وكأننا نسير تحت سحابة من الذنب. تقدم لنا هذه الآية مخرجاً ، وطريقة لاستعادة علاقتنا بالله وتجربة رحمته.
الاعتراف هو جزء حيوي من الحياة المسيحية. إنه يتضمن الاعتراف بخطايانا أمام الله، ليس فقط كطقوس، ولكن كاعتراف جاد بضعفنا البشري. إنه يتعلق بالحضور إلى الله بقلب منسحق بالندامة ، متوقعاً رحمته تماماً. الوعد في هذه الآية مزدوج ، لا يغفر لنا الله فقط، بل يطهرنا أيضاً من كل إثم. هذا التطهير شامل، يتركنا متجددين وخاليين من ثقل أفعالنا الماضية.
علاوةً على ذلك، تصف لنا هذه الآية بأن الله ” أمين وعادل “. وهذا يذكرنا بأن استجابته لاعترافنا لا تقوم على مزاج أو تفضيل عابر بل متجذرة في طبيعته التي لا تتغير. إن أمانة الله تؤكد لنا أنه سيغفر لنا دائماً عندما نأتي إليه في توبة حقيقية. وفي الوقت نفسه، تضمن عدالته أنه يتعامل مع خطايانا بشكل مناسب، مما يؤدي في النهاية إلى تقديسنا.
يجب أن يشجعنا هذا التأكيد على المغفرة والتطهير على الحفاظ على نمط حياة من الإعتراف والتوبة المستمرين. الأمر لا يتعلق بالعيش في الشعور بالذنب، بل يتعلق بالعيش في الحرية ، الحرية في الإعتراف بأخطائنا واحتضان مغفرة الله. عندما نمارس هذا ، ننمو في النضج الروحي، ونقترب أكثر فأكثر من صورة المسيح، البار والقدوس.
لنصلِّ:
نشكرك يا أبانا السماوي على تأكيد محبتك لنا بالمغفرة والمسامحة عندما نأتي إليك ونعترف بخطايانا. ساعدنا على أن نقف دائماً أمامك بقلوب متواضعة، واثقين في أمانتك ورحمتك وعدلك. ليرشدنا روحك القدوس إلى البر، ويساعدنا على أن نعيش حياة تعكس حبك وقداستك في قلوبنا . آمين
+المطران كريكور اوغسطينوس كوسا
اسقف الاسكندرية للأرمن الكاثوليك
