في الثامن من آذار من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمرأة. غير أنّ هذه المناسبة لا ينبغي أن تُختزل في طقسٍ احتفاليّ عابر، بل هي دعوةٌ إلى وقفة تأمّلٍ صادقة في رسالة المرأة ودورها العميق في صنع الحياة وصون معناها. فهل نحتفل حقًا بمن هي في ذاتها عيدٌ للحياة؟ بمن أعطت الحياةَ للحياة، وحفظت كرامتها ورسّخت قيمتها؟
إنّ المرأة، بما تختزنه من نُبلٍ أخلاقيّ وحسٍّ إنسانيّ رفيع، وبما تتحلّى به من احترامٍ للذات وللآخر، تبقى الحارسة الأمينة على منظومة القيم الإنسانية والأخلاقية. ويزداد هذا الدور إشراقًا في الأزمنة العصيبة، حين تتكاثر الحروب، وتتعمّق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتنتشر الأوبئة والكوارث الطبيعية. ففي قلب هذه التحدّيات، تواصل المرأة حماية نبض الحياة والحفاظ على رونقها، وتُسهم بفاعلية في مسيرة التنمية الشاملة، من خلال حضورها الحيوي في الأسرة والعمل والمجتمع.
وعلى الرغم من الانتهاكات المتكرّرة لحقوق الإنسان وكرامته، ومن النزاعات الدامية التي تمزّق غير مجتمعٍ في عالمنا، تبقى المرأة ركيزةً إنسانية وأخلاقية لا غنى عنها، وسندًا للرجل في بناء الحياة. فالشراكة المتوازنة بينهما، القائمة على الاحترام المتبادل والتكامل الخلّاق، تشكّل السبيل الأمثل لتحقيق الخير المشترك، وتعزيز استقرار المجتمع وتقدّمه.
إنّ تمكين المرأة من تحقيق ذاتها والاضطلاع برسالتها النبيلة يفرض توحيد الجهود وتكامل الرؤى، والعمل الجادّ من أجل صون حقوقها وتأمين احتياجاتها على مختلف الصعد: التشريعية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية. كما يقتضي تثبيت حضورها الفاعل في الحياة العامة، والعمل على تخفيف الأعباء المتزايدة التي تتحمّلها في عالمٍ مثقلٍ بالعنف والدمار النفسي والجسدي، حيث غالبًا ما تكون المرأة الأكثر تضرّرًا من نتائج الصراعات ومنطق القوّة القائم على السلاح والهيمنة الاقتصادية.
إنّ الاعتراف بقيمة المرأة لا يمكن أن يبقى مجرّد خطابٍ أو شعار، بل ينبغي أن يتحوّل إلى التزامٍ عمليّ يُترجم بإنصافها واحترامها وتقدير تضحياتها. ويقع على عاتق الرجل، الذي يتولّى في كثيرٍ من الأحيان مواقع التشريع وصنع القرار، دورٌ أساسي في ترسيخ هذا الإنصاف. فالتوازن الحقيقي داخل الأسرة والعمل والمجتمع لا يتحقّق إلا عندما تُمنح المرأة مكانتها الطبيعية كشريكٍ كامل الحقوق والواجبات.
وعندما تقوم العلاقات الإنسانية على مبدأ الشراكة الصادقة، ويتقاسم الرجل والمرأة الأدوار والمسؤوليات بروح التعاون والتكامل، تكتسب الحياة اليومية حيويةً متجدّدة، ويغدو البيت والمجتمع فضاءً للطمأنينة والسلام والاستقرار النفسي.
غير أنّ هذا المسار يقتضي أيضًا مراجعةً نقدية صريحة لبعض الأنماط الاجتماعية السائدة في عددٍ من البيئات الشرقية والعربية، ولا سيّما تلك المرتبطة بعاداتٍ وتقاليد لم تعد تنسجم مع تحوّلات العصر ومتطلّبات العدالة والكرامة الإنسانية. فقد أثبتت المرأة في مجتمعاتنا قدرتها على تحقيق ذاتها من خلال التحرّر المسؤول والاستقلالية الواعية، وعبر إبراز طاقاتها ومواهبها وكفاءاتها وإبداعها. ومن حقّها، بالتالي، أن تستعيد مكانتها كاملة غير منقوصة، من دون أن يكون ذلك على حساب أحد.
إنّ التغيير الحقيقي يصبح ممكنًا عندما تُمنح المرأة فرصًا عادلة ومتوازنة، ويُفتح أمامها المجال للمشاركة الفاعلة في صنع القرار ورسم معالم المستقبل. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الوقوف بتقديرٍ وتضامنٍ إلى جانب نضال النساء في مختلف الميادين، لأنّ التراجع أمام التحدّيات ليس خيارًا.
فالمرأة مدعوّة إلى متابعة مسيرتها بثباتٍ وثقة، مدعومةً بالرجل الواعي المؤمن بمصير الإنسانية المشترك، من أجل ترسيخ قيم العدالة والمساواة، رغم ما يعتري الطريق من صعوباتٍ وعدم تكافؤٍ في الفرص. وهكذا يمكن أن نبني معًا مجتمعًا أكثر إنصافًا وكرامةً لجميع أبنائه.
الأب الدكتور نجيب بعقليني