يسلِّطُ هذا المقالُ الضوءَ على دور الحياة الرَّهبانيَّة في خِدمة المُجتمع المدني، مع التركيز على احتضانها “لجمعيّات مدنيّة” على سبيل المثال لا الحصر التي تعمل في مجال السُّجون ومُرافقة المُرتهنين للمخدَّرات. يستند المقال إلى التعليم الاجتماعي للكنيسة، والكتابات الرسوليّة حول الحياة المُكرّسة، ويُبرز كيف يتحوَّل حضورُ الرُّهبان من حياة انزواء إلى شهادة نبويَّة ومُناصرَة إنجيليَّة للكرامة الإنسانيَّة.
١- مبادرات إنسانية
العملُ الاجتماعي، أحدُ أعمدةِ التنميةِ الحقيقيَّة في المُجتمعات الحديثة والمتطوّرة، إذ يهدُف إلى تحسينِ نوعيَّة الحياة وتعزيزِ العدالة الاجتماعيَّة، من خلال تلبية حاجات الفئات المحرومةِ والمُهمَّشةِ. يتقاطعُ هذا الدورُ وهذه “الحركةُ” الإنسانيَّةُ مع نشاط الجمعيَّات غير الحُكوميَّةِ والحياة الرَّهبانيَّة، التي ينبعُ فكرُها وروحُها ورسالتُها من التعليم الاجتماعي للكنيسة الكاثوليكيَّة. أليست العدالةُ الاجتماعيَّةُ واحترامُ حُقوقِ الإنسان في صميم رسالةِ الكنيسة إلى العالم؟
لا حاجةَ إلى الإكثار من البراهين لإثبات أنّ الجمعيَّات غير الحُكومية تسعى إلى تحقيق تنمية مُستدامة تصُبُّ في تعزيز العدالة الاجتماعيَّة والمُساواة، والتأهيل، والإدماج، والحدّ من التهميش، عبر تقديم خدمات إنسانيَّة مُباشرة، ومُناصرَة قضايا المُجتمع المُحقّة، في طليعتها احترام حُقوق الإنسان والكرامة الإنسانيَّة، التي نصَّ عليها التعليم الاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية، باعتبار الإنسان مخلوقًا على صورة الله: “فخلق الله الإنسانَ على صورتِه” (تكوين 1: 27).
يُترجَم هذا التعليم عبر قيَم التضامُن، والمُناصرَة، والعدالة، وخِدمة الفُقراء والمُحتاجين والمُهمّشين والمُهاجرين والسُّجناء، تطبيقًا لتعاليم المسيح: “كنتُ جائعًا فأطعمتموني… كنتُ سجينًا فزُرتموني… كلّ ما صنعتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي صنعتموه” (متى 25: 35–45).
في هذا السياق، تبرز أهميّة الوثائق البابوية: Rerum Novarum وMater et Magistra وغيرهما… التي تشكّل مُنطلقاتٍ تعليميَّةً أساسيَّةً تؤكّد ضرورةَ دعمِ العمَل الاجتماعي ومُرافقتِه بوسائلَ تخدُم الخيرَ العام.
تُعدُّ وثيقةُ Rerum Novarum أحدَ الجُذور الفكريَّة والأخلاقيَّة للدِّفاع عن حُقوق الإنسان، ولا سيّما الحُقوق الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، في التعليم الاجتماعيّ للكنيسة. كذلك تعدُّ وثيقةُ Mater et Magistra محطَّةً مفصليَّةً في تطوُّر التعليم الاجتماعي للكنيسة، إذ مهَّدت، بشكل واضح، للحديث الصريح عن حُقوق الإنسان. وشددت رسالة Pacem In Terris على أن كلَّ حقٍّ يقابلُه واجب، وأنَّ السلامَ الحقيقيَّ يقوم على: الحقّ، العدالة، المحبَّة والحريَّة.
ترتكز الحياةُ الرَّهبانيَّة على الصَّلاة والعمَل، فتُظهرُ رسالةَ الخدمة المُجتمعية كامتداد عملي للإيمان المسيحي، إذ يقول الرسول يعقوب: “الإيمانُ، إن لم تكن له أعمالٌ، فهو ميّتٌ في ذاته” (يعقوب 2: 17).
من خلال هذه الرِّسالة، تُسهمُ الرَّهبانيَّات في مجالات التعليم، الرعاية الصحيَّة، دعم الفُقراء والمُحتاجين، مُرافقة السُّجناء، العمَل ضمن حركاتٍ ومؤسَّساتٍ وجمعيَّاتٍ تهدُف إلى حِماية كرامة الإنسان، أي الكرامة البشريَّة.
انطلاقًا من هذا الواقع وهذه المسلّمات، لا تستطيع الحياةُ الرَّهبانيَّةُ الرسوليَّةُ، التي تُطبّق رسالة وعمل اللاهوت الراعوي، الانعزال أو الانزواء عن قضايا المُجتمع، بل هي مدعوّة إلى أن تكون صوتًا وعضدًا للمظلومين، ومنارةً للعدالة، ومُدافعًا عن الضُّعفاء والمنكوبين والمنسيّين، هكذا يتعزّز دورُها في الدفاع عن الحُقوق المدنيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والدينيَّة، كجزء لا يتجزّأ من رسالتها. أليس مطلوبٌ منها أن تدعمَ الجمعيَّات التي تُناضلُ من أجل حُقوق الإنسان، وأن تُساهمَ في حركات المُجتمع المدني؟ “أرسلني لأبشّر المساكين… ولإطلاق المأسورين أحرارًا” (لوقا 4: 18–19).
العمل الاجتماعي، ودعم المُجتمع المدني، والمُناصرَة من أجل كرامة الإنسان، ليست خيارًا ثانويًا، بل ضرورة روحيَّة واجتماعيَّة تشكّل جوهر رسالة الرُّهبان والكنيسة الكاثوليكية في العصر الحديث: “لا نحبّ بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق” (1 يوحنا 3: 18).
رغم اتسام بعض مسارات الحياة الرَّهبانيَّة بطابع تأمُّلي ونُسكي، إلا أنّها ليست حياديَّة؛ فالحيادُ أمام الظُّلم ليس موقفًا مسيحيًا، والصمتُ أمام معاناة الناس يتعارضُ مع رِسالة الإنجيل، واللامبالاةُ خطيئةٌ ضدّ قصد الخالق الذي أوصى: “أحبّوا بعضكم بعضًا”.
من هنا، الانخراطُ المُباشر والمُستمرّ في قضايا المُجتمع المدني وحُقوق الإنسان، لا يشكّل خُروجًا عن الحياة الرَّهبانيَّة، بل هو في صميم هويَّتها ورسالتِها الإنجيليَّة وقيَمها. هذه القناعةُ، تدفع الرُّهبان إلى حمل شُعلة الإيمان والرَّجاء والمحبَّة في العالم، والمُناصرَة الصادقة والمسؤولة، فالمُناصرَة تعبيرٌ واضح عن التزام المسيحي في عالم يتكاثر فيه الظُّلمُ، والإقصاءُ، وانتهاكُ الكرامة الإنسانيَّة. إنها خيار إنسانيّ وروحيّ وإنجيليّ نابعٌ من صميم الإيمان المسيحي، ومن فهم الحياة الرَّهبانيَّة لرسالتِها في التاريخ والجغرافيا.
-٢ حياة مكرسة في مسار المناصرة
عندما تتبنّى الحياةُ الرَّهبانيَّة قضية المُناصرَة، تفعلُ ذلك من موقِع الشهادة والتحرّر والالتزام، فتصبحُ “صوت الذين لا صوت لهم”، وتعملُ على تحصين القيَم الإنسانيَّة، والدفاع عن حُقوق الإنسان وكرامتِه بطريقة علنيَّة ومُنظّمة، عبر العملِ الدؤوب مع أصحاب النوايا الحسنة والإرادة الصَّادقة، للحدّ من العُنف والظُّلم والتهميش، ومُرافقة الفُقراء، ودعم نضالات المُجتمع المدني السلميَّة والهادفة، والانخراط في القضايا العادِلة بجُرأة وموضوعيَّة ومهنيَّة وأخلاقيَّة ومسؤوليَّة، والتعاون مع المُنظَّمات غير الحُكوميَّة، والحركات الحُقوقيَّة، والجمعيَّات الأهليّة.
تدعو رسالة Vita Consacrata بوضوح إلى ما يمكن تسميته “المُناصرَة النبويَّة”، وإن لم تستخدم المُصطلح التقني المباشر، وتحدِّد الحياة المكرسة بأنها:
– شهادة نبويَّة في وجه الظُّلم وثقافة الإقصاء.
– التزام واضح بخدمة الفُقراء والدِّفاع عن حُقوقهم.
– اتخاذ موقف شجاع إلى جانب الحقيقة والعدالة، حتى عندما يكون ذلك صعبًا أو غير شعبي.
- دعوة لتحويل المحبَّة الإنجيليَّة إلى مواقف وخيارات عمليَّة في الحياة الاجتماعيَّة “أن يكونوا صوتَ الذين لا صوت لهم، وعلامةَ رجاء في عالم مجروح”.
لا تكتفي الحياة الرَّهبانيَّة بتخفيف الألم، بل تسعى إلى مُعالجة أسبابه الجذريَّة، كما جاء في الكتاب المقدس:
“إني رأيتُ مذلّةَ شعبي… وسمعتُ صُراخَهم” (خروج 3: 7)،
“ويل للذين يسُنّون شرائع جائرةً” (أشعيا 10: 1).
في ظلّ التحديَّات الراهِنة، يطرح الرُّهبان على أنفسِهم أسئلةً جوهريَّة: هل هم شهودٌ أم متفرّجون؟ هل يشكِّل حضورُهم مواجهة قوّية للظُّلم أم يكتفون بالصَّمت؟ هل يربُطون صلاتهم بالرِّسالة، وتأمُّلَهم بالافعال؟ المسيح نفسُه لم يكن حِياديًّا، بل انحاز إلى الفُقراء والمُهمّشين، ويقول لكل مؤمن، ولا سيّما الرُّهبان:
“كلّ ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه”.
من هنا، مطلوب من الرُّهبان، اليوم، الانتقال من مجرّد الخدمة إلى المُناصرَة، ومن العمل الفردي إلى مواجهة الأسباب، والمُساهمة في إيجاد حُلول مُمكنة، ترجمةً لتعاليم المسيح في أعمال الرحمة والمحبَّة. تدعو تعاليمُ الكنيسة الكاثوليكية الرُّهبان إلى مُناصرَة انجيليَّة، أي تنطلقُ من تعاليم الإنجيل وروحانيَّتِه وتخدُم الإنسانَ وتدعمُ المُجتمع المدني في نِضاله من أجل السلام، والعدالة، والكرامة وحُقوق الإنسان. لذا الرُّهبان مدعوون لأن يكونوا شهودًا للرجاء وسط اليأس والخوف والقلق، وحراسًا للكرامة الإنسانيَّة حيث تُنتهك.
-٣ رسالة رعوية
في هذا الشرق المشع بالإيمان، تُعرَف الرَّهبانيَّات بتاريخها الطويل في الحفاظ على أبنائه مركزة على الرحمة والعدالة والاعتكاف الروحي، لكنها لم تكن يومًا مُنعزلة عن المُجتمع، فحُضور الرُّهبان وسط المُجتمع المدني امتدادٌ طبيعي لرِسالتهم، خصوصًا حين يُترجَم الالتزام الروحي إلى خدمة ملموسة للفُقراء والمُهمَّشين، ولا سيما السُّجناء والمُرتهنين للمخدَّرات.
اليوم، الرَّهبانيَّات مدعوّة، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن تكون قريبةً من الإنسان في ألمه، وشريكةً للمُجتمع المدني في نِضاله السِّلمي، وصوتًا نبويًّا للعدالة والكرامة والرحمة، عبر تحويل الإيمان إلى التزام، والصلاة إلى أفعال، وتنمية وعي أخلاقي– إنساني مسؤول، بعيدًا عن الانقسامات الحزبيَّة والطائفيَّة. ليست الحياةُ الرَّهبانيَّة هُروبًا من العالم، بل شهادة حيّة في قلب عالمٍ متعطّش إلى السلام، والعدل، والمُصالحة، والرجاء.
عملُ الرُّهبان ورسالتُهم في الجمعيَّات يتطلَّبان تمييزًا روحانيًّا مُستمرًا لضمان توافق الخِدمة مع رسالة الحياة الرَّهبانيَّة، وهذا يشمُل:
• الانخراط في إطار الطاعة والجماعة،
• احترام استقلاليَّة الجمعيَّات ومصداقيَّتها المدنيَّة،
• المُحافظة على الطابَع النبوي والروحي للشهادة الرَّهبانيَّة.
احتضان الرَّهبانيَّات لـ “جمعيَّات ” مدنية يعكِسُ كنيسةً تخرُج إلى الأطراف، وتضعُ الرحمة والعدالة في صميم رسالتها، وحضور الرهبان، في هذا المجال، يُمثل مُناصرَة إنجيليَّة تعكِسُ نُذورَهم وحياتَهم المُكرّسة، وتجعلُ منهم شهودًا للكرامة الإنسانيَّة والرجاء في مُجتمع يحتاجُ إلى الشِّفاء والمُصالحة.
الأب نجيب بعقليني
دكتور في اللاهوت الراعوي
رئيس “جمعيَّة عدل ورحمة”
