ترجمة ندى بطرس
في أقصى شرق لبنان، حيث يمتدّ سهل البقاع قريباً من الحدود مع سوريا، بدأت ملامح جديدة لافتة ترسم الأفق. فعَلى قمّة جبل الصليب، قرب بلدة “القاع” ذات الأغلبيّة المسيحيّة، يظهر تمثال ضخم للمسيح بذراعَين ممدودتَين، وهي صورة مألوفة في الفنّ المسيحي، ومُحمّلة بدلالات في منطقة تعاني من الصّراع.
في التفاصيل الأخرى التي نشرها القسم الإنكليزي من موقع زينيت، تقدّم المشروع، الذي وُلد في آب 2025 وانطلق في غضون أسابيع بفضل مبادرات محليّة ودعم خاصّ، بثبات استثنائيّ في ظلّ الظروف الراهنة. وفي 14 آذار 2026، حقّق العمّال إنجازاً مهمّاً: تركيب رأس التمثال، فيما لفتت صور العمليّة، التي انتشرت بسرعة على الإنترنت، الأنظار إلى ما هو أبعد من لبنان، ولاقت صدى لدى المسيحيّين في جميع أنحاء العالم الذين يرون في هذا التمثال صدى لتمثال المسيح المخلّص في ريو دي جانيرو، ولكن برؤية شرق أوسطيّة.

على الرّغم من عدم اكتمال المواصفات الفنيّة النهائيّة، يُتوقَّع أن يبلغ ارتفاع التمثال حوالى 15 متراً، وهو يرتكز على قاعدة متينة يبلغ ارتفاعها حوالى 5 أمتار. أمّا البُنية الأوسع التي تضمّ كنيسة قيد الإنشاء حاليّاً تحت التمثال، فسترتفع إلى حوالى 23 متراً. وقد صُمِّم هذا المزار ليتحمّل الظروف المناخيّة القاسية الجبليّة، فيما لا يهدف إلى أن يكون مكاناً للعبادة فحسب، بل شاهداً على الصمود.
أمّا اختيار الموقع فليس عشوائيّاً أو جماليّاً فحسب، بل بموقعه المرتفع فوق وادي البقاع، وإمكانيّة رؤيته من مسافات بعيدة – بما فيها من أجزاء من الأراضي السوريّة – يحتلّ التمثال موقعاً استراتيجيّاً، ويحمل دلالة رمزيّة بالغة. وقرار مواصلة البناء حاليّاً رغم القصف القريب يعزّز شعور السكّان المحليّين بأنّ هذا المشروع يتجاوز كونه مجرّد نصب تذكاري دينيّ: إنّه صمود صامت، خاصّة بالنسبة إلى سكّان “القاع”، إذ يُعبِّر التمثال عن سرد روحيّ متعدّد الأوجه. ويُنظَر إليه كمبادرة امتنان لما يُفسِّرونه على أنّه حماية إلهيّة خلال سنوات من عدم الاستقرار. وفي الوقت عينه، يُشكِّل التمثال تأكيداً للهويّة في أرضٍ خفّ فيها الوجود المسيحيّ تدريجيّاً.

من ناحيته، أشار أحد المنظّمين إلى أنّ رؤية المسيح مُرفوعاً فوق البلدة تُذكِّر بأنّ المجتمع لا يزال “محميّاً ومحبوباً وغير مهجور”. بهذا المعنى، ينضمّ التمثال إلى مشهد أوسع من التعبيرات الدينيّة الضخمة في لبنان، إلى جانب معالم بارزة مثل سيّدة لبنان في حريصا والتماثيل المخصّصة للقدّيس شربل.
إنّ ما يُميّز هذا المشروع هو ارتباطه الوثيق بسياق معيّن. فعلى عكس النصب التذكاريّة التي أُقيمت في أوقات الاستقرار النسبيّ، يرتفع هذا التمثال وسط حالة من عدم اليقين المستمرّ – أزمة اقتصاديّة، وتوتّرات إقليميّة، وتداعيات العنف. لذلك، فإنّ بناءه ليس تذكاريّاً فحسب، بل هو معاصر، يتطوّر بالتوازي مع المحن التي يسعى إلى تجاوزها.
حتّى الآن، ما مِن تاريخ مؤكّد لإتمامه. ولكن بالنّسبة إلى العديد من المراقبين، فإنّ توقيت الكشف الجزئي عنه يحمل في طيّاته إحساساً بالتدبير الإلهيّ. ففي مشهد يجمع الصمود والإنهاك في كثير من الأحيان، بدأت صورة المسيح بذراعَين مفتوحتَين فوق وادٍ متصدّع، تعمل كرمز بصريّ لاهوتي: إعلان حسّي وعبر الحجر، بأنّ الإيمان يصمد، حتّى في الأماكن التي لا يوجد فيها استقرار.
