Good Friday - Didgeman - Pixabay - CC0

درب الصّليب مع البابا: الإيمان والرّجاء والمحبّة يجب أن تتجسّد في عالم الواقع

النصّ الكامل لتأمّلات صلاة درب الصَّليب
يوم الجمعة العظيمة
في 3 نيسان/أبريل 2026
مدرَّج الكولوسّيوم في روما

Share this Entry

صلاة الافتِتاح

طريق الآلام يمرّ عبر الأزقّة الضّيّقة في البلدة القديمة في القُدس، ويجعلنا نُعيد تتبّع طريق يسوع من مكان الحكم عليه إلى مكان صلبه ودفنه، وهو أيضًا مكان قيامته من بين الأموات.

ليس طريقًا في وسط أناسٍ متعبّدين صامتين. فكما كان الحال في زمن يسوع، نجد أنفسنا نسير في بيئةِ فوضى مضطربة وصاخبة، بين أناس بعضهم يؤمن مثلنا، وبعضهم يسخرون منه ويُهينونه. هذه هي الحياة اليوميّة.

درب الصّليب ليس درب الذين يعيشون في عالمٍ من التعبّد والتأمّل المجرَّد. بل هو ممارسة أناس يدركون أنّ الإيمان والرّجاء والمحبّة يجب أن تتجسّد في عالم الواقع، حيث يُواجِه المؤمن تحدّيات مستمرّة، وعليه أن يتبنّى دائمًا طريقة يسوع في مواصلة السَّيْر.

القدّيس فرنسيس الأسيزي، وهذه السّنة هي الذّكرى المئويّة الثّامنة لوفاته، يصف حياتنا المسيحيّة مقتبسًا كلام الرّسول بطرس، فيُذكّرنا بأنّنا مدعوّون إلى أن “نتبع خطى المسيح، الذي دعا خائنه صديقًا، وقدّم نفسه طوعًا لصالبيه” (Rnb XXII, 2: FF 56; cfr 1Pt 2,21). ويدعونا فرنسيس ”الفقير“ إلى أن نثبِّت نظرنا في يسوع: “لننظر بانتباه، أيّها الإخوة جميعًا، إلى الرّاعي الصّالح، الذي احتمل آلام الصّليب لأجل خلاص خرافه” (Amm VI: FF 155).

وفيما نسير في درب الصّليب، لنقبل إذًا دعوة القدّيس فرنسيس إلى أن نتبع خطى يسوع بطريقة ليست مجرّد طقسٍ أو تأمّلٍ فكريّ، بل تشمل كلّ كياننا وكلّ حياتنا: “قدّموا أجسادكم ذبيحة، واحملوا على أكتافكم صليبه المقدّس، واتبعوا إلى النّهاية وصاياه المقدّسة” (UffPass XV,13: FF 303).

المرحلة الأولى

يسوع يُحكَمُ عليه بالموت

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ يوحنَّا (19، 9-11)

فعادَ [بيلاطُسُ] إِلى دارِ الحُكومَة وقالَ لِيَسوع: «مِن أَينَ أَنتَ؟» فلَم يُجِبْه يسوعُ بِشَيء. فقالَ له بيلاطُس: «أَلا تُكَلِّمُني؟ أَفَلَستَ تَعلَمُ أَنَّ لي سُلْطانًا على أَن أُخلِيَ سبيلَكَ، وسُلطانًا على أَن أَصلِبَكَ؟» أَجابَهُ يسوع: «لو لم تُعطَ السُّلطانَ مِن عَلُ، لَما كانَ لَكَ علَيَّ مِن سُلْطان، ولِذلِكَ فالَّذي أَسلَمَني إِلَيكَ علَيه خَطيئَةٌ أكبر».

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي (2 Lfed 28-29: FF 191)

أمّا الذين نالوا سلطان الحكم على الآخرين، فليمارسوا الحكم برحمة، كما أنّهم هم أنفسهم يريدون أن ينالوا الرّحمة من الله. في الواقع، سيكون الحكم بلا رحمة على الذين لا يرحمون.

في حوارك مع بيلاطس، أيّها الرّبّ يسوع، أزلت القناع عن غرور كلّ صاحب سلطان. اليوم أيضًا يوجد من يظنّون أنّهم نالوا سلطانًا بلا حدود، ويعتقدون أنّهم يستطيعون أن يستعملوه ويسيئوا استعماله كما يشاؤون. كلامك إلى الوالي الرّوماني لم يترك مجالًا للغموض: “لو لم تُعطَ السُّلطانَ مِن عَلُ، لَما كانَ لَكَ علَيَّ مِن سُلْطان” (يوحنّا 19، 11).

فرنسيس الأسيزي، الذي سعى ببساطة إلى اتّباع خطاك، يذكّرنا بأنّ كلّ صاحب سلطان سيؤدّي حسابًا أمام الله عن طريقة ممارسته للسُّلطة التي أُعطيت له: السُّلطة للحكم، والسُّلطة لإشعال حربٍ أو إنهائها، والسُّلطة للتّربية على العنف أو على السّلام، والسُّلطة لتغذية روح الانتقام أو روح المصالحة، والسُّلطة لاستخدام الاقتصاد لظلم الشّعوب أو لتحريرها من الشّقاء، والسُّلطة ليدوس كرامة الإنسان أو ليحميها، والسُّلطة لتعزيز الحياة والدّفاع عنها أو لرفضها وخنقها.

كلّ واحدٍ منّا مدعوّ أيضًا إلى أن يؤدّي حسابًا عن السُّلطة التي يمارسها في حياته اليوميّة. أنتَ، يا يسوع، تقول لنا: أحسنوا استعمال السُّلطة التي أُعطيت لكم، وتذكّروا أنّ كلّ ما تفعلونه لإنسان، ولا سيّما إن كان صغيرًا وضعيفًا، فإنّما تفعلونه بي. ولي يجب أن تؤدّوا الحساب يومًا.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: ذكِّرْني، يا يسوع.

أنّك تساوي نفسك مع كلّ إنسانٍ يُحاكَم: ذكِّرْني، يا يسوع.

ألّا أترك نفسي تقودها الأحكام المسبقة: ذكِّرْني، يا يسوع.

أنّ السُّلطان الحقيقيّ هو سلطان المحبّة: ذكِّرْني، يا يسوع.

أنّ الرّحمة أفضل ما في الحكم: ذكِّرْني، يا يسوع.

أن نختار الخير حتّى إذا كان مُكلِفًا: ذكِّرْني، يا يسوع.

المرحلة الثَّانية

يسوع يَحمِلُ الصَّليب

 

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ يوحنَّا (19، 14-17)

وكانَ ذلكَ اليَومُ يَومَ تَهيِئَةِ الفِصْح، والسَّاعَةُ تُقارِبُ الظُّهْر. فقالَ لِليَهود: «ها هُوَذا مَلِكُكم!» فصاحوا: «أَعدِمْه! أَعدِمْه! اصْلِبْهُ!» قالَ لَهم بيلاطس: «أَأَصلِبُ مَلِكَكُم؟» أَجابَ عُظَماءُ الكَهَنَة: «لا مَلِكَ علَينا إِلَّا قَيصَر!» فأَسلَمَه إِليهم لِيُصلَب. فأَمسَكوا يسوع. فخَرَجَ حامِلًا صَليبَه إِلى المَكانِ الَّذي يُقالُ لَه مَكانَ الجُمجُمة، ويقالُ لهُ بِالعِبرِيَّةِ جُلْجُثَة.

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي (Amm V, 7-8: FF 154)

حتّى لو كنتَ أجمل وأغنى من الجميع، ولو كنتَ تصنع أشياءً مدهشةً، مثل طرد الشّياطين، فكلّ هذه الأمور هي عوائق في حياتك، ولا شيء منها لك، ولا يمكنك التّفاخر بها بأيّة طريقة كانت. لكن في هذا يمكننا أن نفتخر، في ضعفنا وفي حملنا كلّ يوم صليب ربّنا يسوع المسيح المقدّس على أكتافنا.

كلمة ”الصّليب“ تثير فينا عادةً ردّ فعل فيه رفض، لا رغبة. فالأرجح أن تولد فينا تجربة الهروب منه، أكثر من الرّغبة في قبوله.

يا يسوع، أنا متأكّد أنّ الأمر كان كذلك أيضًا حين وضعوا الصّليب على كتفيك. في الواقع، في الجسمانيّة، طلبت من الآب أن يبعد عنك هذه الكأس، مع أنّك كنت راغبًا بكلّ كيانك في أن تتمّ مشيئته. كان الصّليب أشدّ العقوبات كُرْهًا وإيلامًا، محفوظًا للعبيد والمجرمين غير القابلين للإصلاح والملعونين من الله.

ومع ذلك، قبلت الصّليب وحملته على كتفيك، وبعد ذلك سِرت وكأنّ الصّليب يحملك. ليس لأنّه جميل أو جذّاب، بل بسبب حبّك لنا. عندما كنت تحمل الصّليب الثّقيل، كنت تعلَم أنّك ترفع عنّا ثقل الشّرّ الذي يسحقنا، وتحمل الخطيئة التي تدمِّر حياتنا. عندما قبلت الصّليب وحملته على كتفيك، قبلت ضعفنا وحَمَلْتَ إنسانيّتنا. وتحمّلت عبوديّتنا وجرائمنا حتّى لعنتنا.

حرِّرنا، يا يسوع، من الخوف من الصّليب. وامنحنا نعمة اتّباعك في طريقك، وألّا نطلب مجدًا آخر سوى مجدك في صليبك.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: حرِّرنا، يا ربّ.

من الرّغبة في المجد البشريّ: حرِّرنا، يا ربّ.

من التّجربة التي تحملنا على تجاهل المتألّمين: حرِّرنا، يا ربّ.

من الانشغال بأنفسنا فقط: حرِّرنا، يا ربّ.

من الخوف من أن نلتزم بأمانة: حرِّرنا، يا ربّ.

من الخوف من الصّليب ومن رفضه: حرِّرنا، يا ربّ.

المرحلة الثَّالثة

يسوع يَقَعُ تحتَ الصَّليب للمرَّة الأولى

 

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ يوحنَّا (12، 24-25)

الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض، إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإِذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَرًا كثيرًا. مَن أَحَبَّ حياتَه فقَدَها، ومَن رَغِبَ عنها في هذا العالَم حَفِظَها لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة.

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي (Amm XXII, 3: FF 172)

طوبى للخادم الذي لا يسرع في تبرير نفسه، والذي يحتمل بتواضع الخزْي والتّأنيب عن خطيئة ارتكبها، حتّى ولو لم يرتكبها.

كانت حياتك، يا يسوع، سلسلة مستمرّة من الانحدار والتّواضع. فمع أنّك الله، تجرّدت من ذاتك وصرت إنسانًا. كنت غنيًّا فصرت فقيرًا. وعند نهاية رسالتك، حمَلْتَ على كتفيك ثقل البشريّة جمعاء، ووقعت على الحجارة الصّلبة في طريق الآلام، الطّريق الذي كان يسلكه المحكوم عليهم بالموت أمام أهل أورشليم، الذين توافدوا كأنّهم يشاهدون مشهدًا.

كان ذلك تمهيدًا لانحدار أعمق: النّزول إلى منازل الموتى، والوقوع في سرّ الموت، حيث يسقط كلّ واحد منّا عند نهاية هذه الحياة الأرضيّة. أمّا سقوطك فهو سقوط حبّة القمح في الأرض، المستعدّة لأن تموت لتعطي ثمرًا.

ساعدنا نحن أيضًا لنختار أن نكون في الأدنى، عند أقدام الآخرين، بدل أن نسعى للبقاء في الأعلى ونسيطر عليهم. ساعدنا لنتعلّم طريق التّواضع بخبرات سقطاتنا ومذلّتنا، ونعرف أن نحتمل الإهانات والمظالم بسلام.

اجعلنا نشعر بأنّك قريب منّا، خصوصًا عندما نقع، وندرك أنّك أنت الذي تنهضنا وتعيدنا من جديد إلى الطّريق. واجعلنا أيضًا نتعلّم أن نثق بالأرض مثل حبّة القمح، فنعرف أنّ الموت، بفضلك، هو رحم الحياة الأبديّة.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: أنهضنا، يا يسوع.

عندما نقع بسبب ضعفنا: أنهضنا، يا يسوع.

عندما نقع لأنّ آخر كان سبب وقوعنا: أنهضنا، يا يسوع.

عندما نقع بسبب خيارات خاطئة: أنهضنا، يا يسوع.

عندما نقع في اليأس: أنهضنا، يا يسوع.

عندما نقع في سرّ الموت: أنهضنا، يا يسوع.

المرحلة الرَّابعة

يسوع يَلتقي أُمَّهُ الحَزينَة

 

من إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ يوحنَّا (19، 25-27)

هُناكَ عِندَ صَليبِ يسوع، وقَفَت أُمُّه، وأُختُ أُمِّه مَريَمُ امرأَةُ قَلُوبا، ومَريَمُ المِجدَلِيَّة. فرأَى يسوعُ أُمَّه وإِلى جانِبِها التِّلميذُ الحَبيبُ إِلَيه. فقالَ لأُمِّه: «أَيَّتها المَرأَة، هذا ابنُكِ». ثُمَّ قالَ لِلتِّلميذ: «هذه أُمُّكَ». ومُنذُ تِلكَ السَّاعَةِ استَقبَلَها التِّلميذُ في بَيتِه.

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي (Rb VI, 8: FF 91)

ليُظهر كلّ واحد للآخر احتياجاته بثقة، لأنّه إن كانت الأم تُغذّي وتحبّ ابنها بالجسد، فكم بالأحرى يجب على الإنسان أن يحبّ ويغذّي أخاه بالرّوح؟

من الطّبيعيّ أن تكون الأمّ معنا في بداية حياتنا. لكن ليس من الطّبيعيّ أن تبقى الأم إلى جانبنا عند ساعة موتنا، لأنّ ذلك يعني أنّ الحياة قد انتُزعت منّا: بسبب مرض، أو حادث، أو عنف، أو يأس. أمّا مريم العذراء، المرأة التي وَلَدَتك، أنت، يا يسوع، فهي بجانبك أيضًا في مسيرتك نحو جبل الجلجلة وتقف معك عند الصّليب.

طلبت منها أن تظلّ أمًّا للتّلميذ الحبيب، ولكلّ واحدٍ منّا، وللكنيسة، ولهذه الإنسانيّة الجديدة التي وُلِدَت في السّاعة نفسها التي أَعطيت فيها حياتك ومُت. في أسمى ساعة من رسالتك، وقبل أن يتِمَّ كلّ شيء، طلبت منها أوّلًا أن تعانق كلّ واحدٍ منّا. وبعدها فقط طلبت منّا أن نعانقها. لأنّ أمّنا مريم العذراء تسبقنا دائمًا. ففي عرس قانا سبقتك أنت أيضًا.

يا مريم العذراء، أنظري بحنان إلى كلّ واحدٍ منّا، وخصوصًا إلى العديد والكثير من الأمّهات اللواتي ما زلن، مثلَكِ، يرون أولادهنّ يُعتقلون، ويُعذّبون، ويُحكم عليهم، ويُقتلون. وانظري بحنان إلى الأمّهات اللواتي توقظهنّ الأخبار المفجعة في منتصف الليل، وإلى اللواتي يسهرن في المستشفى على ابنٍ أوشك على الرّحيل. وأعطنا نحن قلبًا والديًّا، لنفهم ونشارك آلام الآخرين، ونتعلّم، بهذه الطّريقة أيضًا، ما معنى أن نحبّ.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: كوني عزاءنا، يا مريم أمَّنا.

الأمّهات اللواتي فقدن أولادهنّ: كوني عزاءهنَّ، يا مريم أمَّنا.

الأيتام، خاصّة بسبب الحروب: كوني عزاءهم، يا مريم أمَّنا.

المهاجرين والنّازحين واللاجئين: كوني عزاءهم، يا مريم أمَّنا.

الذين يتعرّضون للتعذيب والعقوبة الظّالمة: كوني عزاءهم، يا مريم أمَّنا.

اليائسين الذين فقدوا معنى الحياة: كوني عزاءهم، يا مريم أمَّنا.

الذين يموتون وحيدين: كوني عزاءهم، يا مريم أمَّنا.

المرحلة الخامسة

سمعان القَيْرَوانِيّ يُعين يسوع على حَملِ الصَّليب

 

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ مَرقُس (15، 22)

وسَخَّروا لِحَمْلِ صَليبِه أَحدَ المارَّةِ سِمْعانَ القَيْرَوانِيّ أَبا الإِسكَندَرِ وَروفُس، وكانَ آتِيًا مِنَ الرِّيف.

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي (Amm XVIII,1: FF 167)

طوبى للرّجل الذي يقدِّم سندًا لقريبه في ضعفه، في الأمور التي كان هو نفسه يتمنّى أن يُسنَد فيها، لو وجد نفسه في موقف مشابه.

لم يكن سمعان القَيْرَوانِيّ متطوّعًا. لم يهتمّ بكَ، يا يسوع، بمحض إرادته ليَمُدَّ إليك يد المساعدة في حمل الصّليب. ربّما كان بالكاد يعرف من أنت. ومع ذلك، بمساعدته لك في حمل الصّليب، تغيّر شيء ما في داخله، إلى درجة أنّه نقل إلى أبنائه، الإِسكَندَرِ وَروفُس، المعنى العميق لذلك الطّريق الذي سلكه معك، فصارا شهودًا لقيامتك في الجماعة المسيحيّة الأولى.

واليوم أيضًا، هناك العديد من الأشخاص الذين يختارون القيام بأعمالٍ صالحة من أجل الآخرين في كلّ أنحاء العالم. هناك آلاف المتطوّعين الذين يخاطرون بحياتهم، في ظروف صعبة، لمساعدة المحتاجين إلى الغذاء، أو التّعليم، أو الرّعاية الطّبّيّة، أو العدالة. كثير منهم لا يؤمنون بك، ومع ذلك، حتّى ولو بصورة غير واعية، ما زالوا يساعدونك في حمل الصّليب، وبينما يهتمّون بأشخاص آخرين بالجسد، فهم في الحقيقة، مرّة أخرى، يهتمّون بك أنت.

اجعلنا، يا ربّ، نتعلّم نحن أيضًا أن نقدّم لقريبنا هذا السّند والدّعم الذي نريد أن يُقدَّم لنا، لو كنّا في نفس الموقف. ساعدنا أن نكون أشخاصًا متعاطفين ورحماء، لا بالكلام فحسب، بل بالأعمال والحقّ.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: أعطنا أن نكون متنبِّهين لإخوتنا، يا ربّ.

للأشخاص الذين نلتقي بهم: أعطنا أن نكون متنبِّهين لإخوتنا، يا ربّ.

للفقراء، والمتألّمين، والمبعدين: أعطنا أن نكون متنبِّهين لإخوتنا، يا ربّ.

لمن هو وحيد وليس من يهتمّ به: أعطنا أن نكون متنبِّهين لإخوتنا، يا ربّ.

لمن يبقى في الخلف ويقع: أعطنا أن نكون متنبِّهين لإخوتنا، يا ربّ.

لمن لا يجد من يسمعه: أعطنا أن نكون متنبِّهين لإخوتنا، يا ربّ.

المرحلة السَّادسة

فيرونكا تَمسَحُ وَجهَ يَسُوع بالمنديل

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ يوحنَّا (12، 20-21)

وكانَ بَعضُ اليونانِيِّينَ في جُملَةِ الَّذينَ صَعِدوا إِلى أُورَشَليمَ لِلْعِبادَةِ مُدَّةَ العيد. فقَصَدوا إِلى فيلِبُّس، وكانَ مِن بَيتَ صَيدا في الجَليل، فقالوا له مُلتَمِسين: «يا سَيِّد، نُريدُ أَن نَرى يسوع».

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي (Pat 4: FF 269)

ليأتِ ملكوتك: حتّى تَحكم أنت فينا بالنّعمة، وتُوصِّلنا إلى ملكوتك، حيث نراك من غير حجاب، وتكون محبّتنا لك كاملة، والتّواصل معك مباركًا، والتمتّع بك بلا نهاية.

الذي أشادت المزامير به، وقالت إنّه “أَجمَلُ بني آدم” (مزمور 45، 3)، صار الآن في مظهره ملامح العبد المتألّم الذي تنبّأ به أشعيا، الذي “لا صورَةَ لَه ولا بَهاءَ فنَنظُرَ إِلَيه، ولا مَنظَرَ فنَشتَهِيَه” (أشعيا 53، 2).

فيرونيكا هي الحارسة لصورتك، يا يسوع. استطاعت أن تحصل عليها بعمل المحبّة الذي صدر عنها: مسحت وجهك الملطّخ بالدّماء والغبار. لم تنقل فيرونيكا لنا ذكرى صورة جامدة، بل صورة رجل الآلام، الذي شفى جراحنا بجراحه نفسها.

ساعدنا، يا يسوع، لننمّي في نفوسنا الشّوق إلى رؤية وجهك. وامنحنا النّعمة التي منحتها للرّسل الذين رَأَوْك مضيئًا ومتجلّيًا. وساعدنا، قبل كلّ شيء، ليكون لنا عَين فيرونيكا المتيقّظة، التي تعرفك حتّى في جمالك المشوّه. وأعطنا أن نمسح وجهك اليوم، الذي ما زال ملطّخًا بالغبار والدّماء، ومشوّهًا بكلّ عمل يدوس كرامة أيّ إنسان.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: ساعدنا لنعرفك، يا يسوع.

عندما يكون وجهك مشوّهًا: ساعدنا لنعرفك، يا يسوع.

في كلّ إنسان محكوم عليه بالأحكام المسبقة: ساعدنا لنعرفك، يا يسوع.

في الفقير الذي سُلبت منه كرامته: ساعدنا لنعرفك، يا يسوع.

في النّساء ضحايا الاتجار والعبوديّة: ساعدنا لنعرفك، يا يسوع.

في الأطفال الذين سُلِبوا طفولتهم وقُضِيَ على مستقبلهم: ساعدنا لنعرفك، يا يسوع.

المرحلة السَّابعة

يسوع يَقَعُ تحتَ الصَّليب للمرَّة الثَّانية

 

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ يوحنَّا (13، 3-5)

وكانَ يسوعُ يَعلَمُ أَنَّ الآبَ جَعَلَ في يَدَيهِ كُلَّ شَيء، وأَنَّه خَرَجَ مِنَ الله، وإِلى اللهِ يَمْضي، فقامَ عنِ العَشاءِ فخَلَعَ ثِيابَه، وأَخَذَ مِنديلًا فَائتَزَرَ بِه، ثُمَّ صَبَّ ماءً في مَطهَرَةٍ وأَخَذَ يَغسِلُ أَقدامَ التَّلاميذ، ويَمسَحُها بِالمِنديلِ الَّذي ائْتَزَرَ بِه.

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي (Rnb V, 13-14: FF 20)

لا يُلحِقْ أخ بأخيه سوءًا، لا بالقول ولا بالعمل، بل اخدموا بعضكم بعضًا وأطيعوا بعضًا بالمحبّة التي تأتي من الرّوح.

كانت كلّ حياتك، يا يسوع، سلسلة مستمرّة من الانحناء والتّواضع. عندما غسلت أرجل التّلاميذ في العشاء الأخير، تركت لنا مثالًا وتعليمًا ونبوءة: مثال الخدمة، وتعليم المحبّة الأخويّة، ونبوءة بذل الحياة. تأثّر فرنسيس الأسيزي بعمق بتواضعك هذا، حتّى أنّه دعانا إلى أن نغسل بعضُنا أرجلَ بعض، أي أن نكون دائمًا مستعدّين لخدمة إخوتنا. وأراد أن يُقرأ عليه هذا الإنجيل في مساء الثّالث من تشرين الأوّل/أكتوبر قبل ثمانية قرون، قبل وفاته.

في محبّتك لنا حتّى النّهاية، حتّى بذل حياتك من أجلنا، تجلّت أيضًا نبوءة قيامتك من بين الأموات، لأنّ محبّة بهذا السّموّ أقوى من الموت. ومحبّة بهذا المقدار كشفت المعنى النّهائيّ للحبّ: أن تأخذنا إلى حياة الله نفسها.

حين وقعت، يا يسوع، وقعت لترفعنا وتنهضنا من سقطاتنا. وحين وقعت، وقعت لترفع الذين يُسحَقون على الأرض بسبب الظّلم والكذب وكلّ شكل من أشكال الاستغلال والعنف، وبسبب الشّقاء النّاتج عن اقتصاد يهدف إلى الرّبح الفرديّ بدل الخير العام. وحين وقعت، وقعت أيضًا لترفعني وتنهضني أنا أيضًا.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: أنهضنا، يا ربّ.

عندما تسحقنا أخطاؤنا: أنهضنا، يا ربّ.

عندما يثقل علينا عبء المسؤوليّة: أنهضنا، يا ربّ.

عندما نقع في الاكتئاب: أنهضنا، يا ربّ.

عندما لا نبقى أمناء لخياراتنا: أنهضنا، يا ربّ.

عندما نصير عبيدًا للإدمان: أنهضنا، يا ربّ.

المرحلة الثَّامنة

يسوع يَلتَقِي نِساءَ أورشليم

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ لُوقَا (23، 27-31)

وتَبِعَه جَمعٌ كثيرٌ مِنَ الشَّعب، ومِن نِساءٍ كُنَّ يَضرِبنَ الصُّدورَ ويَنُحنَ علَيه. فالتَفَتَ يَسوعُ إِليهِنَّ فقال: «يا بَناتِ أُورَشَليمَ، لا تَبكِينَ عَليَّ، بلِ ابكِينَ على أَنفُسِكُنَّ وعلى أَولادِكُنَّ. فها هي ذي أَيَّامٌ تَأتي يقولُ النَّاسُ فيها: طوبى للعواقِرِ والبُطونِ الَّتي لم تَلِدْ، والثُّدِيِّ الَّتي لم تُرضِعْ. وعِندَئِذٍ يأخُذُ النَّاسُ يَقولونَ لِلجِبال: أُسقُطي علَينا، ولِلتِّلالِ: غَطِّينا. فإِذا كانَ يُفعَلُ ذلك بِالشَّجَرَةِ الخَضْراء، فأَيًّا يَكونُ مَصيرُ الشَّجَرَةِ اليابِسة؟».

 

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي(Pater 5: FF 270)

لتكن مشيئتك، كما في السّماء كذلك على الأرض: لكي نحبّك بكلّ قلبنا، ونفكّر فيكَ دائمًا، ونحبّك بكلّ نفسنا، ونشتاق إليك دائمًا، ونحبّك بكلّ ذهننا، ونوجّه إليكَ كلّ نوايانا ونسعى إلى إكرامك في كلّ شيء، ونحبّك بكلّ قوّتنا، ونبذل كلّ طاقاتنا وأحاسيسنا، في النّفس والجسد، تقدمةَ تسبيح لحبّك لا لشيء آخر، ولكي نحبّ قريبنا كما نحبّ أنفسنا، ونشدّ الجميع إلى محبّتك على مقدار قوّتنا، ونفرح لخيرات الآخرين كما لو كانت خيراتنا، وفي الشّرور نتألّم معهم ولا نسيء إلى أحد.

يا يسوع، تبعتك النّساء، وساندنَك دائمًا، منذ بداية كرازتك. وما زلن هنا الآن أيضًا، عند الصّليب. حيث يوجد ألم أو حاجة، تكون النّساء حاضرات: في المستشفيات ودور الرّعاية، وفي مؤسّسات العلاج والشّفاء والاستقبال، وفي البيوت والعائلات مع الأطفال والقاصرين الضّعفاء، وفي مواقع الرّسالة البعيدة جدًّا حيث يفتحن المدارس والمستوصفات، وفي مناطق الحروب والصّراعات لمساعدة الجرحى ومواساة النّاجين.

لقد أخذت النّساء رسالتك على محمل الجدّ، وأيضًا كلامك القاسي: فهُنَّ على مرِّ القرون يبكين على أنفسهنّ وعلى أولادهنّ: الذين ألقي عليهم القبض وسُجنوا خلال المظاهرات، ورُحّلوا بسبب سياسات لا رحمة فيها، وغرقوا في رحلات يائسة بحثًا عن الأمل، وقُتِلوا في مناطق الحروب، وأُبيدوا في معسكرات الإبادة.

ما زالت النّساء تبكي. هَب لكلّ واحدٍ منّا أيضًا، يا ربّ، قلبًا رحيمًا، قلبَ أُمّ، والقدرة على أن نشعر بأنّ ألم الآخرين هو ألمنا. هَب لنا المزيد من الدّموع، يا ربّ، لكي لا نبدّد ضمائرنا في ضباب اللامبالاة، ونستمرّ ونبقى بشرًا.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: أعطنا دموعًا لنبكي، يا ربّ.

لكي نبكي على دمار الحروب: أعطنا دموعًا لنبكي، يا ربّ.

لكي نبكي على المجازر والإبادة الجماعيّة: أعطنا دموعًا لنبكي، يا ربّ.

لكي نبكي مع الأمّهات والزّوجات: أعطنا دموعًا لنبكي، يا ربّ.

لكي نبكي على وحشيّة المستبدّين: أعطنا دموعًا لنبكي، يا ربّ.

لكي نبكي على لامبالاتنا: أعطنا دموعًا لنبكي، يا ربّ.

المرحلة التَّاسعة

يسوع يَقَعُ تحتَ الصَّليب للمرَّة الثَّالثة

 

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ يوحنَّا (14، 6-7)

قالَ يسوع [لتوما]: «أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلَّا بي. فلَو كُنتُم تَعرِفوني لَعَرفتُم أَبي أَيضًا. مُنذُ الآنَ تَعرِفونَه وقَد رأَيتُموه».

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي(Rnb XXIII, 3: FF 64)

نشكرُك، لأنّك كما خلقتنا بواسطة ابنك، هكذا بمحبّتك المقدّسة، التي أحببتنا بها، جعلت الإله الحقّ والإنسان الحقّ نفسه يولد من سيّدتنا الكاملة القداسة، والمجيدة، والدّائمةَ البتوليّة، مريم، وبصليبه ودمه وموته أردت أن تفتدينا من العبوديّة.

أنت الذي “وُلِدت على طول الطّريق من أجلنا” (S. Francesco, UffPass XV,7: FF 303)، الآن، وللمرّة الثّالثة تقع في درب الآلام الذي يقودك إلى الجلجثة.

وقوعك ثلاث مرّات يذكّرنا أنّه لا يوجد مرّة وقعنا فيها وأنت لم تكن بجانبنا. نعم، لأنّك بجانبنا في كلّ ضعفنا، ويمكنك وتريد أن ترفعنا من كلّ سقطاتنا، لأنّك تريد أن يصل كلّ واحدٍ منّا معك إلى الآب ويجد الحياة الحقيقيّة، الأبديّة، التي لا يستطيع شيء ولا أحد أن يسلبنا إيّاها.

في مسيرتنا على خطاك، لا يهمّ كم مرّة وقعنا، بل المهمّ فقط أنّك بجانبنا ومستعدّ لأن ترفعنا مرّة أخرى، ومرّات كثيرة، لأنّ محبّتك ومغفرتك ورحمتك هي أكبر من ضعفنا بكثير.

اسندنا في عدم إيماننا وأعطنا نعمة الإيمان أنّك تستطيع أن ترفعنا وتنهضنا.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: استخدمنا، يا يسوع.

لنرفع كلّ الذين يقعون: استخدمنا، يا يسوع.

لنرفع الذين يبقون على الأرض: استخدمنا، يا يسوع.

لنرفع الأشخاص الأكثر ضعفًا: استخدمنا، يا يسوع.

لنرفع الذين نفكّر في أنّهم ”استحقّوا ما أصابهم“: استخدمنا، يا يسوع.

لنرفع الذين يبدو أنّ لا أمل منهم: استخدمنا، يا يسوع.

المرحلة العاشرة

يسوع يُعَرَّى من ثِيابِهِ

 

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ يوحنَّا (19، 23-24)

وأَمَّا الجُنود فبَعدَما صَلَبوا يسوع أَخذوا ثِيابَه وجَعلوها أَربَعَ حِصَص، لِكُلِّ جُندِيٍّ حِصَّة. وأَخَذوا القَميصَ أَيضًا وكانَ غَيرَ مَخيط، مَنسوجًا كُلُّه مِن أَعلاهُ إِلى أَسفَلِه. فقالَ بَعضُهم لِبَعض: «لا نَشُقَّه، بل نَقتَرِعُ علَيه، فنَرى لِمَن يَكون». فتَمَّتِ الآية: «اقتَسَموا ثِيابي، وعلى لِباسي اقتَرعوا». فهذا ما فَعَلَه الجُنود.

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي (LOrd, 28-29: FF 221)

انظروا، أيّها الإخوة، إلى تواضع الله، وافتحوا أمامه قلوبكم، وتواضعوا أنتم أيضًا، لكي يرفعكم هو. لذلك، لا تحتفظوا بشيء من أنفسكم لأنفسكم، حتّى يستقبلكم جميعًا وكلّ شيء فيكم هو الذي يقدِّم نفسه كاملة من أجلكم.

أنت نفسك، يا يسوع، اخترتَ أن تتجرّد من المجد الإلهيّ لتلبس “جسد إنسانيّتنا وضعفنا الحقيقيّ” (S. Francesco, 2 Lfed 4: FF 181 ). والآن ينزعون عنك ثيابك، في قَسوَتِهم وسَعيِهِم لإذلالك وسلبك كرامتك الإنسانيّة أيضًا.

إنّها محاولة تتكرّر باستمرار حتّى في أيّامنا هذه. تمارسها الأنظمة الاستبداديّة عندما يُجبر السّجناء على البقاء شبه عراة في زنزانة خالية أو في ساحة السّجن. ويمارسها المعذّبون الذين لا يكتفون بنزع الثّياب، بل يسلخون الجلد واللحم أيضًا. ويمارسها من يأذنون ويستخدمون أشكال التّفتيش والمراقبة التي لا تحترم كرامة الإنسان. ويمارسها المغتصبون والمعتدون، الذين يتعاملون مع الضّحايا كأشياء. وتمارسها صناعة التّرفيه، حين تستعرض العُرْيَ لتكسب المزيد من المشاهدين. ويمارسها عالم الإعلام، عندما يُعرّي الأشخاص أمام الرّأي العام. وأحيانًا نمارسها نحن أيضًا، بفضولنا الذي لا يحترم الحَياء، ولا الخصوصيّة، ولا سرّيّة الآخرين.

ذكّرنا يا ربّ، أنّ كلّ مرّة لا نعترف فيها بكرامة الآخرين، تتلاشى كرامتنا نحن، وكلّ مرّة نوافق أو نمارس سلوكًا غير إنسانيّ تجاه أيّ إنسان، نفقد نحن إنسانيّتنا.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: ألبسنا، يا يسوع.

بتواضعك اللانهائيّ: ألبسنا، يا يسوع.

بالاحترام لكلّ إنسان: ألبسنا، يا يسوع.

بالشّعور بالرّحمة: ألبسنا، يا يسوع.

بالإحساس المتجدّد للحياء: ألبسنا، يا يسوع.

بالقوّة للدّفاع عن كرامة كلّ إنسان: ألبسنا، يا يسوع.

المرحلة الحاديةَ عَشْرَة

يسوع يُسَمَّرُ على الصَّليب

 

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ يوحنَّا (19، 17-19)

فخَرَجَ [يسوعُ] حامِلًا صَليبَه إِلى المَكانِ الَّذي يُقالُ لَه مَكانَ الجُمجُمة، ويقالُ لهُ بِالعِبرِيَّةِ جُلْجُثَة. فَصَلبوهُ فيه، وصَلَبوا معَه آخَرَين، كُلٌّ مِنهُما في جِهَة، وبَينَهما يسوع. وكَتَبَ بيلاطُسُ رُقعَةً وجَعَلَها على الصَّليب، وكانَ مَكتوبًا فيها: «يسوعُ النَّاصِريُّ مَلِكُ اليَهود».

 

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي (Cant 23-26: FF 263)

كُنْ مُسَبَّحًا، يا سيِّدي، من أجل الذين يغفرون من أجل محبّتك ويحتملون المرض والمحنة. طوبى للذين يحتملون ذلك بسلام، لأنّك أنت، أيّها العليّ، سوف تكلّلهم.

يا يسوع، وأنت مسمّرٌ على الصّليب كالمجرم، ولكن بعنوان يكشف ملكوتك، أظهرت لنا ما هي السُّلطة الحقيقيّة. ليست سُلطة الذي يظنّ أنّه يملك حياة الآخرين ليمنحهم الموت، بل سُلطة الذي يستطيع حقًّا أن يقهر الموت وأن يمنح الحياة، ويَهب الحياة حتّى بقبول الموت. بيَّنت لنا أنّ السُّلطة الحقيقيّة ليست للذي يَفرض نفسه بالقوّة والعنف، بل للذي يستطيع أن يأخذ على عاتقه شرّ البشريّة، وشرّنا، وشرّي، ويبطله بقوّة المحبّة التي تتجلّى في المغفرة. أنت الملك الذي يملك على الصّليب: لم تستخدم قوّة الجيوش الظّاهرة، بل استخدمت ضعف المحبّة الظّاهر، الذي سَمح بأن يُسَمَّر. أنت الملك، وصار صليبك المحور الذي يدور حوله التّاريخ وكلّ الكون، لكي لا يقع في جحيم العجز عن المحبّة.

أنت، الملك المصلوب، تذكّرنا أنّه إن أردنا أن نكون شُركاء في ملكوتك، وَجَبَ علينا نحن أيضًا أن نتعلّم أن نغفر من أجل محبّتك، وأن نتحمّل بسلام صعوبات الحياة، لأنّ الذي ينتصر ليس محبّة القوّة، بل قوّة المحبّة.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: علِّمنا أن نحبّ.

عندما نتعرّض للظلم: علِّمنا أن نحبّ.

عندما نريد الانتقام: علِّمنا أن نحبّ.

عندما نتعرّض لتجربة العنف: علِّمنا أن نحبّ.

عندما نظنّ أنّ المغفرة أمر مستحيل: علِّمنا أن نحبّ.

عندما نشعر بأنّنا مصلوبون: علِّمنا أن نحبّ.

المرحلة الثَّانِيَةَ عَشْرَة

يسوع يَمُوتُ على الصَّليب

 

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ يوحنَّا (19، 28-30)

وبَعدَ ذلك، كانَ يَسوعُ يَعلَمُ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ قدِ انتَهى، فلِكَي يَتِمَّ الكِتاب، قالَ: «أَنا عَطْشان». وكانَ هُناكَ إِناءٌ مَمْلوءٌ خَلًّا. فوَضَعوا إِسْفَنْجَةً مُبتَلَّةً بِالخَلِّ على ساقِ زوفى، وأَدنَوها مِن فَمِه. فلَمَّا تَناوَلَ يسوعُ الخَلَّ قال: «تَمَّ كُلُّ شَيء». ثُمَّ حَنى رأسَه وأَسلَمَ الرُّوح.

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي (2Lfed 11-13: FF 184)

وكانت مشيئة الآب أن يَبذُلَ ابنُه المبارك والممجّد، الذي وهبنا إيّاه ووُلد من أجلنا، أن يَبذُلَ نفسه، بدمه، ذبيحة وقربانًا على مذبح الصّليب، ليس لنفسه، لأنّ بِهِ كانَ كُلُّ شَيء، بل كفّارة عن خطايانا، وليترك لنا المثال حتّى نسير على خطاه.

”لقد تمّ“. لا يعني ذلك أنّ كلّ شيء انتهى، بل أنّ الغاية التي من أجلها صرتَ، يا يسوع، واحدًا منّا قد تمّت: لقد أتممت الرّسالة التي أوكلها إليك الآب، والآن يمكنك أن ترجع إليه، حامِلًا إيّانا معك.

من الآن فصاعدًا، نعلَم أنّه حين نسمح لأنفسنا بأن ننجذب إليك، ونرفع نظرنا نحوك، نجد أنفسنا أمام الذي يُصالحنا، ويمحي دَينَنا، ويُدخلنا إلى قدس الأقداس الذي هو حياة الله نفسها. نجد أنفسنا أمام الذي يمنحنا، بتحقيقه غاية تجسّده، الإمكانيّة لأن ندرك المعنى العميق لحياتنا: وهو أن نصير أبناء الله، ونكون تحفة عمل الله.

ساعدنا، أيّها الرّبّ يسوع، لنقبل عطيّة الرّوح القدس، التي أفضتها علينا في ساعة موتك على الصّليب، وأعطنا، نحن أيضًا، أن نتمكّن من أن نعبر معك من هذا العالم إلى الآب.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: أعطنا روحكَ القدّوس، يا ربّ.

لكي نصير خليقة جديدة وتكون حياتنا في الله: أعطنا روحكَ القدّوس، يا ربّ.

لكي نعرف أنّ دَينَنا قد مُحِيَ: أعطنا روحكَ القدّوس، يا ربّ.

لكي نستطيع أن نصلّي ونقول “أَبَّا، يا أَبَتِ”: أعطنا روحكَ القدّوس، يا ربّ.

لكي نقبل كلّ شخصٍ مثل أخٍ وأختٍ لنا: أعطنا روحكَ القدّوس، يا ربّ.

لكي نكتشف معنى الحياة النّهائيّ: أعطنا روحكَ القدّوس، يا ربّ.

المرحلة الثَّالِثَةَ عَشْرَة

يسوع يُنزَلُ عَنِ الصَّلِيب

 

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ يوحنَّا (19، 38-39)

وبَعدَ ذلِك جاءَ يوسُفُ الرَّاميّ، وكانَ تِلميذًا لِيَسوعَ يُخْفي أَمرَهُ خَوفًا مِنَ اليَهود، فسأَلَ بيلاطُسَ أَن يأخُذَ جُثمانَ يَسوع، فأَذِنَ له بيلاطُس. فجاءَ فأَخَذَ جُثْمانَه. وجاءَ نيقوديمُس أَيضًا، وهوَ الَّذي ذهَبَ إِلى يَسوعَ لَيلًا مِن قَبلُ، وكانَ مَعه خَليطٌ مِنَ المُرِّ والعودِ مِقدارُه نَحوُ مائةِ دِرهَم.

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي (Cant 27-31: FF 263)

كُنْ مُسَبَّحًا يا سيّدي، لأخينا الموت الجسديّ، الذي لا يقدر أن يفلت منه إنسانٌ حيّ: الويل لمن يموتون في الخطايا المميتة. وطوبى لمن يجدهم الموتُ في إرادتك الكلّيّة القداسة، لأنّ الموت الثّاني لن يلحق بهم سوءًا.

مات يسوع قبل قليل، وبدأ موته يعطي ثماره الأولى. يوسُفُ الرَّاميّ ونيقوديمُس، اللذان كانا تلميذيْن ليسوع، لكن سرًّا، خوفًا من أن ينكشف أمرهما، وجدا الآن الشّجاعة ليذهبا إلى بيلاطس ويطلبا جسده. وهكذا قاما بعمل رحمة إنسانيّة، وهو إنزال محكوم عليه بالإعدام من الصّليب ودفنه بكرامة ووقار.

يجب ألّا تبقى أبدًا جثث لا تُسلَّم أو لا تُدفَن: يجب ألّا تُجبر أبدًا أمّهات المحكوم عليهم بالإعدام، وأقاربهم، وأصدقائهم على التذلُّل أمام السُّلطة لاستعادة رفات أحبّائهم المعذّبين. حتّى جسد الميت يَحتَفِظ بكرامة الشّخص، ويجب ألّا يُهان، أو يُخفَى، أو يُتلف، أو لا يُسلَّم، أو يُحرَم من دفن لائق. ليس فقط جسد الشّخص الصّالح، بل حتّى جسد المجرم يستحق الاحترام.

يا يسوع، قبضوا عليك، وعذَّبوك، وحَكموا عليك بالموت ظلمًا، لكنّ جسدك استعاد كرامته. اجعل زمننا، الذي فقد الاحترام للأحياء، يحافظ على الأقل على احترام الأموات.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: علِّمنا الرّحمة، يا ربّ.

لكي نشعر بآلام السّجناء: علِّمنا الرّحمة، يا ربّ.

لكي نكون متضامنين مع السّجناء السّياسيّين: علِّمنا الرّحمة، يا ربّ.

لكي نفهم أقارب الرّهائن: علِّمنا الرّحمة، يا ربّ.

لكي نبكي على الموتى تحت الأنقاض: علِّمنا الرّحمة، يا ربّ.

لكي نحترم جميع الموتى: علِّمنا الرّحمة، يا ربّ.

 

المرحلة الرَّابِعَةَ عَشْرَة

يسوع يُدفَنُ في القَبْر

 

مِن إنجِيلِ رَبِّنا يَسُوعَ المَسِيحِ لِلقِدِّيسِ يوحنَّا (19، 40-42)

فحَمَل [يوسُفُ الرَّاميّ ونيقوديمُس] جُثْمانَ يسوع ولَفُّوهُ بِلَفائِفَ مع الطِّيب، كما جَرَت عادةُ اليَهودِ في دَفنِ مَوتاهُم. وكانَ في المَوضِعِ الَّذي صُلِبَ فيهِ بُسْتان، وفي البُستانِ قَبرٌ جَديد لم يَكُنْ قد وُضِعَ فيهِ أَحَد. وكانَ القَبرُ قَريبًا فَوضَعوا فيه يَسوع بِسَبَبِ تَهْيِئَةِ السَّبْتِ عِندَ اليَهود.

 

من كتابات القدّيس فرنسيس الأسيزي (2Lfed 61-62: FF 202)

إلى الذي تحمّل كثيرًا من أجلنا، والذي أغدق علينا خيرًا كثيرًا وسيغدق علينا في المستقبل، إلى الله، لتُسبِّحه كلّ خليقة في السّماوات، وعلى الأرض، وفي البحر، وفي الهاوية، وتُمجّده، وتُكرّمه، وتُباركه، لأنّه هو قوّتنا وحصننا، وهو وحده الصّالح، ووحده العليّ، ووحده القادر على كلّ شيء، والبديع، والممجّد، وهو وحده قدّوس، والمستحقّ الحمد والمبارك إلى أبد الآبدين. آمين.

بدأ كلّ شيء في بستان، في جنّة عدن، التي نالها الأجداد هبة ليحرسوها، ثمّ أُخرِجوا منها لأنّهم لم يثقوا بالله. وبدأ كلّ شيء من جديد في بستان، حيث دُفن يسوع وحيث قام من بين الأموات: هذا مكان تتحوّل فيه الخليقة القديمة الضّعيفة والفانية إلى خليقة جديدة، وتشارك في حياة الله نفسها. هذا المكان هو الباب الذي نزل منه يسوع إلى الجحيم، وهو مدخل الفردوس، لم يعد أرضيًّا وزمنيًّا، بل هو سماويٌّ ونهائيّ. هذا هو مكان آخِرِ عملِ رحمة، وآخِر دموع ذُرفت على جسد المسيح الميت. هذا مكان أوّل لقاء مع الرّبّ القائم من بين الأموات، الحيّ إلى الأبد، نعرفه عندما ينادينا باسمنا أو يفتح عيوننا، ولا يمكن أن نحتفظ به. هذا هو المكان الذي قَبِلَت فيه مريم المجدليّة التّكليف لتعلن أنّ الموت قد هُزم لأنّ يسوع النّاصريّ قد قام الآن من بين الأموات، هو الرّبّ، وهو الحيّ الذي لا يمكن أن يموت بعد الآن.

منذ ذلك الحين، نحن أيضًا دُفِنَّا، في المعموديّة، مع يسوع، في ذلك البستان نفسه، على رجاء مؤكّد أنّ الذي أقام المسيح من بين الأموات سيمنح الحياة أيضًا لأجسادنا الفانية بروحه الذي يسكن فينا (راجع رومة 8، 11). نشكرك يا ربّ، لأنّك أعطيتنا أساسًا مؤكّدًا لرجائنا في الحياة الأبديّة.

لِنُصَلِّ وَلْنَقُلْ: تعال، أيّها الرّبّ يسوع.

لتسير معنا مرّة أخرى في البستان: تعال، أيّها الرّبّ يسوع.

لتجفّف الدّموع من عيوننا: تعال، أيّها الرّبّ يسوع.

لتمنحنا رجاءً مؤكّدًا: تعال، أيّها الرّبّ يسوع.

لتدحرج الحجر الذي يرزح على قلبنا: تعال، أيّها الرّبّ يسوع.

لتجعلنا نرى الفردوس: تعال، أيّها الرّبّ يسوع.

 

صلاة ختاميَّة وبركة

الأب الأقدس:

في ختام صلاة درب الصَّليب، لنجعل صلاة القدّيس فرنسيس صلاتنا التي يدعونا بها إلى أن نعيش حياتنا كمسيرة مشاركة تدريجيّة في علاقة المحبّة التي توحِّد الآب والابن والرّوح القدس.

أيّها الإله القدير، والأزليّ، والعادل، والرّحيم، امنحنا نحن الفقراء أن نعمل، من أجل محبّتك، ما نعلَم أنّك تريده، وأن نريد دائمًا ما يرضيك، حتّى نستطيع، وقد تطهّرنا من الدّاخل، وأنارنا وأشعلنا نار الرّوح القدس من الدّاخل، أن نتبع خُطَى ابنك الحبيب، ربّنا يسوع المسيح، وبنعمتك وحدها، نبلغ إليك، أيّها العليّ، الحيّ والمالك والممجَّد، في الثّالوث الكامل وفي الوَحدة البسيطة، أيّها الإله القدير إلى أبد الآبدين. آمين (LOrd 50-52: FF 233).

ونختتم صلاتنا ببركة الكتاب المقدّس القديمة (راجع العدد 6، 24-26)، التي كان القدّيس فرنسيس يبارك بها الإخوة وكلّ النّاس، حتّى صارت ”بركته الخاصّة“ (cfr BfL: FF 262).

الأب الأقدس: الرَّبُّ مَعَكُم.

الجميع: ومَعَ روحِكَ أيضًا.

الأب الأقدس: بارَكَكُم الرَّبُّ وحَفِظَكُم.

الجميع: آمين.

الأب الأقدس: أَضاءَ الرَّبُّ بِوَجهِهِ عَلَيكُم ورَحِمَكُم.

الجميع: آمين.

الأب الأقدس: رَفَعَ الرَّبُّ وَجهَهُ نَحوَكُم ومَنَحَكُم السَّلام.

الجميع: آمين.

الأب الأقدس: بَرَكَةُ الله القادِرُ على كُلِّ شَيء،

الآبُ ✠ والابنُ ✠ والرُّوحُ ✠ القُدُس،

تَحِلُّ عَلَيكُم وَتَستَقِرُ مَعَكُم دائِمًا.

الجميع: آمين.

***********

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

ZENIT Staff

فريق القسم العربي في وكالة زينيت العالمية يعمل في مناطق مختلفة من العالم لكي يوصل لكم صوت الكنيسة ووقع صدى الإنجيل الحي.

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير