أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،
الإنجيل الذي أصغينا إليه (يوحنّا 6، 1-15) هو كلمة خلاص لكلّ البشريّة. هذه البُشرى السّارّة تُعلَن اليوم في كلّ مكان، وللكنيسة في الكاميرون، فليتردّدْ صداها مثل إعلانٍ إلهيّ لمحبّة الله ووَحدتنا وشركتنا.
في الواقع، شهادة الرّسول يوحنّا تروي لنا عن جمعٍ غفير (راجع الآيات 2-5)، مثلنا نحن الآن، هنا. ولم يكن هناك سوى القليل من الطّعام لكلّ هؤلاء النّاس: “خَمسَةُ أَرغِفَةٍ مِن شَعير وسَمَكتان” (الآية 9) فقط. يلاحظ يسوع هذا النّقص الكبير، ويسألنا اليوم، كما سأل تلاميذه آنذاك: بأيّ طريقة ستحلّون هذه المشكلة؟ انظروا كم من النّاس جائعون، ومنهكون من التّعب. ماذا ستفعلون؟
هذا السّؤال موجَّه إلى كلّ واحد منّا: موجَّه إلى الآباء والأمّهات الذين يسهرون على عائلاتهم. وموجّه إلى رعاة الكنيسة الذين يسهرون على قطيع الرّبّ يسوع. وموجّه إلى الذين يتحمّلون المسؤوليّة الاجتماعيّة والسّياسيّة ليهتمّوا بالشّعب وخَيره. المسيح يوجّه هذا السّؤال إلى المقتدرين والضّعفاء، وإلى الأغنياء والفقراء، وإلى الشّباب والمسنّين، لأنّنا كلّنا نجوع بالطّريقة نفسها. هذا الألم يذكّرنا بأنّنا بشرٌ خلقنا الله. نحن بحاجة إلى الطّعام لنعيش. نحن لسنا الله: ولكن، أين الله أمام جوع النّاس؟
بينما ينتظر يسوع أجوبتنا، أعطى هو جوابه: “أَخَذَ الأَرغِفَةَ وشَكَر، ثُمَّ وزَّعَ مِنها على الآكِلين، وفَعَلَ مِثلَ ذلك بِالسَّمَكَتَين، على قَدْرِ ما أَرادوا” (الآية 11). مشكلة كبيرة تمّ حلّها بمباركة الطّعام القليل الموجود وتقسيمه على جميع الجائعين. تكثير الخمسة أرغفة والسّمكتين يحدث في المشاركة: هذه هي المعجزة! هناك خبز للجميع إن أُعطي للجميع. هناك خبز للجميع إن أُخذ بيدٍ تُعطي، لا بيدٍ تأخذ وتنغلق. لنلاحظ جيّدًا عمل يسوع: عندما أخذ ابن الله الخمسة أرغفة والسّمكتين، شَكَرَ أوّلًا. شكر الآب على خيرٍ صار عطاء وبركة لكلّ الشّعب.
هكذا يصير الطّعام وافرًا: فلا يُقنَّن في حالة الطّوارئ، ولا يُنهَب بسبب النّزاع، ولا يُهدَر من قِبل الذي يُفرِط في الأكل أمام الذين لا يملكون شيئًا. عندما ينتقل الطّعام من يدَي المسيح إلى أيدي تلاميذه، يزداد للجميع، بل يفيض (راجع الآيات 12-13). تعجّب الجموع ممَّا صنع يسوع، وصاحوا: “حَقًّا، هذا هوَ النَّبِيُّ!” (الآية 14)، أي الذي يتكلّم باسم الله، كلمة الله القدير. وهذا صحيح، لكنّ يسوع لم يستعمل هذا الكلام من أجل نجاح شخصيّ: فهو لم يرد أن يصير ملكًا (راجع الآية 15)، لأنّه جاء ليَخدُم بالمحبّة لا ليسيطر.
المعجزة التي صنعها هي علامة على هذه المحبّة التي لا تبيِّن لنا فقط كيف يطعم الله البشريّة بخبز الحياة، بل أيضًا كيف يمكننا نحن أن نحمل هذا الطّعام إلى كلّ الرّجال والنّساء الجائعين إلى السّلام والحرّيّة والعدل مثلنا. فكلّ عمل تضامن ومغفرة، وكلّ مبادرة للخير، هي لقمة خبز للبشريّة المحتاجة إلى العناية والاهتمام. ومع ذلك، فهذا لا يكفي. فإلى جانب الطّعام الذي يُغذّي الجسد، يجب أن نضيف مع المحبّة نفسها، غذاء النّفس، الذي يُغذّي ضميرنا ويسندنا في ساعة الخوف المظلمة، بين ظلمات الألم. هذا الطّعام هو المسيح، الذي يغذّي دائمًا كنيسته بوفرة ويقوّينا في مسيرتنا بجسده.
أيّها الإخوة والأخوات، الإفخارستيّا التي نحتفل بها تصير إذًا ينبوع إيمان متجدّد، لأنّ يسوع حاضر بيننا. هذا السّرّ المقدّس لا يُحيِي ذكرى بعيدة، بل يحقّق ”مُرافقة“ تُحوّلنا وتبدّلنا، لأنّه يقدّسنا. طوبَى لِلمَدْعوِّينَ إلى وليمة الرَّبّ! حول الإفخارستيّا، تصير هذه المائدة نفسها إعلان رجاء في مِحَنِ التّاريخ وفي الظّلم الذي نراه حولنا. تصير علامة لمحبّة الله، الذي يدعونا في المسيح إلى أن نتشارك في ما لنا، لكي يتكاثر في أخوّة الكنيسة.
الرّبّ يسوع يَسَعُ السّماء والأرض، ويعرف قلبنا وكلّ الظّروف التي نعيشها، السّعيدة أو الحزينة. لمّا صار إنسانًا ليخلّصنا، أراد أن يشاركنا في احتياجات البشريّة، بدءًا بأبسطها وبالحاجات اليوميّة. إذَّاك، الجوع لا يكشف حاجتنا فقط، بل قبل كلّ شيء محبّته: لنتذكّر ذلك كلّما التقت عيوننا بأخٍ أو أختٍ يفتقدان إلى ما هو ضروريّ. في الواقع، هذه العيون، تكرّر علينا السّؤال الذي طرحه يسوع على تلاميذه: ماذا ستفعلون لكلّ هؤلاء النّاس؟ بالطّبع، أن نكون شهودًا للمسيح، وأن نقتدي بأعمال محبّته، ترافقها مرارًا صعوبات وعوائق، في الخارج والدّاخل، حيث تستطيع الكبرياء أن تفسد القلب. في هذه اللحظات، لنردّد مع صاحب المزمور: “الرَّبُّ نوري وخَلاصي فمِمَّن أَخاف؟” (المزمور 27، 1). وإن تعثّرنا أحيانًا، فإنّ الله يشجّعنا دائمًا ويقول لنا: “أُرجُ الرَّبَّ وتَشَدَّدْ، ولْيَتَشَجَّعْ قَلبُكَ وارجُ الرَّبّ” (الآية 14).

أيّها الشّباب الأعزّاء، أوجّه إليكم خاصّة هذه الدّعوة، لأنّكم أبناء أرض أفريقيا الأحبّاء! أنتم إخوة وأخوات ليسوع، وبهذه الصّفة ضاعفوا مواهبكم بالإيمان، والمثابرة، والصّداقة التي تنعشكم. كونوا أنتم أوّلًا الوجوه والأيادي التي تحمل إلى القريب خبز الحياة: طعام الحكمة والتحرّر من كلّ ما لا يُغذّينا، بل يُربك رغباتنا الصّالحة ويسلب كرامتنا.
في بلدكم الخصب أيضًا، الكاميرون، يعاني الكثيرون من الفقر، المادّيّ والرّوحيّ. لا تستسلموا لانعدام الثّقة واليأس، وارفضوا كلّ شكل من أشكال الظّلم والعنف التي تخدعكم بوعود المكاسب السّهلة، لكنّها تقسّي القلب وتجعله بلا إحساس. لا تنسوا أنّ شعبكم أغنى من هذه الأرض، لأنّ كنزه هي قِيَمه: الإيمان، والعائلة، وحسن الضّيافة، والعمل. لذلك، كونوا صانعي المستقبل، واتبعوا الدّعوة التي يُعطيها الله لكلّ واحد، بدون أن تبيعوا أنفسكم للتّجارب التي تُبدّد الطّاقات ولا تخدم تقدّم المجتمع.
لكي تجعلوا من روحكم الأبيّة نبوءة لعالم جديد، اتّخذوا مثالًا لكم ما سمعناه في أعمال الرّسل. فقد شهد المسيحيّون الأوائل بشجاعة للرّبّ يسوع أمام الصّعوبات والتّهديدات، وثابروا حتّى وسط الإهانات (راجع أعمال الرّسل 5، 40-41). هؤلاء التّلاميذ ” كانوا لا يَنفكُّونَ كُلَّ يَومٍ في الهَيكَلِ وفي البُيوت يُعَلِّمونَ ويُبَشِّرونَ بِأَنَّ يسوعَ هو المسيح” (الآية 42)، محرّر العالم. نعم، الرّبّ يسوع يحرّر من الخطيئة والموت. إعلان هذا الإنجيل باستمرار وثبات هي رسالة كلّ مسيحيّ: إنّها الرّسالة التي أُوكلها بشكلٍ خاصّ إليكم، أيّها الشّباب، وإلى كلّ الكنيسة التي تعيش في الكاميرون. صيروا أنتم البشرى السّارّة لبلدكم، كما كان مثلًا الطّوباويّ فلوريبيرت بوانا شوي (Floribert Bwana Chui) بُشرى سارّة لشعب الكونغو.
أيّها الإخوة والأخوات، أن نعلِّم يعني أن نترك علامة، كما يصنع الفلّاح بالمحراث في الحقل، لكي يُثمر ما يزرعه. هكذا يغيّر الإعلان المسيحيّ تاريخنا، ويُحوِّل عقلنا وقلبنا. أن نُعلن يسوع القائم من بين الأموات يعني أن نرسم علامات العدل في أرض متألّمة ومضطهدة، وعلامات السّلام وسط الخصومات والفساد، وعلامات الإيمان التي تحرّرنا من المعتقدات الخرافيّة واللامبالاة. بهذا الإنجيل في قلبنا، سنشارك بعد قليل في الخبز الإفخارستيّ، الذي يُشبعنا للحياة الأبديّة. وبإيمان مفعم بالفرح، لنطلب من الرّبّ يسوع أن يُكثِّر في ما بيننا عطيّته، من أجل خير الجميع.
***********
© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026
Copyright © دائرة الاتصالات – Libreria Editrice Vaticana
