Public domain, via Wikimedia Commons

أقم العدل، الله يراك

الإنسان ينتظرك، والتاريخ يسجّل أعمالك، والله يراك

Share this Entry
عتاب أطلقته القديسة فيرونيكا جولياني، وهي لا تزال طفلة بالكاد تجيد الكلام، في وجه بائع زيت غشاش. كلمات قليلة خرجت من فم طفلة، لكنها حملت في بساطتها ضمير السماء كله.
ما أجمل أن نستعيد هذه العبارة في عيدها، وأن نلقيها اليوم على مسامع كل من يسلب إنسانا حقا، أو يهدم له بيتا، أو يقتلع منه وطنا، أو يطفئ في عينيه رجاء ً.
أقم العدل…
لأن الله يرى الطفل الذي ينام مرتجفا تحت صوت القصف. ويرى الأم التي تحمل أبناءها من نزوح إلى نزوح. ويرى الشيخ الواقف أمام ركام بيته في جنوب لبنان، يبحث بين الحجارة عن صورة، أو مفتاح، أو بقية عمر… ويرى أطفال غزة وهم يكبرون قبل أوانهم بين الجوع والخوف والفقدان.
ويرى أيضا ضحايا الحروب المنسية في بقاع العالم، أولئك الذين لا تصل أسماؤهم إلى الشاشات، لكن أنينهم يصل إلى قلبه. الله يرى القرى التي تمحى، والمنازل التي تهدم، والمدارس التي تتحول إلى ملاجئ… ويرى الشعوب التي تطالب بأبسط الحقوق، فتواجه بالصمت أو التبرير أو ازدواجية المعايير!
الحق ليس امتيازا تمنحه القوة لمن تشاء، بل كرامة أودعها الله في كل إنسان:
الحق في الحياة، والحق في العيش الكريم، والحق في الأمان داخل البيت والوطن،
والحق في ألا تتحول الطفولة إلى ذاكرة من نار، والحق في ألا تسرق من الإنسان نعمة العيش السليم،
والحق في ألا تهدم من الإنسان الكرامة ويُسلب حتى من حقه في الشكوى!
تكثر الحقوق، لكن المؤلم أن انتهاكها أصبح، عند كثيرين، سلوكا ثابتا؛ حتى بات الظلم يسمى ضرورة، والقتل دفاعا، والتهجير حلا، والصمت حيادا !!
يقول أحد المفكرين إن نقيض الفقر في الحياة ليس الغنى، بل العدل. فالعدل هو الذي يحمي الإنسان من سوء المعاملة ومن سوء توزيع الخيرات، المادية منها والمعنوية. والعدل في توزيع الاهتمام داخل العائلة والمجتمع والوطن يطرد الفقر والحرمان؛ لأن الإنسان لا يجوع إلى الخبز وحده، بل يجوع أيضا إلى الاحترام، وإلى الأمان، وإلى أن يشعر بأن حياته تساوي حياة الآخرين.
لكن كيف نقيم العدل؟
علينا أولا أن ندرك أن العدل يتخطى مجرد تجنب انتهاك قوانين قد نتحايل عليها. فالعدل ليس براءة قانونية باردة، ولا سكوتا أمام الشر بحجة أننا لم نشارك فيه مباشرة. العدل هو أن نحمل هم الإنسان، وأن نساعده على تحقيق مشيئة الله في حياته؛ وبكلمتين: أن نساعده “أن يكون”، صدى لأمر الرب الأول لكل مخلوق: “كن”.
أن يكون الإنسان حيا، لا مجرد رقم في نشرة أخبار.
أن يكون آمنا وأن يكون حرا، لا رهينة خوف أو حصار .
أن يكون مكرما، لا مادة تفاوض بين القوى ومصالح الكبار.
أن يكون على صورة الله، لا ضحية لصورة صنعها عنه خبث الاشرار.
لذلك، لا تنفصل إقامة العدل عن فعل الرحمة. فالرحمة من دون عدل قد تتحول إلى مسكن مؤقت للألم، والعدل من دون رحمة قد يتحول إلى حكم بارد لا يرى الإنسان. أما عدل الله فيقيم الحق، ويضمد الجرح، ويعيد للضحية وجهها واسمها وكرامتها.
أن نقيم العدل يعني أن نصير وجوها لرحمة الله، تلك الرحمة التي تجلت في خلقنا من رحم حبه. ويعني أن ندخل في مشروع إلهي نساعد فيه الإنسان “أن يكون”؛ لا كيفما كان، بل كما أراده الله: حرا، كريما، محبوبا، و لصورته حاملا ً. من هنا، لا يمكن للحرب التي تسحق الأبرياء، ولا للانتقام الذي يعاقب شعبا بكامله، ولا للصمت الذي يترك المظلوم وحيدا، أن تصبح عدلاً مهما ارتدت من شعارات.
“الله يراك”…
ليست عبارة للتهويل، بل للتنوير.
الله يرانا حين نتكلم، وحين نصمت.
يرانا حين ننحاز إلى المظلوم، وحين نختبئ خلف اللامبالاة.
يرانا حين نرفض أن تتحول الآلام إلى خبر عابر، وأن يتحول موت أطفال العالم إلى أرقام، وأن يصبح اعتياد المشهد أقسى من المشهد نفسه.
واليوم، فيما تتردد أمامنا كلمات القديسة فيرونيكا جولياني، نصلي من أجل انتصار الحب الإلهي في ميدان حريتنا؛ حيث يدور الصراع الحقيقي ضد قساوة قلوبنا، وتضخم أنانيتنا، والمصالح التي تضع الله والإنسان جانبا.
نصلي كي لا نعتاد الظلم، وكي لا نصبح شهودا صامتين على موت إخوتنا. نصلي لكي ينتصر العدل على منطق القوة !
أقم العدل…
فالإنسان ينتظرك، والتاريخ يسجل اعمالك، والله يراك.

إدعم زينيت

إدعم زينيت. متوفّرة بخمس لغات، يموّلها القرّاء. إشترك تبرّع

Share this Entry

أنطوانيت نمّور

1

Help us mantain ZENIT

إذا نالت هذه المقالة اعجابك، يمكنك أن تساعدنا من خلال تبرع مادي صغير