” إنَّ اللهَ أعطى الجمالَ لجسدِ الإنسان كي نرفعَ نظرَنا إليه… هو الخالق، وهو مصدر كلّ جمال…
الكتاب المقدّس يعلّمُنا أنَّ الجمالَ الحقيقيّ هو في النّفس، وفي الرّوح، وأنّ الجمالَ الرّوحيّ، جمال النّعمة الّتي تُثمر في النّفس الصّالحة… هذا الجمال لا يفنى، بل يدومُ في السّماوات، وفي الحياةِ الأخرى…”
أبونا يعقوب الكبّوشيّ
جمالُنا الخارجيّ انعكاسُ جمالِ النّعمةِ في قلوبِنا…
جمالُنا البهيّ انعكاسُ عيشِنا الفضائل البهيّة…
إن أدركْنا جمالَ أعماقِنا بلغْنا جمالًا لا يعرف الّذبول، والشّيخوخة، والموت… فأعماقنا يسكنُها روحُ الله…
وقد دعانا الله إلى أن نحفظَ أجسادَنا، لأنّها ليست ملكًا لنا وحدَنا، بل هي هيكلُ الرّوح القدس…
“أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ السَّاكِنِ فِيكُمْ؟” (1 كورنتس3: 16)
يقول أبونا يعقوب: ” عبثًا نفتخر بجمالِ الجسد، لأنَّ هذا الجمالَ هو ناشئ عن الرّوح الّذي يُحيي الجسد. فإذا انتزع منه الرّوح يتحوّل سريعًا إلى البشاعة، ويفقد جمالَه كلَّه”.
لذلك، فإنّ الاعتناءَ بالجسد لا يقتصرُ على المحافظةِ على صحّته، ونظافته، وجماله الخارجيّ، بل يشمل أيضًا صونَه من كلّ ما يسيء إلى كرامته، وذلك بعيش الفضيلة، والابتعاد عن الخطيئة، وكلّ ما يفسد الرّوح، ويشوّه صورةَ الإنسان الّتي خلقها الله على صورته، ومثاله…
فعيشُ الفضيلةِ لا يعني زينةَ النّفس، وحسب، بل هو نورٌ يشعّ في الإنسان، فينعكس صفاؤه على ملامحه وتصرفاته، وحياته. فحين يمتلئ القلب بالمحبّة، والوداعة، والطّهارة، والصّدق، يشرق هذا الجمال من الدّاخل إلى الخارج، فيغدو الجسد مرآةً لنقاء الرّوح. والإنسان الفاضل يكرّمُ الله في جسده كما في روحه، ويحرص على أن تكون أفكاره نقيّة، وكلماته طيّبة، وأعماله صالحة. وعندما يعي الإنسانُ حضورَ الله السّاكن في قلبه، يفيض سلامًا، وفرحًا، وجمالًا يظهر في نضارةِ وجهه، وفي جاذبيّة ابتسامته الصّادقة، وفي سلوكه الرّاقي الّذي يشهد لعيش الفضيلة…
” من نظرَ إلى الله، اكتشفَ أنَّ الحياةَ جميلة حقًّا… كي نرى هذا الجمال، لا تكفي عيونُ الجسد، أو المعايير الجماليّة، نحن بحاجة إلى التّأمّل، وإلى الحياة الدّاخليّة… الّذي يتوقّف، ويصغي، ويصلّي، ويقبل نظر المسيح الرّاعي، هو وحدَه يستطيع أن يقول بِثقة:” إنّي واثق به، ومعه يمكن أن تكونَ الحياةُ حقًّا جميلة، وأريد أن أسيرَ في طريق هذا الجمال… ” (البابا لاون الرّابع عشر)
لِنَسِرْ في طريق هذا الجمال…
لِنَرْنُ إلى جمالِ المصلوب… إلى جمالِ حبّه… عندها ينعكسُ نورُ فدائه إشراقًا مقدّسًا على وجوهِنا… عندها تشتعل أرواحُنا بسحرِ الفضيلة، فنهتمّ بأجسادنا لأنّها عطيّة ثمينة من الله، وهيكلُ روحه القدّوس.
لِنَقترِبْ من شعاعِ المصلوب، فكلّما ازدَدْنا قربًا منه، نَمَونا في الفضائل، وازداد جمالُنا الحقيقيّ إشراقًا، ذلك الجمال الّذي لا يزول مع مرورِ الزّمن، لأنّه ينبع من روحٍ متّحّدٍ بالله، ومحبةٍ تعكس حضوره فينا…
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط
