صاحب السّيّادة،
الكهنة والمكرَّسون الأعزّاء،
أعضاء جمعيّة السّينودس الإقليميّ الأعزّاء،
الموعوظون والمبتدئون في الإيمان الأعزّاء،
الإخوة والأخوات،
يسعدني أن ألتقي بكم، وأن أتوقّف، في إطار هذه الزّيارة الرّسوليّة، عند المسيرة التي تسلكونها في الجمعيّة الكنسيّة الإقليميّة.
أشكر سيادة المطران لوران أولريك (Laurent Ulrich)، رئيس أساقفة باريس، الذي ذكّر بأهمّيّة المكان الذي نحن فيه، التّاريخيّة والرّوحيّة، مستحضرًا أيضًا الأخ لوران (Laurent de la Résurrection)، الذي ترك أثرًا عميقًا في مسيرة إيماني بروحانيّته التي ترى حضور الله في الحياة اليوميّة. لكنّي، قبل كلّ شيء، أعبّر عن شكري لكم على ”ورقة العمل“ التي سلّمتموني إياها، وهي ثمرة مسيرة كنسيّة شارك فيها شعب الله، بروح من الإصغاء المتبادل والسّينوديّة.

يستقبلنا اليوم المعهد الكاثوليكيّ في باريس، وهو مؤسّسة تقع عند ملتقى العِلم والإيمان، وتُسهم منذ قرون في تنشئة العقول والقلوب لخدمة الإنجيل. أحيّي أساتذة هذه الجامعة وطلابها وموظّفيها، وكذلك جميع أعضاء الجمعية السّينوديّة في أبرشيّة باريس، المنخرطين في التّفكير في الآفاق الرّعويّة لاستقبال المبتدئين في الإيمان والموعوظين، وفي حياة الكنيسة.
إذ أتأمّل عن كثب في العمل الذي تقومون به، ولا سيّما إذ أصغي إلى الشّهادات المؤثّرة التي قدّمها جوزوي ومارييل وصوفي، أشعر قبل كلّ شيء بشكر كبير لعمل الله الذي يفوق كل توقّع. مثلكم ومعكم، أشعر بالدّهشة أمام عدد الأشخاص الذين يُقبِلون اليوم ويقفون على عتبة الإيمان، وأمام كثرة البالغين الذين يطلبون أسرار التّنشئة المسيحيّة.
قد يبدو من المفارقات أنّ ظاهرة عودة هذا العدد الكبير من الأشخاص لاكتشاف الإنجيل واعتناق الإيمان تجري في سياق مجتمع كالمجتمع الفرنسي، الذي يتسم بثقافة علمانيّة إلى حدّ كبير. خبرتكم وشهادتكم، أنتم الموعوظين والمبتدئين في الإيمان الأعزّاء، هما العلامة الملموسة لعمل نعمة الله، الذي يتجاوز التّحليلات الرّقميّة والاجتماعيّة. هذه الظّاهرة، التي تناقض كلّ موقف انهزامي وما كان البابا فرنسيس يسمّيه ”التشاؤم العقيم“ (راجع الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل، 84-86)، يجب أن نقبلها بروح من المسؤوليّة.
نحن مدعوون، في الواقع، إلى أن نتوجّه نحو إخوتنا وأخواتنا، وإلى أن نكتشف من جديد أسلوب الله الخاصّ، القائم على القرب والرّحمة والحنان. بحنان رعوي ومحبّة أخويّة، علينا أن نعرف الشّعلة الصّغيرة التي أوقدها الرّوح القدس في ظلمة الليل، وأن نقبلها ونحفظها؛ وأن نعرف البذرة الصّغيرة التي تتوق إلى أن تنمو حتّى في وسط الأشواك والعُلَّيق.
إنّ الدّهشة أمام ما يحدث لإخوتنا وأخواتنا الكثيرين يجب ألّا تحبسنا في فرح ساذج. بل العكس، يجب أن ننخرط في البحث، وأن نطرح الأسئلة، وأن نبادر إلى اتّخاذ إجراءات رعوية عمليّة. هذه هي الرّوح التي تحرّك جمعيتكم السّينوديّة، بل مسيرة الكنيسة في فرنسا عمومًا: إذ نندهش أمام عمل الله الذي يفوق كل توقّع، ماذا يجب أن نفعل؟ وإلى أين يدفعنا الرّوح القدس لمرافقة الموعوظين والمبتدئين في الإيمان و”العائدين إلى الإيمان“؟

أودّ أوّلًا أن أذكّر بعبارة استخدمها مجلس أساقفة فرنسا منذ سنوات طويلة، وكانت تحثّكم على أن تتخيّلوا وتكونوا كنيسة ”في حالة تنشئة“، تعتني بالموعوظين وبالمبتدئين في الإيمان وبالعائدين إلى الإيمان، وتقدّم لهم، على مرّ الزّمن، سندًا راسخًا. فقد كانت التّنشئة المسيحيّة، في مجملها، في صميم اهتمام الرّعاة منذ السّنوات التي أعقبت الحرب العالميّة الثّانية. وكانت الطّلبات كثيرة آنذاك أيضًا، كما أسهمت الحركة اللاهوتيّة والليتورجيّة التي طبعت تلك السّنوات إسهامًا كبيرًا في تجديد مسارات التّهيئة للموعوظين، وهو التّجديد الذي تطوّر لاحقًا خلال المجمع الفاتيكاني الثّاني. ومع أنّ السّياق مختلف اليوم، يمكنكم الرّجوع إلى هذا التّقليد الرّعويّ الرّاسخ في ما يتعلّق بتنشئة الموعوظين. ولا ننسَ أيضًا أنّ هذه الممارسة التي كانت موجودة من قبل أعيد تنشيطها منذ سنة 1996، وهي السّنة التي صدرت فيها ”الرّسالة إلى كاثوليك فرنسا“، وصدر معها في الوقت نفسه الطّبعة الفرنسيّة الأخيرة من ”رتبة تنشئة البالغين المسيحيّة“.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، أن نكون ”في حالة تنشئة“ يعني أن نقبل الباحثين الجدد عن الله، وأن نكتشف في حضورهم فرصة ورسالة: فالفرصة هي أنّه بفضلهم يجدّد المؤمنون أيضًا مسيرة إيمانهم، ويكتشفون فرح الإنجيل بطريقة جديدة. أمّا الرّسالة فهي الاعتناء بهم وإرشادهم، حتّى بعد أن يكونوا قد نالوا الأسرار المقدّسة. يجب أن نستقبل بفرح الذين يأتون إلينا، وننطلق من خبرتهم الرّوحيّة، ونحترم تاريخهم، ونعزّز إعلان جوهر البشارة، ولا سيّما بالصّيّغ المعروفة في المسيرة الشّخصيّة أو الجماعيّة. لكن لا ننسَ أنّ السّؤال الذي سمعناه في شهادة مارييل يظهر لاحقًا لدى هؤلاء الأشخاص الكثيرين: كيف نتجنّب ”الفراغ“ الذي يلي المعموديّة؟
لذلك، من الأساسيّ أن نرافق هؤلاء الأشخاص وأن ندمجهم اندماجًا كاملًا في جماعاتنا المسيحيّة وفي اجتماعات صلواتنا بعد معموديتهم، وأن نوفّر لهم مكانًا عائليًا وتنشئة شاملة قدر الإمكان، قادرة على أن تعانق مختلف جوانب الحياة المسيحيّة، وعلى أن تعزّز توحيد الإيمان بحياتهم. فالمبتدئون في الإيمان يتوقون ويحتاجون مرارًا إلى تعميق أسس الإيمان والصّلاة المسيحيّة، وإلى تكوين سليم من ناحية الكتاب المقدّس واللاهوت، وإلى اكتشاف متزايد لغنى العقيدة، ومختلف أبعاد العمل الأخلاقيّ المسيحيّ المرتبط بإعلان الإيمان.
أخيرًا، يحتاجون أيضًا إلى أن يُهيَّئوا للحياة الليتورجيّة في الكنيسة وأن يُدخَلوا فيها. سمعنا أيضًا في الشّهادات كيف كانت الاحتفالات بالطّقوس الليتورجيّة، بالنّسبة إلى بعضهم، بابًا للدخول إلى سرّ الإيمان. وبعد اجتياز هذا الباب، يجب المضيّ قدمًا واكتشاف غنى الليتورجيّا التي تسند كلّ حياة الإيمان. فهذا مجال أساسيّ من حياة الكنيسة يتطلّب عناية رعويّة متجذّرة في تعاليم المجمع الفاتيكاني الثّاني. فالليتورجيّا لا يمكن اعتبارها واقعًا ”لاحقًا“ للتعليم المسيحيّ، نضع فيه موضع التّطبيق ما تعلّمناه خلال المسيرة. بل العكس، هي تُظهر سرّ فصح المسيح وتجعله حاضرًا، ولذلك فهي الحدث القادر على أن يكشف معنى البُشرى السّارة ونقل حياة الله نفسها. وبإيقاعاتها ولغاتها وطقوسها، تشكّل الليتورجيا جزءًا لا يتجزأ من مسيرة التّوبة نفسها ومن الاستعداد للأسرار المقدّسة.

لإنجاز هذه الرّسالة، فإنّ دور المنشّئين أساسيّ. كما يعلّمنا تقليد الكنيسة العريق، يجب إعداد آباء وأمهات روحيّين في الجماعة المسيحيّة، يتلقّون تنشئة خاصّة لمرافقة المبتدئين في الإيمان في تنشئتهم. في إطار هذه التّنشئة، أوصي بمعرفة معمّقة لـ”رتبة تنشئة البالغين المسيحيّة“. وبالتوازي مع ذلك، من الضّروري تنشئة العاملين في المجال الرّعويّ، ليس فقط في أمور الكتاب المقدّس واللاهوت والليتورجيّة والحياة الرّوحية، بل أيضًا في مجال الصّفات الإنسانيّة، لكي يعرفوا كيف يميّزون أوضاع الذين تكون مسارات حياتهم أكثر تعقيدًا وأقلّ استقامة، وكيف يوجّهونهم. وقد سمعنا ذلك منذ قليل: يأتي بعضهم بعطش روحيّ بسيط، وبحث عن المعنى وانجذاب إلى الإنجيل، فيما يحمل آخرون آثار تجارب مؤلمة، وأوضاع من العزلة، وجِراحًا عميقة. هنا يكتسب أسلوب القرب والرّحمة والحنان معناه الكامل: يجب أن نجد توازن حكيم لاستقبالهم والإصغاء إليهم، وفي الوقت نفسه لتشجيعهم على مواجهة متطلّبات الإيمان وتحديّاته. إنّها مسيرة يجب فيها احترام إيقاع الآخر، والتّقدّم تدريجيًّا، بانتباه ورفقة أخويّة. إنّها مسيرة اعتماد أسلوب ”السّير معًا“». فعلى دروب الإيمان المسيحيّ، نغتني بعضنا من بعض وننمو معًا: الكهنة والعلمانيّون، الآباء والأمّهات والموعوظون، العاملون في المجال الرّعويّ والمبتدئون في الإيمان.
ومع ذلك، فهذا لا يكفي بعد. فالمعمَّدون الجُدُد ليسوا مدعوّين إلى التلقّي فحسب: إنّ إيمانهم كنز يقدِّم نفسه إلى كنيسة فرنسا وإلى الكنيسة الجامعة.
أفكّر في ما حدث لأحد أشهر الموعوظين في التّاريخ، القدّيس أغسطينس. فقد تهيّأ للإيمان على يد القدّيس أمبروزيوس، ولم يكن إيمانه عند معموديّته سوى بذرة صغيرة. لكن هذه البذرة نمت وتكاثرت، وصارت شجرة كبيرة إلى حدّ أنّنا لا نزال نجد اليوم الرّاحة في ظلّها.
وإذ أنظر إليكم، أيّها الموعوظون والمبتدئون في الإيمان الأعزّاء، لا أرى فقط ثمرة الرّوح الذي وضعكم على الطّريق، بل أرى أيضًا وعدًا بثمر كثير للكنيسة في فرنسا. كونوا أنتم أيضًا، بدوركم، مرسلين للإنجيل في هذا المجتمع!

ليسندكم في مسيرتكم الشّهود الكبار في هذه الأرض العزيزة. أفكّر في القديسة تريزيا الطّفل يسوع، التي تعلّمنا، بــ ”طريقها الصّغير“، كيف تفتح الثّقة أبواب النّعمة. وأفكّر في القديس مارتين دي تور (Martin de Tours)، المثال الواضح في المشاركة والمحبّة الأخويّة. ومع القدّيسين والقدّيسات الكثيرين الآخرين الذين أنجبتهم هذه الأرض الفرنسيّة، فهم يذكّروننا بأنّ الرسالة تُبنى اليوم، بالحفاظ قبل كلّ شيء على حضور الرّبّ يسوع في الحياة اليوميّة.
تقبَّلوا بعضكم بعضًا، وليمنحكم الله أن تكونوا جميعًا شعب الكنيسة الحيّ في فرنسا، القادر على أن ينقل الإيمان. وأسأل لكم حماية سيّدتنا مريم العذراء الوالديّة، شفيعة فرنسا الرّئيسيّة، وشفاعة القدّيسة جنيفييف (Geneviève) والقدّيس دينيس (Denis)، شفيعَي هذه المدينة، وأمنحكم من كلّ قلبي بركتي.
شكرًا لكم، وسيروا في طريقكم بسلام!
***********
© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2026
Copyright © دائرة الاتصالات – Libreria Editrice Vaticana
نشكر قراءتكم المقال. إن أردتم تلقّي الأخبار اليوميّة من زينيت عبر البريد الإلكترونيّ، يمكنكم الاشتراك مجانًا عبر الضغط على هذا الرابط
